بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 490

الآثار التربوية:
للغة العربية آثار تربوية جلية في النمو الفكري للإنسان، فهي مصدر قوي لسعة الخيال وتخصيبه، بصورها البلاغية وأدبها المتألق وقواعدها الرصينة، والتي فاضت كتب الأدب فيها بالأمثال والحكم التي لا تزيد قارئها إلا حكمة وأدباً وفهماً، ويمكن استجلاء شيئاً من آثارها التربوية الفكرية في الآتي:
1- النمو الفكري:
يعتبر الجانب الفكري أحد المطالب التربوية التي تسعى المنشآت التربوية لترسيخها وبنائها وتنميتها في الناشئة، حيث (تعد عملية التفكير كعميلة عقيلة


صفحه 491

عليا من أهم وظائف العقل البشري التي تمكنه من الفهم والإدراك، والتمييز والمعرفة والاستيعاب والاستنباط والاستنتاج، وإصدار الأحكام الصائبة) 1.
والمتأمل يجد أن اللغة العربية وعلومها من أهم المصادر الفاعلة في تربية الفكر الإنساني ونموه، لما حوته علوم اللغة العربية من الحكم والأمثال والقصائد الشعرية والأدب النثري الذي تزكو به العقول (فللعقول سجيات وغرائز بها تقبل الأدب، وبالأدب تُنَمَّى العقول وتزكو، فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها وتُظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها وريعها ونظرتها ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها، فيذهب عنها أذى اليَبَس والموت، ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة، فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغْرِزِها من القلب، لا قوة لها ولا حياة بها، ولا منفعة عندها حتى يعتملها الأدب الذي هو ثمارها وحياتها ولقاحها) 2.
واللغة العربية لم تقتصر على كونها معبرة عن التفكير، بل كانت أداة نموه، وارتقائه 3. ويشهد لذلك القرائح الأدبية التي أثرت كتب الأدب بالنثر والشعر الذي حوته بين جوانبها.
والذي يتأمل خصائص اللغة العربية، ويدرسها بعمق، انما تزيده عمقاً فكرياً، ففي مكونات الكلمة أسرارٌ بديعة، يكشفها علماء اللغة العربية. فهناك. (تقابل بين أصوات الألفاظ، وما تدل عليه من المعاني، فمن ذلك أنه يرى ـ أي ابن جني ـ أن تكرار الحروف في اللفظ يقابل تكرار الحدث، أو الفعل في الواقع كما في زلزل، وجرجر، وأن تكرير العين في بناء الفعل، وهي أقوى حروفه، يقابل تكرير الفعل نفسه كما في كسّر وعلّق، ويرى ابن جني أن ما سبق لم يقع
1 عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، ص (444) .
2 عبد الله بن المقفع، الأدب الصغير والأدب الكبير، ص (11ـ12) .
3 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص (15) .


صفحه 492

في هذه اللغة الشريفة مصادفة، وإنما هو أمر مقصود دلت عليه حكمة العرب التي شهدت بها العقول) 1.
فالمتأمل في فقه اللغة العربية يجد أن دراستها تنمي الفكر الإنساني بما يجده فيها من حكم وأسرار وجمال في التراكيب اللفظية والتناسق العجيب بين الكلمة ومرادها، وحتى بين أصوات اللغة وأصوات الطبيعة.
ويؤكد المتخصصون في اللغة (أن العلاقة بين الفكر واللغة علاقة وثيقة، تصل إلى درجة الارتباط العضوي عند العديد من الباحثين، فإذا كان الفكر محصلة النشاط العقلي في تفاعله مع الكون المحيط به من ناحية، ومع المذخور التجريدي الموجود في الذاكرة من ناحية ثانية، فإن التجسيد الحي لهذا الفكر يتمثل في اللغة) 2.
والطفل لا يمتلك أي مهارة لغوية إلا بعد أن يصل إلى مستوى النضج العقلي، ولا يستطيع التفكير إلا بعد أن يمتلك ثروة لغوية " 3.
وهذه في مجملها تؤكد أهمية اللغة في النمو الفكري، وخاصة اللغة العربية التي اختارها الله لغة للقرآن الكريم ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، وهي اللغة التي نقل بها علماء الأمة الرصيد العلمي الهائل للأجيال عبر تاريخها الطويل.
2- سعة الخيال وخصوبته:
يعتبر سعة الخيال قدرة ذهنية فكرية متقدمة ذلك (أنه العملية العقلية التي تقوم في جوهرها على إنشاء علاقات جديدة بين الخبرات السابقة، بحيث تنظمها في صور وأشكال لا خبرة للفرد بها من قبل) 4.
1 باسمة العلي، جماليات اللغة العربية، مجلة الفيصل، ص (60) .
2 محمد صالح الشنطي، المهارات اللغوية، ص (42) .
3 المرجع السابق، ص (43) .
4 فؤاد البهي السيد، الأسس النفسية للنمو، ص (161) .


صفحه 493

فهي عملية عقلية تستعين بالتذكر في استرجاع الصور العقلية المختلفة ثم تمضي لتؤلف منها تنظيمات جديدة تصل الفرد بماضيه، وتمتد به إلى حاضره، وتستطرد به إلى مستقبله 1.
ولأسلوب تصوير المعاني وتخيلها وتجسيدها أثر عظيم وفاعل في الميدان التربوي؛ لأنه يثير في النفس العواطف والمشاعر 2.
فتأمل قول الله تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} 3.
فلعظم الشرك بالله وخطورته فإن من يشرك بالله فمثله كمثل الشيء الذي سقط من السماء فتخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفه الشياطين من كل جانب، ومزقوه وأذهبوا عليه دينه ودنياه، وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح فتعلوا به في طبقات الجو فتقذفه بعد أن تقطع أعضاءه في مكان بعيد جداً 4.
فنلحظ في هذه الآية الكريمة صورة بلاغية تجسد لقارئ كتاب الله تعالى عظيم الشرك وخطورته في صورة تستثير فيها خيال التالي للآية العظيمة الأنيفة.
وقد انعكست بلاغة القرآن الكريم وصوره البلاغية على شعراء المسلمين حيث (ارتقى خيال شعراء المسلمين، فاقتبسوا كثيراً من تصوير القرآن الكريم للأمواج والسحاب والنور والظلام، والقمر والنجوم وغيرها، فهذا النابغة الجعدي يقول5:
1 المرجع السابق، ص (161) .
2 مقداد بالجن، توجيه، المتعلم في ضوء التفكير التربوي، والإسلامي، ص (198) .
3 سورة الحج، آية رقم (31) .
4 السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (3/319) .
5 عبد الصبور السيد الغندو، الأدب الإسلامي، مفهومه ومقوماته وطريقة تدريسه، ص (24ـ25) .


صفحه 494

تبعث رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
واللغة العربية لها أثر كبير وبالغ في تنمية الخيال وخصوبته، ذلك أن علومها من أدب وبلاغة تغرس في دارسيها وتربي في أذهانهم سعة الخيال وخصوبته من خلال صور الخيال الأدبية التي تزخر بها مضامين الشعر والنثر، وهذا الخيال المبحر في الأدب ليس خيالاً لا واقع له بل (جمع العرب بين الواقعية الحسية والمثالية المعنوية) 1. ولكن مثاليتهم هذه ليست مثالية خيالية مجردة من الحياة، بل هي امتداد للواقعية وتسام بها، وتجريد وغاية لها " 2.
وليس المقصود من الخيال الجنوح بالذهن في متاهات الخيال عبر صور وتصورات لا واقع لها، بل هو وصف أشياء بأخرى أكثر وضوحاً وأعذب معنى وأبلغ بيان، كوصف الأعمال الخبيثة في هشاشتها وزوالها برماد اشتدت به الريح، والهموم المتلاحقة بأمواج البحر المتلاطمة، وظلمة الظلم بسواد الليل البهيم، فمثل هذه الأمثلة عندما تصاغ في عبارات أدبية تحدث أثراً تعليمياً هو القياس والتشبيه والاستعارة والمجاز، التي توسع رحابه الخيال، وتوضح المعنى أيما
إيضاح، كقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} 3.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ
1 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ص (310) .
2 المرجع السابق، ص (310) .
3 سورة الكهف، آية رقم (45) .


صفحه 495

لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 1.
ومن النصوص الشعرية التي تمثل فيها عمق الخيال التشبيهي قول امرئ القيس2.
وليل كموج البحر أرخى سُدُلَه ... علىَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناءَ بكلكل
ألا أيه الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فهذه صورة خيالية بلاغية جميلة التصوير في توضيح عظم ما أصابه من هم، فشبه الشاعر الليل في رهبته بموج البحر في قوته وعنفوانه، وقد أسدل على الشاعر سواده ليختبر صبره، ثم يخاطب الليل وكأنه بعير يمد ظهره، ويثني برفع مؤخرته، ثم ينهض بصدره، ثم يسأل ويطلب انكشاف الليل عن الصباح وإن كان الصباح ليس بأحسن حالاً من الليل، لأن الهم قد ملأ ليله ونهاره.
وقول الشاعر طرفة بن العبد 3.
لخولة أطلالُ ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فوصف الشاعر أطلال خولة بصورة رائعة التشبيه الخيالي كأنها مثل النقش القديم المتبقي علي اليد، وكأنه متهشم.
ومن شعر الدعوة، يقول أحدهم 4:
وأصغي إلى وحي السماء يهزني ... وينساب في الأحشاء كالنبع صافياً
1 سورة النور، آية رقم (39ـ40) .
2 امرئ القيس، ديوان امرئ القيس (1/18) .
3 طرفة بن العبد، ديوان طرفة بن، ص (30) .
4 ناصر بن عبد الرحمن الخنين، الالتزام الإسلامي في الشعر، ص (214) ، وقائلها عبد الحفيظ عبد السميع صقر.


صفحه 496

فأغسل قلبي في مناهل طهره ... وأروى به من كان ظمآن صاديا
تحاول أعماقي تشرُّبَ روحه ... لأصبح قرآناً على الأرض ماشياً
في هذا التصوير البليغ والتأثر العميق بالقرآن الكريم يصف الشاعر أثر القرآن على نفسه، بأنه يزيل عن قلبه كل ما يكدره ويرتوي بتلاوته كارتواء من كان شديد الظمأ، فينساب أثر القرآن على نفسه كانسياب الماء في الأحشاء.
فهكذا نجد أن اللغة العربية بعلومها الأدبية البلاغية الرائعة تمد المتتلمذ لها بفيض من الصور البلاغية التي توسع أفق ذهنه ورحابة تصوره بما يجعله واسع الخيال، بعيد النظر، قادر على تقريب المعاني بالتشبيه والاستعارة والمجاز، والتي هي وسيلة تربوية مهمة في تقريب المعاني للأفهام. والعلو بالمستفيد في ذرى التبليغ والتعليم وفن التدريس والدعوة والتوجيه.
3- التمثل بالحكمة والموضوعية:
والحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم 1.
وهذا المفهوم يشير إلى أن الحكمة ليست معرفة الأشياء عن طريق التخمين، وإنما على أساس علمي، لتكون النتيجة صائبة مقبولة وفاعلة.
الحكيم: فَعِيل، وبمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل ذو الحكمة 2.
والموضوعية هي ثمرة الحكمة؛ لأن الحكمة تتطلب من الفرد ومن الجماعة أن تضع الأمور في نصابها على أساس علمي أو معرفي، وبالتالي يمكن التقرير بأن الموضوعية هي الاستخدام الأمثل للحكمة وتنزيلها في مصبها ومجراها الصحيح.
1 ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر (1/419) .
2 المرجع السابق، (1/418ـ419) .


صفحه 497

وإن الموضوعية التي هي وليدة الحكمة أساس النجاح والتفوق في المنزل والمدرسة وميدان العمل والتجارة ومع الرفاق والأصدقاء والأعداء وغيرهم، ذلك أنها تجعل الفرد يضع الأمور في نصابها، ولا أحسن وأفضل من وضع الأمور في مواضعها، وقد امتن الله تعالى على عبده لقمان بأن آتاه الحكمة فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} 1.
فيخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن امتنانه على عبده الفاضل، لقمان بالحكمة، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً.
وأما الحكمة: فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح 2.
وقال تعالى مبيناً مكانة الحكمة ومنزلتها وعظيم شأنها: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ} 3.
والحكمة كما يقول الشيخ السعدي هي: من العلوم النافعة والمعارف الصائبة والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وهذا أفضل العطايا، وأجل الهبات، ولهذا قال تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} ؛ لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى،
1 سورة لقمان، آية رقم (12) .
2 عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (4/106) .
3 سورة البقرة، آية رقم (269) .