الغرق إذا ركبوا أن يقولوا: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الْآيَةَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ لَيْثٍ قَالَ: "بَلَغَنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ شِفَاءٌ مِنَ السِّحْرِ يُقْرَأْنَ في إِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى رَأْسِ الْمَسْحُورِ: الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ يُونُسَ: {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} إلى قوله: {الْمُجْرِمُونَ} وَقَوْلُهُ: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إِلَى آخِرِ أَرْبَعِ آيَاتٍ وَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} الْآيَةَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ حديث أبو هُرَيْرَةَ: "مَا كَرَبَنِي أَمْرٌ إِلَّا تَمَثَّلَ لِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ "تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ"؛
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}
وَأَخْرَجَ الصَّابُونِيُّ فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: "هَذِهِ الْآيَةُ أَمَانٌ مِنَ السَّرَقِ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: "مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فِي أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا وَلَدٍ فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَيَرَى فِيهِ آفَةً دُونَ الْمَوْتِ"
وأخرج الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ آخِرَ سُورَةِ الْكَهْفِ لِسَاعَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَهَا مِنَ اللَّيْلِ قَامَهَا" قَالَ عَبْدَةُ: فَجَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ.
وأخرج الترمذي والحاكم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: {لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ إلا استجاب الله له" وعن ابْنِ السُّنِّيُّ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فُرِّجَ عَنْهُ كَلِمَةُ أَخِي يُونُسَ {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِي أُذُنِ مُبْتَلًى فَأَفَاقَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَرَأْتَ فِي أُذُنِهِ؟ قَالَ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مؤمنا قَرَأَ بِهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَالَ".
وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حيان فِي فَضَائِلِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُقْرَأُ عِنْدَهُ يس إِلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ".
وَأَخْرَجَ الْمَحَامِلِيُّ فِي أَمَالَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: "مَنْ جَعَلَ يس أَمَامَ حَاجَةٍ قُضِيَتْ لَهُ" وَلَهُ شاهد مرسل عن الدَّارِمِيِّ
وَفِي الْمُسْتَدْرِكِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: "مَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسْوَةً فليكتب يس في جام بِمَاءِ وَرْدٍ وَزَعْفَرَانٍ ثُمَّ يَشْرَبُهُ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ الضريس عن أبي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَجُلٍ مَجْنُونٍ سُورَةَ يس فبرئ.
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ مَنْ قَرَأَ يس إِذَا أَصْبَحَ لَمْ
يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا أَمْسَى لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُصْبِحَ أَخْبَرَنَا مَنْ جَرَّبَ ذَلِكَ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَنْ قَرَأَ الدُّخَانَ كُلَّهَا وَأَوَّلَ غافر إلى {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهَا حَتَّى يُمْسِيَ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ بِلَفْظِ لَمْ يَرَ شَيْئًا يَكْرَهُهُ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: "مَنْ قَرَأَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا"
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا فِي الْمَرْأَةِ يَعْسُرُ عَلَيْهَا وِلَادُهَا قَالَ: يُكْتَبُ فِي قِرْطَاسٍ ثُمَّ تُسْقَى: "بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؛ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} ، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا- يَعْنِي الْوَسْوَسَةَ، فَقُلْ: {هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَدَغَتِ: النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْرَبٌ، فَدَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا، وَيَقْرَأُ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ الرُّقَى إِلَّا بِالْمُعَوِّذَاتِ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ؛ حَتَّى نَزَلَتِ المعوذتان، فأخذها وَتَرَكَ مَا سِوَاهَا
فَهَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي الْخَوَاصِّ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ إِلَى حد الوضع ومن الموقوفات عن الصحابة والتابعين:
وأما مالم يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا جَدًّا اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ وَمِنْ لَطِيفِ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ عَنْ شُيُوخِهِ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ شَاقُولَ الْبَغْدَادِيَّةَ قَالَتْ: آذَانَا جَارٌ، لَنَا فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَقَرَأْتُ مِنْ فَاتِحَةِ كُلِّ سُورَةٍ آيَةً حَتَّى خَتَمْتُ الْقُرْآنَ، وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اكْفِنَا أَمْرَهُ ثُمَّ نِمْتُ وَفَتَحْتُ عَيْنِي وَإِذَا بِهِ قَدْ نَزَلَ وَقْتَ السَّحَرِ فَزَلَّتْ قَدَمُهُ فَسَقَطَ وَمَاتَ.
تَنْبِيهٌ
قَالَ ابْنُ التِّينِ: الرُّقَى بِالْمُعَوِّذَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الطِّبُّ الرُّوحَانِيُّ إِذَا كَانَ عَلَى لِسَانِ الْأَبْرَارِ مِنَ الْخَلْقِ حَصَلَ الشِّفَاءُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَلَمَّا عَزَّ هَذَا النَّوْعُ فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الطِّبِّ الْجُثْمَانِيِّ
قُلْتُ: وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرَأَ بِهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَالَ".
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِكَلَامِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ فَإِنْ كَانَ مَأْثُورًا اسْتُحِبَّ
وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنِ الرُّقْيَةِ فَقَالَ: لَا بأس أَنْ يُرْقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَقَالَ ابن بطال: في الْمُعَوِّذَاتِ سِرٌّ لَيْسَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ لِمَا اشْتَمَلَتْ
عَلَيْهِ مِنْ جَوَامِعِ الدُّعَاءِ الَّتِي تَعُمُّ أَكْثَرَ الْمَكْرُوهَاتِ؛ مِنَ السِّحْرِ وَالْحَسَدِ وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَوَسْوَسَتِهِ وَغَيْرِ ذلك فلهذا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْتَفِي بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَدِيثِ الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِ الْكَلَامِ خَوَاصَّ وَمَنَافِعَ، فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ بِالْفَاتِحَةِ الَّتِي لَمْ يَنْزِلُ فِي الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ مِثْلُهَا لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ مَا فِي الْكِتَابِ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ أُصُولِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَمَجَامِعَهَا وَإِثْبَاتِ الْمَعَادِ وَذِكْرِ التَّوْحِيدِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى الرَّبِّ فِي طَلَبِ الْإِعَانَةِ بِهِ وَالْهِدَايَةِ مِنْهُ وَذِكْرِ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ وَهُوَ طَلَبُ الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ وَلِتَضَمُّنِهَا ذِكْرَ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ وَقِسْمَتِهِمْ إِلَى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ وَمَغْضُوبٍ عَلَيْهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ وَضَالٍّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ مَعَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْمَعَادِ وَالتَّوْبَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ الْقَلْبِ وَالرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذَا بَعْضُ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ! انْتَهَى.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَوْ كَتَبَ الْقُرْآنَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ غسله وَسَقَاهُ الْمَرِيضَ فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو قِلَابَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ قَالَ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا: لَوْ كتب عَلَى حَلْوَى وَطَعَامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ انْتَهَى.
قال الزركشي: ممن صَرَّحَ بِالْجَوَازِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءِ الْعِمَادُ النَّيْهِيُّ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِلَاعُ وَرَقَةٍ فِيهَا آيَةٌ، لَكِنْ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْمَنْعِ مِنَ الشُّرْبِ أَيْضًا، لأنه تلاقيه نَجَاسَةَ الْبَاطِنِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
النَّوْعُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ: فِي مَرْسُومِ الْخَطِّ وَآدَابِ كِتَابَتِهِ
أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ خَلَائِقُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَأَلَّفَ فِي تَوْجِيهِ مَا خَالَفَ قَوَاعِدَ الْخَطِّ مِنْهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَرَاكِشِيُّ كِتَابًا "سَمَّاهُ عُنْوَانُ الدَّلِيلِ فِي مَرْسُومِ خَطِّ التَّنْزِيلِ" بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا اخْتُلِفَ حَالُهَا فِي الْخَطِّ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ مَعَانِي كَلِمَاتِهَا وَسَأُشِيرُ هُنَا إِلَى مَقَاصِدِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
أَخْرَجَ ابْنُ أَشْتَةَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ بِسَنَدِهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَالسُّرْيَانِيَّ وَالْكُتُبَ كُلَّهَا آدم صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثمائة سنة كَتَبَهَا فِي الطِّينِ ثُمَّ طَبَخَهُ فَلَمَّا أَصَابَ الْأَرْضَ الْغَرَقُ أَصَابَ كُلُّ قَوْمٍ كِتَابَهُمْ فَكَتَبُوهُ فَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَصَابَ كِتَابَ الْعَرَبِ
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ إسماعيل وضع الكتاب كله عَلَى لَفْظِهِ وَمَنْطِقِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ كِتَابًا وَاحِدًا مِثْلَ الْمَوْصُولِ، حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُ وَلَدُهُ يَعْنِي أَنَّهُ وَصَلَ فِيهِ جَمِيعَ الْكَلِمَاتِ، لَيْسَ بَيْنَ الحروف فرق هكذا "بسمللهر حمنر حيم" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ فرقه من بنيه هميسع وَقَيْذَرُ
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ أَبُو جَادٍ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الَّذِي نَقُولُهُ: إِنَّ الْخَطَّ تَوْقِيفِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} وَإِنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ دَاخِلَةٌ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي أَمْرِ أَبِي جَادٍ وَمُبْتَدَأِ الْكِتَابَةِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهَا وَقَدْ بَسَطْتُهَا فِي تَأْلِيفٍ مُفْرَدٍ.
فَصْلٌ
الْقَاعِدَةُ الْعَرَبِيَّةُ أَنَّ اللَّفْظَ يُكْتَبُ بِحُرُوفٍ هجائية مع مراعاة الابتداء والوقوف عليه وقد مهد النحاة له أُصُولًا وَقَوَاعِدَ وَقَدْ خَالَفَهَا فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ خَطُّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ
وَقَالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يُكْتَبُ الْمُصْحَفُ عَلَى مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنَ الْهِجَاءِ؟ فَقَالَ: لَا إِلَّا عَلَى الْكَتْبَةِ الْأُولَى رَوَاهُ الدَّانِيُّ فِي الْمُقْنِعِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْحُرُوفِ فِي القرآن الْوَاوِ وَالْأَلِفِ، أَتُرَى أَنْ يُغَيَّرَ من الْمُصْحَفِ إِذَا وُجِدَ فِيهِ كَذَلِكَ؟ قَالَ: لَا
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: يعني الواو والألف والمزيدتين فِي الرَّسْمِ الْمَعْدُومَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ
نحو الواو في "أُولُوا"،وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَحْرُمُ مُخَالِفَةُ مُصْحَفِ الإمام فِي وَاوٍ أَوْ يَاءٍ أَوْ أَلْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: مَنْ كتب مُصْحَفًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْهِجَاءِ الَّذِي كتبوا به هذه الْمَصَاحِفَ، وَلَا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ وَلَا يُغَيِّرُ مِمَّا كَتَبُوهُ شَيْئًا فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ عِلْمًا وَأَصْدَقَ قَلْبًا وَلِسَانًا وَأَعْظَمَ أَمَانَةً مِنَّا فَلَا يَنْبَغِي أن يظن بِأَنْفُسِنَا اسْتِدْرَاكًا عَلَيْهِمْ
قُلْتُ، وَسَنَحْصُرُ أَمْرَ الرَّسْمِ فِي الْحَذْفِ وَالزِّيَادَةِ والهمز والبدل وَالْفَصْلِ، وَمَا فِيهِ قِرَاءَتَانِ فَكُتِبَ عَلَى إِحْدَاهُمَا.
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: فِي الْحَذْفِ
تُحْذَفُ الْأَلِفُ مِنْ يَاءِ النداء، نحو: "يأيها الناس"، "يا آدم"، "يارب"، "ياعبادي"، وَهَاءُ التَّنْبِيهِ نَحْوَ: "هَؤُلَاءِ"، "هَا أَنْتُمْ"، وَنَا مع ضمير "أنجيناكم"، "آتيناه".
ومن ذلك: "أولئك"، و"لكن"، "وتبارك"، وفروع الأربعة: و"الله"، "وإله"، كيف وقع، "والرحمن"، "وسبحان"، كَيْفَ وَقَعَ، إِلَّا: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} .
وبعد لام نحو: "خلائف"، "خلاف رسول الله"، "سلام،" "غلام"،"إيلاف" "يلقوا."