بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 486

مما يعيق تحصيل العلم، وإلا فهو الحافظ اللبيب من أهل التقى، كان من أحسن الناس حفظاً. قال ـ رحمه الله ـ: "كنت أقرئ الناس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وحفظت الموطأ قبل أن احتلم" 1.
3- نقل المعرفة:
إن اللغة هي وعاء المعرفة، بها تحفظ العلوم، لفظاً وكتابة، فكل علم هو على اللغة يعتمد، في حفظه وفي نقله، وقد حفظت لنا اللغة العربية علوم أسلافنا، ونقلت إلينا بواسطتها. فنعم الناقل ونعم المنقول. وقد قيل: (الكتب بساتين العلماء، وقيل الكتاب جليس لا مؤنة له) 2.
والكتب بما سطر فيها وسيلة لتحريك الهمم، وصقل العقول. يقول أحد أعيان العلم في من أفرط في العلم أيام خموله وحداثة سنه: "لولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب، ونازعت إلى حب الكتب وأنفت من حال الجهل" 3.
واللغة العربية تميزت بدقة ألفاظها في نقل المعرفة، حيث تعطيك اللفظ الدقيق الذي يصور الشيء على حقيقته، وهذه خاصية تميزت بها اللغة العربية عن غيرها من اللغات في نقل المعرفة، يقول أحد المتخصصين: "وتمتاز اللغة العربية بدقة تعبيرها، والقدرة على تمييز الأنواع المتباينة والأفراد المتفاوتة، والأحوال المختلفة، سواء في الأمور الحسية، أو المعنوية" 4.
ومثال ذلك: المشى عام، ودرج للصبي، وحبا للرضيع، وحجل الغلام أن يرفع رجلاً ويمشى على أخرى، وخطر الشاب مشى باهتزاز ونشاط، ودلف
1 الذهبي، سير أعلام النبلاء (10/54) .
2 الجاحظ، المحاسن والأضداد، ص (10) .
3 المرجع السابق، ص (10) .
4 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص (213) .


صفحه 487

الشيخ، مشى رويداً بخطا متقاربة، وهدج مشى مثقلاً، ورسف للمقيد، واختال وتبخترٍ وتخلج وهرول وتهادى أنواع من المشي.
والنظر عام، ورمقه نظر إليه بمجامع عينية، ولحظه نظر إليه من جانب أذنه، ولمحه نظر إليه بعجلة 1.
فمثل هذه الألفاظ الدقيقة في معناها ومدلولها، تعطي نقلاً دقيقاً للمعرفة تعجز عنها لغات العالم، ومن جانب آخر إذا تعود الناشئة منذ مراحلهم المتقدمة على استخدام الألفاظ العربية الصحيحة حسب دلالاتها ومعانيها يكسبهم ذلك ثروة لغوية ودقة في التعبير والوصف ونقل المعرفة، بل ويزيدهم ثراءً لغوياً.
بل إن كثرة القراءة والاطلاع على كلمات اللغة واستخدامها وسيلة تربوية لعلاج التخلف اللغوي كما يقرره التربويون المتخصصون (فالقراءة خير علاج لتخلف مستوى المحصول اللفظي عن المستوى العادي) 2.
وللمحصول اللفظي أهميته القصوى في تنمية القدرة على التعبير، والقدرة على معرفة المادة المقروءة 3.
كما أن دقة التعبير والتخصيص سبيل من سبل تكوين الفكر العلمي الواضح المحدد الذي تحتاج إليه كل أمة في تربية أبنائها على التفكير الواضح الدقيق الذي يعدهم للعمل والبحث العلمي، ولا يمكن أن تكون اللغة البعيدة عن الدقة المتصفة بالعموم أو الإبهام أو الغموض أداة للتعبير عن الفكر العلمي الدقيق، ولابد من التقابل في الخصائص والصفات بين التعبير والتفكير 4.
1 المرجع السابق، ص (312) .
2 فؤاد البهي السيد، الأسس النفسية للنمو، ص (193) .
3 المرجع السابق، ص (193) .
4 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص (317) .


صفحه 488

الأهمية التربوية للتفكير:
يعتبر التفكير هدفاً تربوياً يسعى القائمون على المؤسسات التربوية تنميته لدى الناشئة؛ وذلك أنه يصقل عقولهم، وينمو بها نحو الاستخدام الأمثل للفرصة المتاحة المباحة في أي مجال من مجالات الحياة النافعة.
والقدرات العقلية عديدة ومتنوعة عند الإنسان مثل: (القدرة على الإدراك، والقدرة على التذكر، والقدر على التخيل، والقدر على الاستنباط والاستنتاج، والقدر على التحليل، والقدرة على التركيب، والقدرة على الاستقراء، والقدرة على التكيف، والقدرة اللغوية والقدرة الكتابية، والقدرة العددية أو الحسابية، والقدرة العملية، والقدرة الفنية أو الجمالية ونحوها) 1.
1 عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، ص (419) .


صفحه 489

فهذه القدرات في تنوعها تحتاج إلى تنميتها لدى الأفراد من خلال جوانب التعليم والمعرفة المتعددة، ومنها جانب اللغة العربية وعلومها المختلفة التي تقدح ذهن المتعلم، وتنمي فيه قدرات عقلية متنوعة، كسعه الخيال وخصوبته، وفهم مرامي الكلام وتأويله ولحنه ومغازيه، وإدراك الحكمة والتمثل بها قولاً وعملاً؛ ولذلك ربط بين الرأي والأدب.
فقيل: (الرأي والأدب زوج، لا يكمل الرأي بغير الأدب، ولا يكمل الأدب إلا بالرأي) 1؛ وذلك أن الأدب هو الوسيلة في التعبير الموضحة لمقدار العقل، والذي يؤكده ذلك الموقف من غلام وفد أهل الحجاز عندما جاءوا مبايعين للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتقدم الغلام للكلام، فقال عمر: يا غلام ليتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استجاد له الاختيار 2. فزين الغلام فكره بمنطقه اللغوي، ولو كان عي اللسان لما ازدان فكره بلسانه.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بيان أهمية اللغة في التربية العقلية: "تعلموا العربية فإنها تثبت العقول، وتزيد في المروءة" 3.
وقال: "وعليكم بالفقه في الدين، وحسن العبادة، والتفهم في العربية"4. فاللغة هي الجسر الذي يصل بين الحياة والفكر، تسبق وجود الأشياء أحياناً، وتلحقها أحياناً أخرى، فالفكرة التي تجول في الذهن مجردة تنتقل إلى شيء يتحقق وجوده وبعد أن يوجد الشيء ينتقل إلى أذهان الآخرين بطريق اللغة 5.
1 ابن المقفع، الأدب الصغير والأدب الكبير، ص (37) .
2 أبو إسحاق القيرواني، زهرة الآداب (1/40) .
3 ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطاب، ص (222) .
4 المرجع السابق (222) .
5 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص (14) .


صفحه 490

الآثار التربوية:
للغة العربية آثار تربوية جلية في النمو الفكري للإنسان، فهي مصدر قوي لسعة الخيال وتخصيبه، بصورها البلاغية وأدبها المتألق وقواعدها الرصينة، والتي فاضت كتب الأدب فيها بالأمثال والحكم التي لا تزيد قارئها إلا حكمة وأدباً وفهماً، ويمكن استجلاء شيئاً من آثارها التربوية الفكرية في الآتي:
1- النمو الفكري:
يعتبر الجانب الفكري أحد المطالب التربوية التي تسعى المنشآت التربوية لترسيخها وبنائها وتنميتها في الناشئة، حيث (تعد عملية التفكير كعميلة عقيلة


صفحه 491

عليا من أهم وظائف العقل البشري التي تمكنه من الفهم والإدراك، والتمييز والمعرفة والاستيعاب والاستنباط والاستنتاج، وإصدار الأحكام الصائبة) 1.
والمتأمل يجد أن اللغة العربية وعلومها من أهم المصادر الفاعلة في تربية الفكر الإنساني ونموه، لما حوته علوم اللغة العربية من الحكم والأمثال والقصائد الشعرية والأدب النثري الذي تزكو به العقول (فللعقول سجيات وغرائز بها تقبل الأدب، وبالأدب تُنَمَّى العقول وتزكو، فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها وتُظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها وريعها ونظرتها ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها، فيذهب عنها أذى اليَبَس والموت، ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة، فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغْرِزِها من القلب، لا قوة لها ولا حياة بها، ولا منفعة عندها حتى يعتملها الأدب الذي هو ثمارها وحياتها ولقاحها) 2.
واللغة العربية لم تقتصر على كونها معبرة عن التفكير، بل كانت أداة نموه، وارتقائه 3. ويشهد لذلك القرائح الأدبية التي أثرت كتب الأدب بالنثر والشعر الذي حوته بين جوانبها.
والذي يتأمل خصائص اللغة العربية، ويدرسها بعمق، انما تزيده عمقاً فكرياً، ففي مكونات الكلمة أسرارٌ بديعة، يكشفها علماء اللغة العربية. فهناك. (تقابل بين أصوات الألفاظ، وما تدل عليه من المعاني، فمن ذلك أنه يرى ـ أي ابن جني ـ أن تكرار الحروف في اللفظ يقابل تكرار الحدث، أو الفعل في الواقع كما في زلزل، وجرجر، وأن تكرير العين في بناء الفعل، وهي أقوى حروفه، يقابل تكرير الفعل نفسه كما في كسّر وعلّق، ويرى ابن جني أن ما سبق لم يقع
1 عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، ص (444) .
2 عبد الله بن المقفع، الأدب الصغير والأدب الكبير، ص (11ـ12) .
3 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص (15) .


صفحه 492

في هذه اللغة الشريفة مصادفة، وإنما هو أمر مقصود دلت عليه حكمة العرب التي شهدت بها العقول) 1.
فالمتأمل في فقه اللغة العربية يجد أن دراستها تنمي الفكر الإنساني بما يجده فيها من حكم وأسرار وجمال في التراكيب اللفظية والتناسق العجيب بين الكلمة ومرادها، وحتى بين أصوات اللغة وأصوات الطبيعة.
ويؤكد المتخصصون في اللغة (أن العلاقة بين الفكر واللغة علاقة وثيقة، تصل إلى درجة الارتباط العضوي عند العديد من الباحثين، فإذا كان الفكر محصلة النشاط العقلي في تفاعله مع الكون المحيط به من ناحية، ومع المذخور التجريدي الموجود في الذاكرة من ناحية ثانية، فإن التجسيد الحي لهذا الفكر يتمثل في اللغة) 2.
والطفل لا يمتلك أي مهارة لغوية إلا بعد أن يصل إلى مستوى النضج العقلي، ولا يستطيع التفكير إلا بعد أن يمتلك ثروة لغوية " 3.
وهذه في مجملها تؤكد أهمية اللغة في النمو الفكري، وخاصة اللغة العربية التي اختارها الله لغة للقرآن الكريم ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، وهي اللغة التي نقل بها علماء الأمة الرصيد العلمي الهائل للأجيال عبر تاريخها الطويل.
2- سعة الخيال وخصوبته:
يعتبر سعة الخيال قدرة ذهنية فكرية متقدمة ذلك (أنه العملية العقلية التي تقوم في جوهرها على إنشاء علاقات جديدة بين الخبرات السابقة، بحيث تنظمها في صور وأشكال لا خبرة للفرد بها من قبل) 4.
1 باسمة العلي، جماليات اللغة العربية، مجلة الفيصل، ص (60) .
2 محمد صالح الشنطي، المهارات اللغوية، ص (42) .
3 المرجع السابق، ص (43) .
4 فؤاد البهي السيد، الأسس النفسية للنمو، ص (161) .


صفحه 493

فهي عملية عقلية تستعين بالتذكر في استرجاع الصور العقلية المختلفة ثم تمضي لتؤلف منها تنظيمات جديدة تصل الفرد بماضيه، وتمتد به إلى حاضره، وتستطرد به إلى مستقبله 1.
ولأسلوب تصوير المعاني وتخيلها وتجسيدها أثر عظيم وفاعل في الميدان التربوي؛ لأنه يثير في النفس العواطف والمشاعر 2.
فتأمل قول الله تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} 3.
فلعظم الشرك بالله وخطورته فإن من يشرك بالله فمثله كمثل الشيء الذي سقط من السماء فتخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفه الشياطين من كل جانب، ومزقوه وأذهبوا عليه دينه ودنياه، وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح فتعلوا به في طبقات الجو فتقذفه بعد أن تقطع أعضاءه في مكان بعيد جداً 4.
فنلحظ في هذه الآية الكريمة صورة بلاغية تجسد لقارئ كتاب الله تعالى عظيم الشرك وخطورته في صورة تستثير فيها خيال التالي للآية العظيمة الأنيفة.
وقد انعكست بلاغة القرآن الكريم وصوره البلاغية على شعراء المسلمين حيث (ارتقى خيال شعراء المسلمين، فاقتبسوا كثيراً من تصوير القرآن الكريم للأمواج والسحاب والنور والظلام، والقمر والنجوم وغيرها، فهذا النابغة الجعدي يقول5:
1 المرجع السابق، ص (161) .
2 مقداد بالجن، توجيه، المتعلم في ضوء التفكير التربوي، والإسلامي، ص (198) .
3 سورة الحج، آية رقم (31) .
4 السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (3/319) .
5 عبد الصبور السيد الغندو، الأدب الإسلامي، مفهومه ومقوماته وطريقة تدريسه، ص (24ـ25) .