بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 448

الأهمية التربوية للغة:
تعتبر اللغة وسيلة التفاهم والتخاطب والتعبير عن ما تكنه النفس البشرية، وما يحمله الإنسان من عواطف ومشاعر تجاه الآخرين وتجاه الأشياء، فهي رأس مطالع العلوم, فقد قيل: "مطالع العلوم ثلاثة: قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور"1 وقُسِّمَ الرجال باعتبار الجود إلى ثلاثة: "رجل بنفسه، ورجل بلسانه، ورجل بماله" 2. فكان اللسان أحد مطالع الجود؛ ولهذا كان الكلام أداة السحر البياني، وقد وفق الشاعر الجاهلي إذ جعل الكلام نصف الحياة الإنسانية، أو أحد أجزئها الثلاثة فقد قال:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم 3
وبالعبارة الجزلة الجميلة المؤثرة تُستَدر عواطف، ويُجمع بها شتات قلوب
1 أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن هذيل، عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، ص (48) .
2 المرجع السابق، ص (87) .
3 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص (14) .


صفحه 449

متفرقة، ويجمع بها وعليها كلمة الحق والخير.
ومن خلال اللغة يُسَطَّرُ ويُدَوَّنُ بها ما يُراد، ويكتب بحروفها الآثار، والمحامد والمحاسن، وتسجل بها العلوم والتاريخ، وتُنقل بها المعارف والفضائل، وبها تتغذى القلوب والأبصار، بما تحمله من معاني وأفكار وأفهام، وقد قيل في اللغة: (عنان كل صياغة، وزمام كل عبارة، وقسطاس يعرف به الفضل والرجحان، وميزان تعرف به الزيادة والنقصان، به يعرف ربوبية الرب، وحجة الرسل) 1.
وقد اهتم سلف الأمة باللغة العربية وعلومها في أنفسهم أولاً، وبتربية أبنائهم عليها ثانياً، فقد كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتعلموا العربية، وروى عنه أنه قال: رحم الله امرءاً أصلح من لسانه 2. وقد قيل في شأنها:
رأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تُعَنْوِنُ
ولا تعدُ إصلاح اللسان فإنه ... يخبِّرُ عما عنده ويُبَيِّنُ
ويعجبني زِيُّ الفتى وجماله ... فيسقط من عيني ساعة يَلْحَنُ 3
وكان اللحن مثلبة من مثالب الفتى، لا يرتقي في أعين ذوي الألباب والأفهام حتى يحسن من لسانه، قال ابن الأنباري: " وكيف يكون الخطأ في الكلام مستحسناً والصواب مستسجماً، والعرب تقرب المعربين، وتنتقص اللاحنين، وتبعدهم، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لقوم استقبح رميهم: ما أسوء رميكم، فيقولون: نحن قوم متعلمين، فيقول: لحنكم أشد عليَّ من فساد رميكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" 4.
1 الملك الأفضل عباس بن علي بن رسول الغساني، نزهة الظرفاء وتحفة الخلفاء، ص (54) .
2 ابن عبد البر، بهجة المجالس وأنس المجالس (1/64) .
3 المرجع السابق (1/64) .
4 بن دريد الأزدي، الملاحن، ص (72) .


صفحه 450

ويعتبر اللحن شنيع خاصة في طبقة المتعلمين، يقول شعبة: "مثل الذي يتعلم الحديث، ولا يتعلم النحو، مثل البرنس لا رأس له". وقال المأمون لأحد أولاده وقد سمع منه لحناً: "ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم أودَه، ويزين بها مشهده، ويَفَلَّ بها حجج خصمه بمسكتات حُكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه، أو يَسُرُّ أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده، أو أمته، فلا يزال الدَّهرَ أسير كلمته"1.
وفي عصرنا ازداد الجهل بقواعد اللغة وبأدائها وعلومها وفنونها، وربما أخذت اللغات الأجنبية عناية تربوية تفوق العناية بالعربية، وهي شكوى قديمة الأثر، يقول الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطا ليس "2.
واللغة العربية لها قيمة ومنزلة تربوية عظيمة، انبثقت من مكانتها العظيمة التي اختصت بها وتميزت، ومن تلك الخصائص التي انفردت بها عن لغات الدنيا قاطبة ما يلي:
1- أنها لغة القرآن الكريم التي وسعت كتاب الله لفظاً وغاية. قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 3.
وكثير من قضايا الحياة تتوقف على فهم النصوص الشرعية فهماً صحيحاً دقيقاً؛ ولذلك عني علماء الشريعة بكثير من مسائل الألفاظ ودلالاتها، وبحثوا في العام والخاص والحقيقة والمجاز، والمشترك والمترادف، مع أنها من مسائل علم اللغة؛ لأن استنباط الأحكام من النصوص منوط في كثير من الأحيان بتحديد فهم المسائل اللغوية وتمحيصها وتحليلها 4.
1 ابن عبد البر، بهجة المجالس وأنس المجالس، (1/64) .
2 الذهبي، سير أعلام النبلاء (10/74) .
3 سورة الزخرف، آية (3) .
4 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية (158-159) .


صفحه 451

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"1.
2- أن اللغة العربية هي لغة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولغة أصحابه رضي الله عنهم، وقد اعتنوا بها عناية كبيرة، وهي الوعاء الذي نقل بها إلينا، فسجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونُقِل الدين إلينا باللغة العربية، وكُتِبَ الفقه وعلومه بهذه اللغة العربية، وبالتالي فإن فهم الدين من مصادره الأصلية يعتمد على فهم اللغة العربية، ومعرفة معانيها ودلالاتها، وإذا أخفق المرء في فهمها عجز عن فهم معانيها ودلالاتها وربما رفع المنصوب ونصب المرفوع. يقول الكسائي ـ رحمه الله ـ 2:
إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كل أمر ينتفع
وإذا ما أبصر النحو الفتى ... مر في المنطق مراً فاتسع
وإذا لم يعرف النحو الفتى ... هاب أن ينطق جبناً فانقمع
يقرأ القرآن لا يعلم ما ... صَرَّفَ الإعراب فيه وصنع
فتراه يخفظ الرفع وإن ... كان من نصب ومن خفظ رفع
3- أنها اتصفت بالاعتدال في عدد حروف كلماتها، فأكثرها وضعت على ثلاثة أحرف، وقليل منها أصله رباعي أو خماسي؛ لئلا يطول النطق ويعسر، في حين خرجت بعض اللغات الأخرى عن الاعتدال3.
وفي هذا الاعتدال جوانب تربوية تعليمية مهمة، حيث تساعد متعلمها على
1 ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص (207) .
2 أبو عبد الله الجراح، الورقة، ص (26-27) ، وابن عبد البر، بهجة المجالس (1/68-69) ، وفيها زيادة.
3 محمد صالح الشنطي، المهارات اللغوية، ص (52) .


صفحه 452

إدراكها وفهمها، ويسهل عليه نطق كلماتها.
4- ومن خصائص اللغة العربية اتساع معجمها اللفظي، فللمعنى الواحد ألفاظ متعددة، إذا تعسر على المتكلم لفظة أتى بمرادفها، سواء كان مصدر التعسر النسيان، أو عدم القدرة على نطق بعض الحروف 1.
وتلك منقبة تربوية لهذه اللغة، إذ تجعل المتكلم بها شجاعاً في خطابه بقدر سعة إلمامه بمفرداتها، فلا يهاب التلعثم، ولا النسيان، وتزيل الخوف عمن يصعب عليه نطق بعض الحروف، حيث من مقدوره أن يعمد إلى مترادفاتها التي خلت مما يعجز عن لفظه من الأحرف.
5- عذوبة اللغة العربية، وجمال ألفاظها، وحسن تركيب عباراتها على مستوى الجمل أو على مستوى مكونات الكلمة من الحروف، فمن يتتبع تراكيب هذه اللغة ويتدبر أثر الأسباب اللسانية فيها، لا يجد كلاماً يعدل كلام العرب في العذوبة والبيان، وفي الاختصار، ونهج التأليف بين حروف الكلمة الواحدة" 2.
فصفات الحروف يجمعها لقبان: المصمتة والمذلقة. فالمذلقة ستة أحرف: (ب، ر، ف, ل، م، ن) وهي أخف الحروف، وأسهلها وأكثرها امتزاجاً بغيرها لسرعة النطق بها؛ ولذلك كان لابد في كل كلمة على أربعة أحرف أو خمسة، أن يكون فيها مع الحروف المصمتة حرف من الحروف المذلقة، لتعادل خفة المذلق ثقل المصمت 3.
1 المصدر السابق (53) .
2 مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب (1/87) .
3 باسمة العسلي، جماليات اللغة العربية على مستوى الحروف والأصوات، ص (58) ، اقتباساً عن ابن دريد، مقدمة جمهرة العرب، ص (7) .


صفحه 453

مفهوم الأدب:
الأدب: هو الكلام المنظوم والمنثور، من حيث فصاحته وبلاغته، وغايته الإجادة في فنّي المنظوم والمنثور على أساليب العرب، وتهذيب العقل، وتذكية الجنان 1.
وهذا التعريف شامل لكل منظوم، ومنثور من الأدب، سواءً ما التزم بالآداب والفضائل أو ما خرج عنها؛ ولذلك ظهر اصطلاح الأدب الإسلامي الذي يضبط القرائح الأدبية ونتاجها، بالمنهج الإسلامي، وقد عرف الأدب الإسلامي بعدة تعريفات منها:
أن الأدب: هو التعبير الفني الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب تعبيراً ينبع من التصور الإسلامي للخالق عز وجل ومخلوقاته2.
ويعرف أيضاً بأنه: (التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإسلامية) 3.
فالأدب الإسلامي: هو التزام المنظوم والمنثور من الكلام بأهداب الشريعة الإسلامية.
وهذا لا يتأتى إلا إذا اقترنت التربية الإسلامية بتنشئة الأديب تنشئة إسلامية، فامتلأت جوانحه ومشاعره بهدي الإسلام، ففاضت تصوراته ومعالجاته لقضاياه الاجتماعية والأخلاقية وغيرها بآداب الإسلام وهديه.
والأدب الجميل هو الذي يأخذ بمدلول ومفهوم البلاغة التي هي (الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خَطَل. وقيل للأحنف: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في استحكام الحجج، والوقوف عندما يكتفى به) 4.
1 أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، ص (14) .
2 ناصر عبد الرحمن الخنين، الالتزام الإسلامي في الشعر، ص (18) .
3 صالح آدم بيلو، من قضايا الأدب الإسلامي، ص (56) .
4 ابن عبد البر، بهجة المجالس وأنس المجالس (1/71) .


صفحه 454

الأهمية التربوية لأدب اللغة:
أدب اللغة ذلك الثوب اللفظي الجميل، الذي ترتديه المقاصد والمعاني من تراكيب الألفاظ البديعة، فتؤثر في القلوب والعقول بجميل المحسنات اللفظية، والتي يمكن إبراز أهم معالمها التربوية في المحاور التالية:
1- للأسلوب الأدبي تأثير فاعل على النفوس البشرية، ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر حكماً ومن البيان سحراً" 1.
فالأدب البناء الذي يشحذ الهمم نحو السمو الخُلُقي، يظهر تأثيره التربوي بتفاعل القلوب والأذهان والأفهام في رحاب ساحته؛ لأن (الأدب الذي يؤثر بشكله الجميل، وأسلوبه البارع، ينقل إلى الأذهان والقلوب والنفوس مضامينه الفكرية والتوجيهية غالباً، فيجعل لها مواطن مستقرة فيها، ثم يجعلها فعّالة وموّجهة للسلوك) 2.
2- في الأدب تربية اللسان على استخدام جميل الألفاظ، وأحسن العبارات، وأدق المعاني؛ ولذلك فإن (كلام اللبيب وإن كان نزراً أدب عظيم) 3.
وقد قيل 4:
رأيتُ العز في أدب وعلم ... وفي الجهل المذلة والهوان
وما حسن الرجال لهم بفخر ... إذا لم يسعد الحسن البيانُ
كفى للمرء عيباً أن تراه ... له وجه وليس له لسانُ
1 أحمد (1/269) ، أبو داود (5/278ـ279) ، برقم (5012) ، وابن ماجه (2/1235ـ1236) ، برقم (3755) ، ورقم (3756) ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (1731) .
2 عبد الرحمن الميداني، قضايا حول الشعر العربي، والأدب الإسلامي، ص (77) .
3 عبد الله بن المقفع، الأدب الصغير والأدب الكبير، ص (24) .
4 علي بن عبد الرحمن بن هذيل، عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، ص (122) .


صفحه 455

وقال علي بن الجهم 1:
لو قيل لي تملك الدنيا بأجمعها ... ولا تكون أديباً تُحسن الأدب
لقلت لا ابتغي هذا بذاك ولا ... أرى إلى غيره مستدعياً أربا
لجلسة مع أديب في مذاكرة ... أنفي به الهم أو أستجلب الطربا
أشهى إلىّ من الدنيا وزخرفها ... ومثلها فضة أو مثلها ذهباً
وقد اعتنى الأوائل من سلف الأمة باللغة وآدابها، ومن أولئك الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ فعن أبي الوليد بن أبي الجارود، قال: "ما رأيت أحداً إلا وكتبه أكبر من مشاهدته إلا الشافعي، فإن لسانه أكبر من كتبه"2. ذلك أن الإمام الشافعي له عناية كبيرة باللغة العربية وعلومها وآدابها 3.
3- تربية خصوبة الخيال بأدب اللغة، لما اشتملت: عليه المقطوعات الأدبية من تصوير المعاني وتقريبها من الأفهام بألفاظ وصور في غاية الحسن والإبداع.
4- الأدب وسيلة إصلاح وتربية وتوجيه لبناء الفضائل الخلقية والتعلق بها، والبعد عن الرذائل السلوكية وهجرها، فكم بيت من الشّعر، أو سطرٍ من النثر غرس في قلوب السامعين فضيلة وصدها عن رذيلة. (وعلماء السلف ـ رحمهم الله ـ عندما قسموا الأدب إلى: أدب درس وأدب نفس، لاحظوا هذا الجانب التربوي الذي يعني بالسلوك إلى جانب المنافع الأخرى التي يمكن أن يسهم الأدب في إصلاحها) 4.
5- تربية الذهن بما اشتمل عليه الأدب اللغوي من الحكم والأمثال التي تفتقت
1 المرجع السابق، ص (123) .
2 السيوطي، التعريف بآداب التأليف، ص (25) .
3 انظر: ترجمة الشافعي، في سير اعلام النبلاء للذهبي، ص (10/70) .
4 محمد بن سعد بن حسين، الأدب الإسلامي بين الواقع والتنظير، ص (13) .