ومن صور الألفاظ البديعة التي تجعل المرء يقف ويفكر في سرعة البديهة وحضور الجواب، والقدرة على صياغة العبارات موقف امرأة وحسن جوابها مع المهدي، فقد قيل: (وقف المهدي على امرأة من بني ثعل، فقال لها: ممن العجوز قالت: من طيء، قال: ما منع طياً أن يكون فيها آخر مثل حاتم؟ قالت: الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك) 1.
ولهذا الموقف الأثر التربوي الفاعل الذي يربي في المستمع بتكرار أمثاله، حسن الجواب وسرعة البديهة، ولما اشتملت عليه المحاورة من تسخير الكلمات والألفاظ لخدمة الأفكار، وربما أحجم البعض عن إيضاح الأفكار العظام التي يهتز لها أولى الألباب لضعف القدرة على تركيب الألفاظ وحسن البيان.
والتفاعل السلوكي وليد التأثير اللفظي في الجانب العقلي كما هو حال التأثير الفعلي. ذلك أن الكلمة الزكية واللفظ الجميل يأسر الألباب، ويحرك العقول لتؤثر في العواطف الانفعالية، فيظهر السلوك في الصورة والهيئة المناسبة مع وقع الكلمات المؤثرة والصياغة الجميلة. قال عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ: "إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغض استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها، فيعرب فأجيبه إليها التذاذاً لما أسمع من كلامه، وقال: أكاد أضرس إذا سمعت اللحن" 2.
وكذلك الكلمة المنمقة الجميلة التي تحمل في طياتها ما يهيج الشر، ويدعو إلى الرذيلة، تجدها تؤز سامعها إلى الشر أزاً، ما لم يكن له إيمان قوي يمنعه من اتباع زخرف القول غروراً، قال تعالى عن شياطين الإنس والجن: {وَكَذَلِكَ
1 الجاحظ، المحاسن والأضداد، ص (21) .
2 ابن دريد الأزدي، الملاحن، ص (72) .
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} 1.
والمعنى: (أي يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد إليه الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة المموهة، فيعتقدون الحق باطلاً، والباطل حقاً، ولهذا قال تبارك وتعالى {وَلِتَصْغَى إِلَيْهَِ} أي ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف {أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة يحملهم على ذلك) 2.
وهذا يدل على التأثير الفاعل للكلمة المزخرفة على من ضعفت قلوبهم ووهنت عقولهم، فربما أحدثت أثراً تربوياً سيئاً في التصور والفعال والأخلاق.
4- تربية الذوق اللفظي وترسيخ المعاني:
لاستماع وقراءة الكلمات والعبارات والقصائد والنثر الأدبي الجميل أثر في حس المستمع والقارئ إذ تغرس فيه تذوق الكلمات واستشعار جمال مبانيها، ومحسناتها البديعية، وتراكيبها اللغوية، بما شملته من جناس وطباق وتشبيه حتى يألف حسه تلك الجمل والعبارات فينمو ذوقه اللغوي كما ينمو ذوقه الفكري.
ففي التعود على الألفاظ الجميلة وتربية اللسان عليها أثر عظيم الفائدة على المستمع أو القارئ؛ ذلك أن المتكلم يسحر الألباب بعذوبة ألفاظه وحسن بلاغته وجمال تراكيب كلامه، وقد كان للسلف عناية باللغة وألفاظها، فعن
1 سورة الأنعام، آية (112ـ113) .
2 السعدي، تيسير الكريم الرحمن (2/59ـ60) .
يونس بن عبد الأعلى، قال: ما كان الشافعي إلا ساحراً 1 ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كأن ألفاظه سكر، وكأن قد أوتي عذوبة منطق وحسن بلاغة، وفرط ذكاء وسيلان ذهن، وكمال فصاحة وحضور حجة 2.
فتأمل موقع الكلمة وقدرها في هذا الوصف الجميل لألفاظ وكلام الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ وما أحدثته عند سامعيه.
بل إن في الكون الذي يحيط بنا آيات بينات، فكيف إذا لفت الانتباه لها بأسلوب أدبي رفيع يربي في الناشئة قوة الملاحظة بالوصف الجميل والبيان الواضح، فالكون من حولنا فيه تناسق.. والسماء فيها زينة … والأرض فيها جنات معروشات، وغير معروشات.. والحيوان فيه جمال.. والنبات والثمر والأزهار بألوانها وأشكالها وروائحها، فيها تناسق وجمال، والإنسان نفسه في أحسن صورة، وأكرم تقويم 3.
فإذا بينت الآيات الباهرات في هذه المخلوقات وغيرها بأسلوب أدبي بديع أحدثت في نفس السامع أثراً وذوقاً لغوياً، وترسخت تلك المعاني والألفاظ بصورها وأشكالها في ذهنه، ونسجت لها بيتاً لغوياً وأدبياً في ذاكرته، وعمرت معجمه اللغوي بألفاظ بديعة، تمكنه من التنقل بينها عند التعبير والإفصاح عن مراده.
ومثال ذلك وصف الزروع والمروج وهي تكسي الأرض الصفراء حلة خضراء مليئة بالأزهار والأطيار كالقصيدة المشهورة للبحتري في وصف الربيع التي مطلعها 4:
1 ليس المقصود هو إتيان السحر وإنما لبيانه جمالاً وعذوبة كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحراً".
2 الذهبي، سير أعلام النبلاء (10/48) .
3 عبد الحميد الهاشمي، الرسول العربي المربي، ص (66) .
4 ديوان البحتري، البحتري (2/290) .
اتاك الربيع الطلق يختال ضحاكاً ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجا ... أوائل وردكن بالأمس نوما
فإن الاستمتاع بجمال الكون جزء أصيل مقصود في التربية الإسلامية لما له من آثار في النفس، فمن فوائد النظر إلى السماء، وآثاره النفسية أنه يذهب الخوف والوساوس، ويذكر بالله عز وجل، ويوقع في النفس تعظيمه وإجلاله، ويزيل الأفكار الرديئة من الذّهن1.
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار} 2.
بل إن الذوق اللفظي الممتزج بعطر الشريعة الخلقي امتد إلى هجر الكلمات التي اعتادها اللسان في فترة الجاهلية كقولهم: أبيت اللعن، وعم صباحاً، وعم مساءً، وظهرت ألفاظ جديدة لم تكن تستعمل في أدب الجاهلين، كالإيمان والتوحيد والجهاد، والوحي والزكاة، والركوع والسجود والحلال والحرام 3.
كل هذه العبارات وتداولها في أدب اللغة شعره ونثره إنما تربي في المسلم حساً خلقياً وذوقاً رفيعاً يتعالى فيه ويسمو عن محقرات الأمور والدنايا إلى رفعة الكلمة وسمو معناها وذوقها اللفظي الذي يعبر عن الإنسان المسلم السوي.
1 عدنان با حارث، مسئولية الأب المسلم، ص (354) .
2 سورة آل عمران، آية رقم (190ـ191) .
3 عبد الصبور السيد الغندور، الأدب الإسلامي، مفهومه ومقوماته وطرق تدريسه، ص (25) .
أهمية الكسب المعرفي:
تعتبر المعرفة هي الغذاء الذهني؛ ذلك أنها الفاعل المؤثر في زيادة الفهم والإدراك والتخيل، بل هي العامل المؤثر في استثارة الجوانب الإبداعية لدى المتعلم، لما تحدثه من تفتح ذهني، فتصحح به خارطة التفكير، ومسارات الفهم، (فالتعليم من أهم وسائل نمو الخصائص العقلية، وبلوغ النضج العقلي، وصقل وتزكية القدرات والملكات، والمواهب والميول والهوايات، وبدونه يظل عقل الإنسان قاصراً معطلاً، غير قادر على العطاء والإنتاج الفكري والعملي) 1.
وقد أولى الإسلام الجانب المعرفي أهمية كبيرة معتمداً على أهم عناصرها، وهي القراءة. قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} 1.
1 عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية (451) .
2 سورة العلق، آية (1ـ2) .
بل رفع من مكانة العلم والعلماء بما حوته نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وأفرد لها علماء المسلمين من السلف والخلف كتباً عنت بذلك عناية فائقة، وذلك لما غرسه الإسلام في أذهانهم من أهمية العلم في دار الدنيا والآخرة. قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات} 1.
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 2.
وقال بعض البلغاء:"تعلم العلم فإنه يقومك ويسددك صغيراً ويقدمك ويسودك كبيراً، ويصلح زيفك وفاسدك، ويرغم عدوك وحاسدك، ويقوم ميلك وعوجك، ويصحح خطأك وأملك" 3.
وقد قيل:
تعلم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
ولا يلزم من المرء في كل الأحوال أن تكون له زيادة في توليد المعرفة واستحداثها، وإنما يلزمه المعرفة. والإلمام، وقد قيل: "ومن أخذ كلاماً حسناً عن غيره فتكلم به في موضعه وعلى وجهه، فلا ترين عليه في ذلك ضؤولة، فإن من أعين على حفظ كلام المصيبين وهُدي للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذ عن الحكماء ولا عليه أن لا يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس بناقصة في رأيه، ولا غامطة من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه" 4.
ومن الملاحظ أنه ما اهتم شخص بجوانب المعرفة أو بجانب منها إلا وانقدح
1 سورة المجادلة، آية (11) .
2 سورة فاطر، آية (28) .
3 المارودي، أدب الدنيا والدين، ص (36) .
4 ابن المقفع، الأدب الصغر والأدب الكبير، ص (12ـ13) .
عقله وثارت قريحته، فتولدت منها معرفة. مما يدلل على أهمية العناية بالمعارف والعلوم والاستفادة منها والاستزادة، فإنه قوة للمرء في شؤون دينه ودنياه.
الوقت في الدرس والمطالعة عن حب للعلم ورغبة فيه.
ومن الأدب الشعري للترغيب في طلب العلم وشحذ الهمم قول أحدهم1:
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لكل المحامد
وكن مستفيداً كل يوم زيادة ... من العلم واسبح في بحار الفوائد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد ... إلى البرِّ والتقوى وأعدل قاصد
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
فإن فقيهاً واحداً متورعاً ... أشد على الشيطان من ألف عابد
فهذه الأبيات الشعرية في وضوحها وجمال نسقها وقوة بيانها ما يحفز المرء ويدفعه إلى خوض غمار العلم والإبحار في فوائده، مع التخصص في الفقه فهو أفضل قائد لتقوى الله، وأكرم قاصد، وصاحبه إذا كان من أهل الورع والتقى أشد على الشيطان من العابد الذي زَهِدَ في العلم، واقتصر على التعبد لربه بغير العلم.
وقيل2:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبورُ
وإن امرأ لم يحى بالعلم ميت ... فليس له حين النشور نشور
وقيل:
ذو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميمُ
وذي الجهل ميت وهو يمشي على الثرى ... يُظن من الأحياء وهو عديم
1 برهان الدين الزرنوجي، تعليم المتعلم طريق التعلم، ص (31) .
2 المرجع السابق، ص (64) .