السؤال 50
هل يعقل أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فشل في اختيار أصحابه، في مقابل نجاح الخميني في ذلك؟!
الجواب:إنّ هذا السؤال من أتفه الأسئلة، والقلم يخجل أن يكتب السؤال والإجابة عنه، فإنّ السائل يتصور أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فشل في تربية أصحابه. كلا والف كلا فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)حاشاه أن يفشل في ذلك، فمن بين أصحابه من بلغ من التقى والفضل من تُستدر به السماء وتنزل بدعائه الرحمة وما أكثر أمثال هؤلاء، ولذلك وصفهم الإمام علي(عليه السلام)بقوله: «أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِْسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ، وَقَرَأُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاَْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وَصَفّاً صَفّاً. بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا. لاَ يُبَشَّرُونَ بِالاَْحْيَاءِ، وَلاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتى، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الاَْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ. عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ. أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ. فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ، وَ نَعَضَّ الاَْيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ».[1]
ورغم ذلك فلم يكن أصحابه(صلى الله عليه وآله وسلم)على نمط واحد بل كان فيهم:
[1]نهج البلاغة، الخطبة 117، شرح محمد عبده.
1. المنافقون[1].
2. مرضى القلوب.[2]
3. السماعون.[3]
4. خالطو العمل الصالح بغيره[4].
5. من أسلم ولم يؤمن[5].
6. المؤلفة قلوبهم[6].
7. الفاسقون[7].
8. المتفرقون عن صلاة الجمعة.[8]
إلى غير ذلك من الأصناف الّتي يجدها الباحث في أحوال الصحابة في القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ الصحيح.
حتّى كان من بين أهل المدينة من مرد على النفاق ولا يعلمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه:(وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ )[9].
فعلى ضوء ذلك فالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)كسائر الأنبياء لم يفشل في اختيار أو تربية أصحابه أبداً، وكانت سنة الله سبحانه في الأُمة المرحومة كسنته في الأُمم السابقة.
[1]سورة المنافقون.[2]الأنفال: 49 .[3]التوبة: 45.[4]التوبة: 102 .[5]الحجرات: 14.[6]التوبة: 60 .[7]الحجرات: 6.[8]الجمعة: 11 .[9]التوبة: 101 .
السؤال 51
يوجد تناقض في أحاديث الشيعة ، وقد قام أحد علمائهم بكتابة كتاب لرفع ذلك التناقض .
الجواب :إن كلام السائل ذكرني بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو: «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه»[1].
لقد أخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)بأنّه سيكون بعده كذّابون ووضّاعون ، يضعون الأحاديث على لسانه وقد وعدهم بنار جهنّم ، ومن بين هذه الأحاديث قوله(صلى الله عليه وآله): «لا تكذبوا عليَّ فإنّه من كذب عليَّ فليلج النار» ، وقوله أيضاً : «مَنْ كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار»[2].
إنّ هذين الحديثين والكثير من الأحاديث المماثلة لهما ، تحكي أنّ هؤلاء الصحابة الذين يعتبرهم أهل السنّة عدولاً ، كان فيهم من يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)في أيّام حياته بمناسبة أو بدون مناسبة ، وفيهم من ينسب إليه أشياء لم يقلها ، وهو(صلى الله عليه وآله)كان على علم بذلك ، وأمّا بعد وفاته(صلى الله عليه وآله)فإنّ منع الخليفتين الأوّل والثاني كتابة الحديث ، كان سبباً في وضع الأحاديث المكذوبة من قبل الوضّاعين لغرض كسب المقام وسهولة التقرّب من الحكام ، وفي هذا المجال قام علماء اليهود والنصارى المتظاهرون بالإسلام
[1]كنز العمال: 16 / 117، برقم 44120 .[2]صحيح البخاري: 1 / 35 ، الحديث : 106 و 107 .
بلعب دور كبير في وضع الأحاديث في الإسلام وأسّسوا لذلك ، ومن جملتهم كعب الأحبار ووهب بن منبه وتميم الداري وغيرهم.[1]ووضع هذه الأحاديث هو الأساس في ظهور التعارض بين الأحاديث النبويّة .
لقد نشأ ابن أبي العوجاء (المشهور بالكذب) في بيت حمّاد بن مسلم المحدّث السنّي الكبير ، ودسّ أحاديث كثيرة في كتب حمّاد ، كما ذكر الذهبي[2].
ويكفي التذكير أنّ البخاري اختار من الأحاديث الّتي يحفظها وهي ستّمائة ألف حديث اختار 2761 حديثاً ; واختار مسلم 4000 حديث من بين ستّمائة ألف حديث . واختار أحمد في مسنده ما يُقارب من 30000 حديث من بين سبعمائة وخمسين ألف حديث ، وحفظ مليون حديث .
وهذا كلّه يدلّ على ازدهار سوق وضع الحديث في القرنين الثاني والثالث بهدف كسب المال والمقام.
ولو جئنا إلى ساعات عمر النبيّ(صلى الله عليه وآله)وقسّمناها على أنحاء حياته المختلفة لوجدنا أنّه ليس باستطاعته أن يتحدث بعشر هذه الأحاديث ، وهذا هو السبب الذي جعل أصحاب كتب الصحاح يبذلون جهداً كبيراً في ذكر عدد محدود ـ من هذا الكمّ الهائل من الأحاديث ـ في كتب ادّعوا أنّها أحاديث صحيحة .
ومن المسلّم به أنّ وضع الأحاديث يؤدّي إلى ظهور التناقض
[1]تاريخ ابن خلدون: 1 / 439 .[2]ميزان الاعتدال : 1 / 593 .
والتعارض بينها ـ فهي ليست بكلام معصوم ـ فقد احتوت كتب الصحاح عند السنّة روايات تقول بتجسيم الباري تعالى وكون الإنسان مجبوراً في أعماله ، وهي روايات تعارض الروايات التي تنزّه الباري تعالى عن مثل ذلك .
وأمّا طروء التعارض في الروايات الّتي يرويها الشيعة فسنشير إلى أسبابه فيما يلي:
1 ـ تقطيع الروايات :
يقوم بعض الرّواة أحياناً بنقل القسم الذي يريدونه من الرواية ، ويحذفون القسم الآخر ، بنحو يُخلّ بمعنى الرواية ، حيث إنّ ذكر كلا القسمين معاً يُعطي معنى يكون مغايراً فيما لو ذُكر قسم واحد فقط . وهذا أحد أسباب وجود التعارض في بعض الروايات التي تحتويها كتب الشيعة .
2 ـ النقل بالمعنى :
بعض الرواة لا ينقل الرواية كما تلفّظها الإمام ، بل ينقل مضمونها ومعناها ، ممّا يؤدّي إلى حصول الاختلاف والتعارض بين الروايات ; لأنّ كلّ راو يذكر المعنى الذي فهمه من الرواية يكون ذلك المعنى غير المعنى الذي ذكره راو آخر .
3 ـ وضع الحديث :
قام بعض الغُلاة بوضع أحاديث ونسبوها للأئمّة(عليهم السلام)، كابن سعيد وأبي زينب الأسدي المعروف بأبي الخطّاب ، وقد أشار الإمام الصادق(عليه السلام)بإصبعه الشريف إلى رواياتهم قائلاً عنهم : «لعن الله المغيرة بن سعيد أنّه كان
يكذب على أبي فأذاقه الله حرّ الحديد» .
وقال أيضاً : «لا يدخل المغيرة وأبو الخطّاب الجنّة إلاّ بعد ركضات في النار» .
وقال(عليه السلام): «يسمعون حديثنا فيكذبون به» .[1]
واعتماداً على قول الإمام الصادق(عليه السلام)قام علماء الشيعة بالإعراض عن روايات الوضّاعين والغُلاة ولم يعيروها أيّ أهمّية .
من هنا فإنّ منشأ التعارض بين الروايات يكون راجعاً إمّا لسبب طبيعي ، وإمّا لسبب تخريبي .
والسؤال هنا : هل هذا التعارض بين الروايات يبقى دائماً بحيث لا يمكن إزالته ، أو أنّه أمرٌ يمكن للعلماء التغلّب عليه وإزالته ؟
والحقيقة أنّ العلماء رسموا موازين يميّز بها الصحيح عن الزائف ، وقد سعى مؤلّفو الكتب الأربعة عند الشيعة في جمع كمّ هائل من الأحاديث تحت ضوء هذه الموازين على نحو يستحيل أن تتسرّب إلى كتبهم روايات أُولئك الوضّاعين والغُلاة .
[1]رجال الكشي : 224 و 228، الأرقام 400 ، 408 و 416 .
السؤال 52
يقول الشيعة: إن البكاء على الحسين مستحب؟ فهل هذا الاستحباب مبني على دليل أم على هوى؟ وإذا كان على دليل فأين هو؟ ولماذا لم يفعل أحد من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ذلك؟
الجواب:انّ جامع الأسئلة يقول بضرس قاطع أنّه لم يفعل أحد من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ذلك وهذا نابع من عدم اطلاعه على التاريخ الصحيح، وأنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)هو أوّل من عقد مجلس عزاء في داره حزناً على الإمام الحسين(عليه السلام)وتبعه على ذلك الأئمة المعصومون(عليهم السلام)، ونكتفي بنقل روايتين :
الأُولى: أخرج الحافظ الكبير أبو القاسم الطبراني في (المعجم الكبير) لدى ترجمة الحسين السبط(عليه السلام): حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثني عباد بن زياد الأسدي، حدثني عمرو بن ثابت، عن الأعمش، عن أبي وائل ثقيف بن سلمة عن أُم سلمة قالت: كان الحسن والحسين (رضي الله عنهما) يلعبان بين يدي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في بيتي، فنزل جبريل(عليه السلام)فقال: يا محمد إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك، فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وديعة عندك هذه التربة، فشمّها
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: ريح كرب وبلاء.[1]
الثانية: حدثنا أبو العباس القرشي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبوعبدالله(عليه السلام): يا أبا هارون أنشدني في الحسين(عليه السلام)، قال: فأنشدته، فبكى، فقال: أنشدني كما تنشدون ـ يعني بالرقة ـ قال: فأنشدته.
أمرر على جدث الحسين *** فقل لأعظمه الزكية
قال: فبكى، ثم قال: زدني، قال: فأنشدته القصيدة الأُخرى، قال: فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر، قال: فلمّا فرغت قال لي: يا أبا هارون من أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى عشراً كتبت له الجنة، ومن أنشد شعراً فبكى وأبكى خمسة كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كتبت له الجنة، ومن ذكر الحسين(عليه السلام)عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة.[2]
ومع هذا العدد الهائل من الروايات الّتي ذكرنا منها نموذجين ماذا نقول لجامع الأسئلة الّذي أنكر وجودها جهلاً أو تجاهلاً؟!
[1]المعجم الكبير: 3 / 108، برقم 2817، وانظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 7 / 134 بلفظ (ويح كرب وبلاء); الكفاية للحافظ الكنجي: 279، وروى قريباً منه الطبري في ذخائر العقبى: 148.[2]كامل الزيارات: 208، الباب 33 برقم 297، وانظر سائر أحاديث الباب.