بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 495

لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 1.
ومن النصوص الشعرية التي تمثل فيها عمق الخيال التشبيهي قول امرئ القيس2.
وليل كموج البحر أرخى سُدُلَه ... علىَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناءَ بكلكل
ألا أيه الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فهذه صورة خيالية بلاغية جميلة التصوير في توضيح عظم ما أصابه من هم، فشبه الشاعر الليل في رهبته بموج البحر في قوته وعنفوانه، وقد أسدل على الشاعر سواده ليختبر صبره، ثم يخاطب الليل وكأنه بعير يمد ظهره، ويثني برفع مؤخرته، ثم ينهض بصدره، ثم يسأل ويطلب انكشاف الليل عن الصباح وإن كان الصباح ليس بأحسن حالاً من الليل، لأن الهم قد ملأ ليله ونهاره.
وقول الشاعر طرفة بن العبد 3.
لخولة أطلالُ ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فوصف الشاعر أطلال خولة بصورة رائعة التشبيه الخيالي كأنها مثل النقش القديم المتبقي علي اليد، وكأنه متهشم.
ومن شعر الدعوة، يقول أحدهم 4:
وأصغي إلى وحي السماء يهزني ... وينساب في الأحشاء كالنبع صافياً
1 سورة النور، آية رقم (39ـ40) .
2 امرئ القيس، ديوان امرئ القيس (1/18) .
3 طرفة بن العبد، ديوان طرفة بن، ص (30) .
4 ناصر بن عبد الرحمن الخنين، الالتزام الإسلامي في الشعر، ص (214) ، وقائلها عبد الحفيظ عبد السميع صقر.


صفحه 496

فأغسل قلبي في مناهل طهره ... وأروى به من كان ظمآن صاديا
تحاول أعماقي تشرُّبَ روحه ... لأصبح قرآناً على الأرض ماشياً
في هذا التصوير البليغ والتأثر العميق بالقرآن الكريم يصف الشاعر أثر القرآن على نفسه، بأنه يزيل عن قلبه كل ما يكدره ويرتوي بتلاوته كارتواء من كان شديد الظمأ، فينساب أثر القرآن على نفسه كانسياب الماء في الأحشاء.
فهكذا نجد أن اللغة العربية بعلومها الأدبية البلاغية الرائعة تمد المتتلمذ لها بفيض من الصور البلاغية التي توسع أفق ذهنه ورحابة تصوره بما يجعله واسع الخيال، بعيد النظر، قادر على تقريب المعاني بالتشبيه والاستعارة والمجاز، والتي هي وسيلة تربوية مهمة في تقريب المعاني للأفهام. والعلو بالمستفيد في ذرى التبليغ والتعليم وفن التدريس والدعوة والتوجيه.
3- التمثل بالحكمة والموضوعية:
والحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم 1.
وهذا المفهوم يشير إلى أن الحكمة ليست معرفة الأشياء عن طريق التخمين، وإنما على أساس علمي، لتكون النتيجة صائبة مقبولة وفاعلة.
الحكيم: فَعِيل، وبمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل ذو الحكمة 2.
والموضوعية هي ثمرة الحكمة؛ لأن الحكمة تتطلب من الفرد ومن الجماعة أن تضع الأمور في نصابها على أساس علمي أو معرفي، وبالتالي يمكن التقرير بأن الموضوعية هي الاستخدام الأمثل للحكمة وتنزيلها في مصبها ومجراها الصحيح.
1 ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر (1/419) .
2 المرجع السابق، (1/418ـ419) .


صفحه 497

وإن الموضوعية التي هي وليدة الحكمة أساس النجاح والتفوق في المنزل والمدرسة وميدان العمل والتجارة ومع الرفاق والأصدقاء والأعداء وغيرهم، ذلك أنها تجعل الفرد يضع الأمور في نصابها، ولا أحسن وأفضل من وضع الأمور في مواضعها، وقد امتن الله تعالى على عبده لقمان بأن آتاه الحكمة فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} 1.
فيخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن امتنانه على عبده الفاضل، لقمان بالحكمة، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً.
وأما الحكمة: فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح 2.
وقال تعالى مبيناً مكانة الحكمة ومنزلتها وعظيم شأنها: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ} 3.
والحكمة كما يقول الشيخ السعدي هي: من العلوم النافعة والمعارف الصائبة والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وهذا أفضل العطايا، وأجل الهبات، ولهذا قال تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} ؛ لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى،
1 سورة لقمان، آية رقم (12) .
2 عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (4/106) .
3 سورة البقرة، آية رقم (269) .


صفحه 498

ومن حمق الانحراف إلى إصابة الصواب 1.
والحكمة بهذا تعتبر أس النجاح والتفوق والتقدم؛ لأنها التجسيد الحقيقي للمعرفة الصحيحة في واقع الأفعال والأقوال الإنسانية والجماعية والفردية.
والتربية الفاعلة تسعى إلى إكساب المتربين الحكمة من خلال التنشئة العلمية الصحيحة؛ لأن الأمور جميعها لا تصح إلا بالحكمة (التي هي: وضع الأشياء في مواضعها وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام) 2.
فالحكمة شجرة تنبت في القلب، وتثمر في اللسان، وهي موقظة للقلوب من سِنَةِ الغفلة، ومنقذة للبصائر من الحيرة 3.
ولما أن مصنفات الأدب قد حوت في حوزتها وبين دفات كتبها الكثير من الحكم التي صيغت في قوالب بلاغية غاية في الإيجاز، وجمال اللفظ، فإنها جديرة بان يوليها الميدان التربوي الاهتمام اللائق بها من خلال المناهج الدراسية الصفية وغير الصفية.
وأما الموضوعية فتعتبر من أبرز مقومات الشخصية الفاعلة المتفاعلة ذات الأثر والتأثير في محيطها الاجتماعي؛ لأنها الشخصية المفعلة لنصوص الحكمة في جوانب الحياة المختلفة، حسب الحقائق لا حسب الأهواء والرغبات غير الموضوعية لأن (التعامل مع الحقائق جزء هام من الموضوعية، بل إنه يمثل الجزء الأهم؛ لأن إدراك الحقائق على ما هي عليه قد يكون ميسوراً في كثير من الأحيان لكن التعامل مع الحقائق بموضوعية لا يكون إلا معقداً، حيث إنه يحتاج إلى علم وخبره، ويحتاج إلى مرونة، وتجرد عن الهوى) 4.
1 عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/214) .
2 المرجع السابق (1/14) .
3 علي بن عبد الرحمن بن هذيل، عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، ص (12) .
4 عبد الكريم بكار، فصول في التفكير الموضوعي، ص (92) .


صفحه 499

والحكمة هي زبدة التجارب والمعارف، صيغت في قوالب أدبية رفيعة، إذا أخذ بها الفرد صنعت منه شخصية موضوعية فاعلة مؤثرة، نتيجة التطبيق الصحيح لما عرف من الحِكَمِ التي أثرى بها معارفه، فأكسبته خبرة لا عن مواقف وإنما عن عظات وعبر، سمع بها وقرأها وطبقها.
ولذلك فإن (العاقل ينظر فيما يؤذيه، وفيما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب إن كان مما يحب، وأحقه بالاتقاء إن كان مما يكره أطوله وأدومه وأبقاه، فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا، وفضل سرور المروءة على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامع الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلاً ثم يضمحل، وفضل الأكلات على الأكلة، والساعات على الساعة) 1.
وكم من الأفراد يفوتهم شيءٌ كثيرٌ من هذا، فيفضل ساعات الراحة التي يعقبها أضعافها من التعب والمشقة. فيبدد شبابه وقوته في لذات زائلة، يشقى بها في شيخوخته، وكم من شخص ينظر لساعات الدنيا ولذتها وهي زائلة، ويقصر النظر عن لذات الآخرة وديمومتها وهي الباقية، فلا موضوعية مبنية على حكمة عند هذا النوع.
وكم من أفراد كانوا ضد ذلك، بما علموا وعملوا من حكمة وموضوعية التعامل، وقياس الأعمال والأقوال بنتائجها اليانعة وإن كانت آجله.
وعند العقلاء (كلمة حكمة من أخيك خير من مال يعطيك؛ لأن المال قد يطغيك والكلمة من الحكمة تهديك) 2.
وهنا يتباين الناس في تقديم الحكمة والمال كتباين الليل والنهار، فمنهم من يفرح بالمال ولو كان على جهل، ويقدمه على العلم والحكمة، وأناس نظروا للعلم نظرة الاعتزاز؛ لأنه ذلول الحكمة وقدموه على المال، فجاءتهم الحكمة والمال، فظفروا بالاثنين معاً.
1 ابن المقفع، الأدب الصغير، والأدب الكبير، ص (15) .
2 علي عبد الرحمن بن هذيل، عين الأدب والسياسة، ص (13) .


صفحه 500

وقال بعض السلف: القلوب تحتاج إلى قُوْتِهَا كما تحتاج الأبدان إلى قُوْتِهَا من الغذاء. وقال بعض الحكماء الحكمة خِلْةُ العقل، وميزان العدل، ولسان الإيمان، وعين البيان، وروضة الأرواح، وأمن الخائف، ومتجر الرابح وحظ الدنيا والآخرة، وسلامة العاجل والآجل 1.
فالحكمة عماد الأدب الموضوعي، والتطبيق الفعال، المثمر في نتائجه، وإن طال الطريق، وبعد المسير.
4- تقوية البصيرة:
البصيرة: هي الفطنة، والبصير بالأشياء أي العالم بها 2.
والبصيرة هي أساس الوضوح وسلامة المنهج والطريق. قال تعالى في توجيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في دعوة الخلق: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 3.
وخير وسيلة لتقوية البصيرة، وفطنة الفهم والتعقل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي بعد ذلك الحكم والأمثال التي انقدحت عن ذوي الألباب من أهل العلم والأدب والتجارب، قال صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً" 4. وقال صلى الله عليه وسلم: "والحكمة الإصابة في غير النبوة" 5.
قال بعضهم: الحكمة نور الأبصار، وروضة الأفكار ومطية الحلم، وكفيل النجاح وضمين الخير والرشد، والداعية إلى الصواب، والسفير بين العقل والقلوب، لا تندرس آثارها، ولا تعفو ربوعها، ولا يهلك امرؤ بعد عمله بها 6.
1 المرجع السابق، ص (13) .
2 ابن منظور لسان العرب (4/65) .
3 سورة يوسف، آية رقم (108) .
4 أحمد (1/269) ، أبو داود (5/278ـ279) ، ابن ماجه (2/1235ـ1236) .
5 البخاري (3/33) ، برقم (3756) .
6 علي بن عبد الرحمن بن هذيل، عين الأدب والسياسة، ص (13) .


صفحه 501

ومن الحكمة البيانية حسن الجواب وحضوره عند الحاجة إليه. قال مسلمة ابن عبد الملك: "ما شيء يؤتى العبد بعد الإيمان بالله تعالى أحبّ إليّ من جواب حاضر، فإن الجواب إذا انعقب لم يكن شيئاً" 1.
ولتربية هذه الحاسة قراءة كتب الأدب التي اشتملت وجمعت مواقف في حسن الجواب وتمامه، وسرعة البديهة، وجمال اللفظ، وهي كثيرة وسيأتي ذكر شيء منها.
ومن الحكمة التعقل في اتخاذ القرار من حيث الوقت والمكان ونوع اللفظ والعبارة، ليستوجب صفة أولى الألباب (وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب، ولا يوصف بصفاتهم، فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلاً فليأخذ له عتاده … فإنه قد رام أمراً جسيماً لا يصلُح على الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة) 2.
وإن مما يقدح البصيرة حفظ ما تيسر من الحكم التي حوتها كتب الأدب والتمثل بها عملاً وتطبيقاً.
ومن كتب الأدب النافعة هي هذا:
ـ الأدب الصغير والأدب الكبير، لعبد الله ابن المقفع
ـ عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن هذيل.
ـ بهجة المجالس وأنس المجالس، للإمام ابن عبد البر القرطبي.
ـ أدب المجالسة وحمد اللسان، وفضل البيان، وذم العي وتعليم الإعراب للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بان عبد البر.
ـ الملاحن للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي.
وغيرها من الكتب المماثلة لها.
1 الجاحظ، المحاسن والأضداد (21) .
2 ابن المقفع، الأدب الصغير والأدب الكبير، ص (14) .


صفحه 502

المبحث الرابع: التربية الأخلاقية:
مفهوم التربية الخلقية:
التربية: هي تنشئة الإنسان شيئاً فشيئا في جميع جوانبه وفق المنهج الإسلامي1.
وهذا يعني أن التربية الإسلامية تولي جميع جوانب الشخصية بالعناية والتنشئة بغية الكمال وفق ما أراد الله تعالى، ويشمل ذلك الجانب الأخلاقي.
الأخلاق: تنقسم الأخلاق إلى قسمين محمودة ومذمومة:
فالمحمودة: هي كل صفة حسنة بنية حسنة وفق منهج الله تعالى.
والمذمومة: كل صفة على غير منهج الله تعالى 2.
وبالتالي يمكن القول بأن التربية الخلقية هي: تنشئة الإنسان شيئاً فشيئاً في جوانبه السلوكية المحمودة.
ومن وسائل التنشئة الخلقية اللغة العربية وعلومها على ما سيأتي تفصيله وبيانه.
الأهمية اللغوية في التربية الخلقية:
اللغة: هي الوعاء اللفظي للجانب الأخلاقي، وهي الأداة الناقلة للمعاني والدلالات الخلقية، وبدونها لا يمكن للمرء استيعاب المعاني الخلقية؛ ولذلك قيل: العربية تزيد في المروءة 3. ومن جانب آخر فإن اللغة بفروع علومها المختلفة تعتبر مؤثر فاعل في غرس الفضائل الخلقية، فالأدب الذي هو أحد فروع علوم اللغة العربية يعتبر في مفهومه السليم دعوة إلى الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة التي عليها تبنى العلاقات المتينة بين أفراد المجتمعات، ثم بين المجتمعات 4.
1 خالد الحازمي، أصول التربية الإسلامية، ص (19) .
2 المرجع السابق، ص (137ـ138) .
3 ابن عبد البر، بهجة المجالس، وأنس المجالس، ص (66) .
4 محمد سعد بن حسين، الأدب الإسلامي بين الواقع والتنظير، ص (37) .