السؤال 48
كثير من علماء الشيعة في إيران لا يعرفون اللغة العربيّة، فكيف يستنبطون الأحكام من كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)مع العلم أنّ المعرفة بالعربية هي أحد ضرورات العالم.
الجواب :لنسأل أوّلاً جامع الأسئلة هل أنّه زار إيران وطاف حولها وفهم ما يجري فيها ، وتيقّن بأنّ علماء الشيعة لا يعرفون اللّغة العربيّة؟ هل اطّلع على البرامج الدراسيّة للحوزات العلميّة والكتب الدراسيّة المنتشرة فيها باللغة العربيّة ، وهل زار المكتبات الموجودة هناك وهي تضم آلاف الكتب والمجلاّت في مختلف المجالات الفقهيّة والأُصوليّة والحديثيّة والتأريخيّة أكثرها مدوّن باللغة العربيّة .
ثم إنّ ما أثاره السائل يصدق على علماء أهل السنّة الموجودين في غرب وشرق إيران حيث هناك حوزات سنّية تدار من قبلهم .
أضف إلى ذلك: إنّا لو رجعنا إلى أعمدة المذهب السنّي نراهم من غير العرب فعلى سبيل المثال أنّ أبا حنيفة والشافعي ومالك هم من الفرس.
كما أنّ أغلب أصحاب الصحاح هم من غير العرب، نذكر منهم:
أ. البخاري: محمد بن إسماعيل بن اباهيم صاحب «الصحيح» الشهير.
ب. الترمذي:، ابن عيسى بن سورة الضرير تلميذ البخاري.
ج. محمد بن يزيد بن ماجة مولى ربيعة، صاحب السنن.
د. أحمد بن علي بن شعيب النسائي، نسبة لمدينة «نسا» بخراسان، وهو صاحب السنن.
هـ . السجستاني سليمان بن الأشعث بن إسحاق، وينسب إلى سجستان وهي بلدة قرب هراة، وقد نسب إلى الأزد ولم ينصوا على أن النسبة بالأصل أم بالولاء .
كما إن معظم رواة الأحكام والأخبار، ومعظم الفقهاء والمفسرين هم من الفرس ومنهم على سبيل المثال: مجاهد، عطاء بن أبي رباح، عكرمة، سعيد بن جبير، الليث بن سعد، مكحول، محمد بن سيرين، الحاكم صاحب المستدرك، عاصم، وعبدالحق الدهلوي، عبدالحكيم القندهاري، عبدالحميد الخسروشاهي، عبدالرحمن العضد الايجي، عبدالرحمن الجامي، عبدالرحمن الكرماني، شيخي زاده، أحمد بن عامر المروزي، سهل بن محمد السجستاني .
ولو رمت أن أمشي معك على هذا الخط فسنصل إلى نسب عالية جداً من الناحية الكمية من نسبة العلماء والمؤرخين والمفسرين من الفرس، ذلك إن الفكر السني بكل أبعاده مدين للفرس ومصبوغ بالفارسية، وحتّى أنّ مؤسس الوهابية (أعني محمد عبدالوهاب) تربى ونشأ وتثقّف على أيدي الفرس وكان تربيته وثقافته بين كردستان وهمدان وأصفهان وقم كما نص على ذلك أحمد أمين .[1]
[1]انظر: زعماء الإصلاح في العصر الحديث لأحمد أمين: 10، طبع مصر، 1971 م .
أُقسم بالله ، عندما أواجه أمثال هذه الأسئلة ، أحسّ بخسارة كبيرة من أجل إضاعة الوقت الّذي أخصصه للإجابة عن هذه الأسئلة التافهة.
السؤال 49
يعتقد الشيعة أنّ أغلب الصحابة كانوا منافقين وكفّاراً إلاّ قلّة قليلة منهم .
الجواب :هذا السؤال تكرار لسؤال سابق[1]، ولكن لا بأس بالتذكير هنا ; بأنّ صحيح البخاري وسائر أصحاب الصحاح والسنن ، خصوصاً جامع الأُصول لابن الأثير الذي جمع كلّ الصحاح والسنن في كتاب واحد ، قد ذكر في ضمن عشر روايات ارتداد الكثير من الصحابة ، وأنّ القليل منهم فقط سينجو ، وقد عبّر عنهم بـ «هُمُل النِّعم» فما هو جوابكم عن هذه الأحاديث الموجودة في صحاحكم وسننكم ؟
ولابد من التنبيه على أمر ـ وإن كنا قد أشرنا إليه سابقاً ـ وهو أنّ ارتداد الصحابة وإن ورد في كتب السنة وذكر في رجال الكشي من الشيعة، ولكنّه لا يصحّ على ضوء معلوماتنا عن الصحابة، فإن حوالي مائتين وخمسين صحابياً كانوامن رواد التشيّع، فكيف يمكن القول بارتدادهم؟!
أضف إلى ذلك أنّه لو صحّ الارتداد فالمراد به هو تساهلهم في مسألة الخلافة، ولو صحّ الكفر فهو بمعنى كفر النعمة.
[1]انظر جواب السؤال رقم 22 .
السؤال 50
هل يعقل أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فشل في اختيار أصحابه، في مقابل نجاح الخميني في ذلك؟!
الجواب:إنّ هذا السؤال من أتفه الأسئلة، والقلم يخجل أن يكتب السؤال والإجابة عنه، فإنّ السائل يتصور أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فشل في تربية أصحابه. كلا والف كلا فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)حاشاه أن يفشل في ذلك، فمن بين أصحابه من بلغ من التقى والفضل من تُستدر به السماء وتنزل بدعائه الرحمة وما أكثر أمثال هؤلاء، ولذلك وصفهم الإمام علي(عليه السلام)بقوله: «أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِْسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ، وَقَرَأُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاَْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وَصَفّاً صَفّاً. بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا. لاَ يُبَشَّرُونَ بِالاَْحْيَاءِ، وَلاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتى، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الاَْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ. عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ. أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ. فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ، وَ نَعَضَّ الاَْيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ».[1]
ورغم ذلك فلم يكن أصحابه(صلى الله عليه وآله وسلم)على نمط واحد بل كان فيهم:
[1]نهج البلاغة، الخطبة 117، شرح محمد عبده.
1. المنافقون[1].
2. مرضى القلوب.[2]
3. السماعون.[3]
4. خالطو العمل الصالح بغيره[4].
5. من أسلم ولم يؤمن[5].
6. المؤلفة قلوبهم[6].
7. الفاسقون[7].
8. المتفرقون عن صلاة الجمعة.[8]
إلى غير ذلك من الأصناف الّتي يجدها الباحث في أحوال الصحابة في القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ الصحيح.
حتّى كان من بين أهل المدينة من مرد على النفاق ولا يعلمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه:(وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ )[9].
فعلى ضوء ذلك فالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)كسائر الأنبياء لم يفشل في اختيار أو تربية أصحابه أبداً، وكانت سنة الله سبحانه في الأُمة المرحومة كسنته في الأُمم السابقة.
[1]سورة المنافقون.[2]الأنفال: 49 .[3]التوبة: 45.[4]التوبة: 102 .[5]الحجرات: 14.[6]التوبة: 60 .[7]الحجرات: 6.[8]الجمعة: 11 .[9]التوبة: 101 .
السؤال 51
يوجد تناقض في أحاديث الشيعة ، وقد قام أحد علمائهم بكتابة كتاب لرفع ذلك التناقض .
الجواب :إن كلام السائل ذكرني بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو: «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه»[1].
لقد أخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)بأنّه سيكون بعده كذّابون ووضّاعون ، يضعون الأحاديث على لسانه وقد وعدهم بنار جهنّم ، ومن بين هذه الأحاديث قوله(صلى الله عليه وآله): «لا تكذبوا عليَّ فإنّه من كذب عليَّ فليلج النار» ، وقوله أيضاً : «مَنْ كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار»[2].
إنّ هذين الحديثين والكثير من الأحاديث المماثلة لهما ، تحكي أنّ هؤلاء الصحابة الذين يعتبرهم أهل السنّة عدولاً ، كان فيهم من يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)في أيّام حياته بمناسبة أو بدون مناسبة ، وفيهم من ينسب إليه أشياء لم يقلها ، وهو(صلى الله عليه وآله)كان على علم بذلك ، وأمّا بعد وفاته(صلى الله عليه وآله)فإنّ منع الخليفتين الأوّل والثاني كتابة الحديث ، كان سبباً في وضع الأحاديث المكذوبة من قبل الوضّاعين لغرض كسب المقام وسهولة التقرّب من الحكام ، وفي هذا المجال قام علماء اليهود والنصارى المتظاهرون بالإسلام
[1]كنز العمال: 16 / 117، برقم 44120 .[2]صحيح البخاري: 1 / 35 ، الحديث : 106 و 107 .
بلعب دور كبير في وضع الأحاديث في الإسلام وأسّسوا لذلك ، ومن جملتهم كعب الأحبار ووهب بن منبه وتميم الداري وغيرهم.[1]ووضع هذه الأحاديث هو الأساس في ظهور التعارض بين الأحاديث النبويّة .
لقد نشأ ابن أبي العوجاء (المشهور بالكذب) في بيت حمّاد بن مسلم المحدّث السنّي الكبير ، ودسّ أحاديث كثيرة في كتب حمّاد ، كما ذكر الذهبي[2].
ويكفي التذكير أنّ البخاري اختار من الأحاديث الّتي يحفظها وهي ستّمائة ألف حديث اختار 2761 حديثاً ; واختار مسلم 4000 حديث من بين ستّمائة ألف حديث . واختار أحمد في مسنده ما يُقارب من 30000 حديث من بين سبعمائة وخمسين ألف حديث ، وحفظ مليون حديث .
وهذا كلّه يدلّ على ازدهار سوق وضع الحديث في القرنين الثاني والثالث بهدف كسب المال والمقام.
ولو جئنا إلى ساعات عمر النبيّ(صلى الله عليه وآله)وقسّمناها على أنحاء حياته المختلفة لوجدنا أنّه ليس باستطاعته أن يتحدث بعشر هذه الأحاديث ، وهذا هو السبب الذي جعل أصحاب كتب الصحاح يبذلون جهداً كبيراً في ذكر عدد محدود ـ من هذا الكمّ الهائل من الأحاديث ـ في كتب ادّعوا أنّها أحاديث صحيحة .
ومن المسلّم به أنّ وضع الأحاديث يؤدّي إلى ظهور التناقض
[1]تاريخ ابن خلدون: 1 / 439 .[2]ميزان الاعتدال : 1 / 593 .
والتعارض بينها ـ فهي ليست بكلام معصوم ـ فقد احتوت كتب الصحاح عند السنّة روايات تقول بتجسيم الباري تعالى وكون الإنسان مجبوراً في أعماله ، وهي روايات تعارض الروايات التي تنزّه الباري تعالى عن مثل ذلك .
وأمّا طروء التعارض في الروايات الّتي يرويها الشيعة فسنشير إلى أسبابه فيما يلي:
1 ـ تقطيع الروايات :
يقوم بعض الرّواة أحياناً بنقل القسم الذي يريدونه من الرواية ، ويحذفون القسم الآخر ، بنحو يُخلّ بمعنى الرواية ، حيث إنّ ذكر كلا القسمين معاً يُعطي معنى يكون مغايراً فيما لو ذُكر قسم واحد فقط . وهذا أحد أسباب وجود التعارض في بعض الروايات التي تحتويها كتب الشيعة .
2 ـ النقل بالمعنى :
بعض الرواة لا ينقل الرواية كما تلفّظها الإمام ، بل ينقل مضمونها ومعناها ، ممّا يؤدّي إلى حصول الاختلاف والتعارض بين الروايات ; لأنّ كلّ راو يذكر المعنى الذي فهمه من الرواية يكون ذلك المعنى غير المعنى الذي ذكره راو آخر .
3 ـ وضع الحديث :
قام بعض الغُلاة بوضع أحاديث ونسبوها للأئمّة(عليهم السلام)، كابن سعيد وأبي زينب الأسدي المعروف بأبي الخطّاب ، وقد أشار الإمام الصادق(عليه السلام)بإصبعه الشريف إلى رواياتهم قائلاً عنهم : «لعن الله المغيرة بن سعيد أنّه كان