الْأَوَّلُ: نَفْيُ الْمَسْأَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا.
الثَّانِي: كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ.
الثَّالِثُ: خَلْقُ الْأَرْضِ أَوِ السَّمَاءِ أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ
الرَّابِعُ: الْإِتْيَانُ بِحَرْفِ"كَانَ " الدَّالَّةِ عَلَى الْمُضِيِّ مَعَ أَنَّ الصِّفَةَ لَازِمَةٌ.
وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ
وَعَنِ الثَّانِي، أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحُهُمْ
وَعَنِ الثَّالِثِ، أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ ثُمَّ خلق السموات فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ، فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ
وَعَنِ الرَّابِعِ، بِأَنَّ"كَانَ"وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي لَكِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ الِانْقِطَاعَ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ تَفْسِيرٌ آخَرُ، أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ تَشَاغُلِهِمْ بِالصَّعْقِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَإِثْبَاتُهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَإِثْبَاتَهَا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ الْعَفْوَ فَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ قَالَ أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادَى أَلَا إن هذا فُلَانٍ فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ قِبَلَهُ فَلْيَأْتِ قَالَ فَتَوَدُّ الْمَرْأَةُ يَوْمَئِذٍ
أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حَقٌّ عَلَى أَبِيهَا أَوِ ابْنِهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يومئذ ولا يتساءلون
وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى قَالَ: لَا يُسْأَلُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ بِنَسَبٍ شَيْئًا وَلَا يَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَلَا يَمُتُّ بِرَحِمٍ
وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَدْ وَرَدَ بِأَبْسَطَ مِنْهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ: أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ: {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فَقَالَ: إِنِّي أَحْسَبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتَ لَهُمْ آتِي ابْنَ عَبَّاسٍ أُلْقِي عَلَيْهِ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ إِذَا جَمَعَ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُسْتَنْطَقُ جَوَارِحُهُمْ
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَفِيهِ: ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فيقول يا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرَسُولِكَ وَيُثْنِي مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُولُ: الْآنَ نبعث شاهدا عليك فيذكر فِي نَفْسِهِ مَنِ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَنْطِقُ جوارحه"
أما الثَّالِثُ، فَفِيهِ أَجْوِبَةٌ أُخْرَى، مِنْهَا أَنَّ"ثُمَّ"بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا إِيرَادَ وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَرْتِيبُ الْخَبَرِ لَا الْمُخْبَرُ بِهِ كَقَوْلِهِ: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}
وقيل: على بابها وهي لتعارف مَا بَيْنَ الْخَلْقَيْنِ لَا لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ وَقِيلَ: "خَلَقَ" بِمَعْنَى "قَدَّرَ"
وَأَمَّا الرَّابِعُ، وَجَوَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ "غَفُورًا رَحِيمًا" وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَضَتْ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى.
وَأَمَّا الصِّفَتَانِ فَلَا تَزَالَانِ كَذَلِكَ لَا يَنْقَطِعَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ أَوِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ وَقَعَ مُرَادُهُ قَالَهُ الشَّمْسُ الْكَرْمَانِيُّ
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَجَابَ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ وَانْتَهَتْ وَالصِّفَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَالْآخَرُ أَنَّ مَعْنَى "كَانَ" الدَّوَامُ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ كَذِلَكَ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ السُّؤَالُ عَلَى مَسْلَكَيْنِ وَالْجَوَابُ عَلَى دَفْعِهِمَا كَأَنْ يُقَالَ هَذَا اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَغْفِرُ لَهُ أَوْ يَرْحَمُ وَبِأَنَّهُ لَيْسَ في الحال كذلك لما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ "كَانَ"
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ كَانَ فِي الْمَاضِي تُسَمَّى بِهِ وَعَنِ الثَّانِي،: بِأَنَّ "كَانَ" تُعْطِي مَعْنَى الدَّوَامِ وَقَدْ قَالَ النُّحَاةُ: كَانَ لِثُبُوتِ خَبَرِهَا مَاضِيًا دَائِمًا أَوْ مُنْقَطِعًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَهُودِيًّا قَالَ لَهُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا فَكَيْفَ هُوَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِهِ عَزِيزًا حَكِيمًا
مَوْضِعٌ آخَرُ تَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو عبيدة حدثنا إسماعيل
ابن إبراهيم عن أيوب عن ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} وَقَوْلِهِ: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ: "مَا أَدْرِي مَا هُمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهِمَا مَا لَا أَعْلَمُ" قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَضُرِبَتِ الْبَعِيرُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَا حَضَرْتُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لِلسَّائِلِ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدِ اتَّقَى أَنْ يَقُولَ فِيهِمَا وَهُوَ أَعْلَمُ مِنِّي.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ يَوْمَ الْأَلْفِ هُوَ مِقْدَارُ سَيْرِ الْأَمْرِ وَعُرُوجِهِ إِلَيْهِ وَيَوْمَ الْأَلْفِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ هُوَ أَحَدُ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خلق الله فيها السموات وَيَوْمَ الْخَمْسِينَ أَلْفًا هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: حَدِّثْنِي مَا هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} وَ {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ}
فَقَالَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ حِسَابُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ والسموات فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كُلُّ يَوْمٍ يَكُونُ أَلْفَ سَنَةٍ وَ {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا} قَالَ: ذَلِكَ مِقْدَارُ الْمَسِيرِ
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بهما يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ بدليل قوله: {وْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}
فصل
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ لِلِاخْتِلَافِ أَسْبَابٌ:
أَحَدُهَا: وُقُوعُ الْمُخْبَرِ بِهِ على أنواع مُخْتَلِفَةٍ وَتَطْوِيرَاتٍ شَتَّى كَقَوْلِهِ فِي خَلْقِ آدَمَ: {مِنْ تُرَابٍ} ومرة: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} ومرة {مِنْ طِينٍ لازِبٍ} ومرة {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} فَهَذِهِ أَلْفَاظٌ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَانِيهَا فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ لِأَنَّ الصَّلْصَالَ غَيْرُ الحمإ والحمأ غيرالتراب إِلَّا أَنَّ مَرْجِعَهَا كُلَّهَا إِلَى جَوْهَرٍ وَهُوَ التُّرَابُ وَمِنَ التُّرَابِ تدرجت هَذِهِ الْأَحْوَالُ
وَكَقَوْلِهِ {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ} وَفِي مَوْضِعٍ: {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} وَالْجَانُّ الصَّغِيرُ مِنَ الْحَيَّاتِ وَالثُّعْبَانُ الْكَبِيرُ مِنْهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَهَا خَلْقُ الثُّعْبَانِ الْعَظِيمِ وَاهْتِزَازَهَا وَحَرَكَتَهَا وَخِفَّتَهَا كَاهْتِزَازِ الْجَانِّ وَخِفَّتِهِ.
الثَّانِي: لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ كَقَوْلِهِ: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ}
وَقَوْلُهُ: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} مَعَ قَوْلِهِ: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} قَالَ الْحَلِيمِيُّ: فَتُحْمَلُ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى السُّؤَالِ عَنِ التَّوْحِيدِ وَتَصْدِيقِ الرُّسِلِ وَالثَّانِيَةُ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ الْإِقْرَارُ بِالنُّبُوَّاتِ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ
وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ لِأَنَّ فِي الْقِيَامَةِ مَوَاقِفَ كَثِيرَةً فَفِي مَوْضِعٍ يُسْأَلُونَ وَفِي آخَرَ لَا يُسْأَلُونَ وَقِيلَ إِنَّ السُّؤَالَ الْمُثْبَتَ سُؤَالُ تَبْكِيتٍ وَتَوْبِيخٍ وَالْمَنْفِيَّ سُؤَالُ الْمَعْذِرَةِ وَبَيَانِ الْحُجَّةِ
وَكَقَوْلِهِ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} مَعَ قَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} حَمَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذُلِيُّ الْآيَةَ الْأَوْلَى عَلَى التَّوْحِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهَا: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَالثَّانِيَةَ عَلَى الْأَعَمَالِ وَقِيلَ: بَلِ الثَّانِيَةُ نَاسِخَةٌ لِلْأُولَى وَكَقَوْلِهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} مَعَ قَوْلِهِ: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} فَالْأُولَى تُفْهِمُ إِمْكَانَ الْعَدْلِ وَالثَّانِيَةُ تَنْفِيهِ
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأُولَى فِي تَوْفِيَةِ الْحُقُوقِ وَالثَّانِيَةَ فِي الْمَيْلِ الْقَلْبِيِّ وَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ الِإِنْسَانِ
وَكَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} مَعَ قَوْلِهِ: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} فَالْأُولَى فِي الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ وَالثَّانِيَةُ فِي الْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ وَالتَّقْدِيرِ.
الثَّالِثُ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَتَيِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أُضِيفَ الْقَتْلُ إِلَيْهِمْ وَالرَّمْيُ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِهَةِ الْكَسْبِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَنَفَاهُ عَنْهُمْ وَعَنْهُ بِاعْتِبَارِ التَّأْثِيرِ:
الرَّابِعُ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كَقَوْلِهِ: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} أَيْ سُكَارَى مِنَ الْأَهْوَالِ مَجَازًا لَا مِنَ الشَّرَابِ حَقِيقَةً.
الْخَامِسُ: بِوَجْهَيْنِ وَاعْتِبَارَيْنِ كَقَوْلِهِ: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} مَعَ قَوْلِهِ: {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} قَالَ قُطْرُبٌ فَبَصَرُكَ أَيْ عِلْمُكَ وَمَعْرِفَتُكَ بِهَا قَوِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ بَصُرَ بِكَذَا أَيْ عَلِمَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ رُؤْيَةَ الْعَيْنِ قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ}
وَكَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} مَعَ قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ الْوَجَلَ خِلَافُ الطُّمَأْنِينَةِ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ تَكُونُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ وَالْوَجَلُ يَكُونُ عِنْدَ خَوْفِ الزَّيْغِ وَالذَّهَابِ عَنِ الهدى فتوجه الْقُلُوبُ لِذَلِكَ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}
وَمِمَّا اسْتَشْكَلُوهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً}
فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْمَانِعِ مِنَ الْإِيمَانِ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ:
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً} فَهَذَا حَصْرٌ آخَرُ فِي غَيْرِهِمَا
وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الْأَوْلَى: " وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِلَّا إِرَادَةُ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْخَسْفِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا فِي الْآخِرَةِ " فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَهُمْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ مَانِعَةٌ مِنْ وُقُوعِ مَا يُنَافِي الْمُرَادَ فَهَذَا حَصْرٌ فِي السَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَانِعُ فِي الْحَقِيقَةِ وَمَعْنَى الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: " وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِلَّا اسْتِغْرَابُ بَعْثِهِ بَشَرًا رَسُولًا "لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَيْسَ مَانِعًا مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَابِ بِالِالْتِزَامِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَانِعِيَّةِ وَاسْتِغْرَابُهُمْ لَيْسَ مَانِعًا حَقِيقِيًّا بَلْ عَادِيًّا لِجَوَازِ وُجُودِ الْإِيمَانِ مَعَهُ بِخِلَافِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا حَصْرٌ فِي الْمَانِعِ الْعَادِيِّ وَالْأَوَّلُ حَصْرٌ فِي الْمَانِعِ الْحَقِيقِيِّ فَلَا تَنَافِيَ أَيْضًا
وَمِمَّا اسْتَشْكَلَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} مَعَ قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِفْهَامِ