السؤال 60
تروي بعض كتب الشيعة عن جعفر الصادق أنّه قال لامرأة سألته عن أبي بكر وعمر : أأتولاّهما ؟ قال : تولّيهما . فقالت : فأقول لربّي إذا لقيته إنّك أمرتني بولايتهما ؟ قال لها : نعم .
كما ذُكر أنّ الإمام الصادق يسمّي أبا بكر بالصدِّيق .
فما هو رأي الشيعة بأبي بكر الصديق؟
الجواب :ذكر في السؤال روايتين وقبل القيام بدراسة الرواية الأُولى نقوم بذكر نصها كما وردت في الكافي لكي يتبين للمطالع مقدار التغيير والخيانة الّتي أقدم عليها جامع الأسئلة، لأنّه اكتفى بما وجده على صفحات الانترنت ولم يكلف نفسه عناء البحث ليأخذ الرواية من مصدرها المعتبر، وعمله هذا خيانة تتنافى مع الأمانة العلمية والنزاهة والموضوعية.
روى الكليني بسنده عن أبي بصير قال: كنت جالساً عند أبي عبدالله(عليه السلام)إذ دخلت عليه، أُم خالد الّتي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه. فقال أبو عبدالله(عليه السلام): أيسرُّك أن تسمع كلامها؟ فقلت: نعم، فقال: أمّا الآن فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة ثمَّ دخلتْ فتكلّمتْ فإذا امرأة بليغة فسألته عنهما فقال لها: تولّيهما؟ قالت: فأقول لربّي إذا لقيته إنّك أمرتني بولايتهما قال: نعم.
قالت: فإنَّ هذا الّذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما وكثير النّوا يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحبُّ إليك؟ قال: هذا والله أحبُّ إليَّ من كثير النوا وأصحابه، إنَّ هذا يخاصم فيقول:(وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)[1](وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[2](وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[3].[4]
نقول: إنّ من أمعن في الرواية يجد أنّ الإمام(عليه السلام)حينما دعا المرأة لحب الرجلين فإنّما كان ذلك لمصلحة سياسية، لأنّ أُم خالد كانت من حاشية الوالي والمتقربين إليه، فلو أمرها بخلاف ما أمرها به فلربّما أخبرت المرأة الوالي وهذا ربّما يسبّب خطراً على الإمام .
ويشهد على ذلك أنّ المرأة لمّا قالت إنّ أبا بصير يدعوها إلى عدم حبهما وان كثير النّوا يدعوها إلى خلاف ذلك، رجّح الإمام قول أبي بصير على قول كثير النّوا، وفي هذا دلالة واضحة على أنّ أمرها بحب الرجلين في البداية كان من باب المداراة والتقية السياسية وإلاّ لما رجح قول أبي بصير على قول الغير ولما أجلس أبا بصير على فراشه وهذا يدل على صلة قريبة تربط أبا بصير بالإمام(عليه السلام).
وبعبارة أُخرى: أنّ التعارض بين صدر الرواية وذيلها واضح حيث إنّ
[1]المائدة: 44.[2]المائدة: 45.[3]المائدة: 47 .[4]الروضة من الكافي: 8 / 237 .
الصدر يدل على أمره بالحب والذيل يدل على خلافه، والجمع هو ما ذكرنا فإنّ المرأة في أوّل الأمر ذكرت المسألة على وجه الإجمال ورأى الإمام المصلحة في مجاراتها وعقيدتها، ولمّا كشفت عن وجه الحقيقة وأنّها قد سألت أبا بصير وكثير النّوا وذكرت أنّ رأييهما مختلفان، فعندئذ لم يجد الإمام بُداً من بيان الحقيقة وأن يبين بطريقة ذكية أنّ الحق مع أبي بصير.
أمّا الرواية الثانية فقد ذكرها الإربلي في كشف الغمة عن عروة بن عبدالله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي(عليه السلام)عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصديق سيفه، قلت: فتقول: الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم الصدّيق، نعم الصدّيق، نعم الصدّيق فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا ولا في الآخرة.[1]
إن دراسة هذه الرواية لا تسمح لصاحب الأسئلة بأن يحتجّ ويستدلّ بها، وذلك لوجود أمرين هما:
1 ـ الحديث من جهة السند ضعيف حيث نقله عليّ بن عيسى الإربلي[2]كما ذكرنا وهو من رجال القرن السابع حيث توفّي سنة 693 هـ ، وقد نقله عن عروة بن عبدالله الذي كان حيّاً في أيّام الإمام الباقر(عليه السلام)(57 ـ 114 هـ ) .
فكيف ينقل شخص من القرن السابع عن شخص كان يعيش في القرن
[1]كشف الغمة: 2 / 360.[2]كشف الغمّة : 2 / 360 .
الثاني؟ وعليه فلا يمكن الاستدلال والاستناد إلى حديث هذا سنده! .
2 ـ يوجد في رجال الشيعة (من الرواة) من اسمه عروة بن عبدالله بن قشير الجعفي ، وهو الوحيد الذي يحمل هذا الاسم ، وقد عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)ولكنّه مجهول بالكامل[1].
أمّا في رجال السنّة فهو أيضاً يسمّى بعروة بن عبدالله بن قشير الجعفي ، ويُكنّى بـ (أبي سهل) ، حيث ينقل الحديث عن عبدالله بن الزبير بواسطة رجل تتلمذ على يد عبدالله بن الزبير ، وبما أنّه ينقل الحديث عن عروة بن الزبير فهو قريبٌ له من الناحية السلوكيّة وانحرافه عن أهل البيت(عليهم السلام)، لِعِلْمِنا بانحراف آل الزبير عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولذلك لا يمكن الاستناد إلى حديث ينقله شخص كهذا!![2].
أضف إلى ذلك أنّه يوجد في متن الحديث مالا يصح نسبته للباقر(عليه السلام)، كما قرأت في نص الرواية. فهذا العمل غير مناسب لمقام الإمام الباقر(عليه السلام)ووقاره وأخلاقه ، والإفراط في المبالغة أكثر من الحدّ اللازم، وهذا دليل على أنّ عروة بن عبدالله ـ تلميذ عبدالله بن الزبير ـ هو من قام بوضع الحديث ونسبه إلى الإمام الباقر(عليه السلام).
[1]تنقيح المقال : 2 / 251، برقم 788 .[2]تهذيب الكمال في أسماء الرجال : 10 / 27، برقم 3909 .
السؤال 61
ذكر أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيّين والاربلي في كشف الغمة والمجلسي في جلاءالعيون ان أبا بكر بن علي بن أبي طالب كان ممن قتل في كربلاء مع أخيه الحسين فلماذا تخفي الشيعة هذا الأمر وتركز على مقتل الحسين ؟
الجواب :إنّنا نعجب كيف يقول إنّ الشيعة يخفون هذه المسألة ، وفي الوقت نفسه ينقلها عن العلاّمة المجلسي الّذي هو من كبار علماء الشيعة، كما أنّ الإربلي نقل قضيّة استشهاد أبي بكر بن أمير المؤمنين عن الشيخ المفيد ومعروف لدى القاصي والداني منزلة الشيخ لدى الشيعة فهو من أساطين المذهب الشيعي ، فكيف يقول إنّ الشيعة يخفون هذه القضيّة ؟! رغم مضافاً إلى أرباب المقاتل (الذين رووا قصة مقتل الحسين(عليه السلام)) يتفقون على ذكر ذلك وأن للحسين(عليه السلام)أخوة أربعة قتلوا بين يديه أحدهم أبا بكر. كما أنّ السائل حاول أن يتغافل عن أنّ كل المصادر الشيعية التي تحدثت عن حياة الإمام علي(عليه السلام)بالتفصيل ذكرت أسماء ابنائه ومنهم أبو بكر.
إنّ مسألة اتّخاذ أسماء الخلفاء لأبناء عليّ(عليه السلام)هي مسألة قد تمَّ التطرّق إليها في السؤال الثالث وقد أجبنا عن ذلك، حيث أثبتنا أنّ هذه الأسماء لا تختصّ بالخلفاء الثلاثة ، بل هي أسماء رائجة ومنتشرة بين العرب قبل
الإسلام وبعده ، ولنترك هذا الموضوع لأنّه نوع من التهريج الذي لا طائل من ورائه .
أمّا قوله بأنّ الشيعة تركّز على مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)، فهذا في الحقيقة من السذاجة بمكان بحيث لا يستحق الإجابة عنه. إلاّ أنّا نقول على نحو الاختصار: إن من المعروف لدى كل عاقل أنّ كل ثورة أو حركة يركز فيها على الشخصية الأُولى منها التي تمثل المحور في القضية، والإمام الحسين(عليه السلام)هو محور الثورة وهو قائدها وصاحبها، فالتركيز عليه يُعد أمراً طبيعياً جداً. كما نرى التركيز على شخصية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في التاريخ الإسلامي: وهذا لا يعني المساس بالآخرين من الصحابة والأتباع ولا يكشف عن خبث السرائر أو محاولة الإلغاء والتشويه المقصودة التي يحاول صاحب الأسئلة إلصاقها بالشيعة زوراً وبهتاناً.
السؤال 62
إذا كان شرط النجاة يوم القيامة هو طاعة الأئمّة المعصومين مقترنة بطاعة الله والرسول(صلى الله عليه وآله)، فلماذا لم يأت ذكر طاعة الأئمّة في القرآن كما جاء ذكر طاعة الله وطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله)؟[1]
الجواب :إنّ من أركان الإسلام طاعة الله وطاعة الرسول ، والآيات التي
[1]هذه خلاصة للسؤال، وقد استشهد جامع الأسئلة هنا بالآيتين 13 و 68 من سورة النساء.
ذكرها السائل ليست في مقام بيان كلّ أركان الإيمان ، والشاهد على ذلك آيات أُخرى توجب طاعة أُولي الأمر حيث يقول تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ)[1].
فهنا ذكر (إطاعة أُولي الأمر) بعد أن ذكر إطاعة المقامين السابقين .
وفي آية أُخرى يأمر الله تعالى بعدم إفشاء أسرار المسائل الحسّاسة أمام الآخرين ، وإنّما يجب إرجاعها إلى أُولي الأمر حيث قال عزَّ من قائل :(وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اْلأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اْلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً)[2].
فلا يكون خلوّ الآيتين عن ذكر الأئمة دليلاً على عدم وجوب طاعتهم إذا دلّت الأدلّة على وجوب طاعتهم وقد ثبت في محله أنّ المراد بـ(أُوْلِي الاَْمْرِ)هم الأئمة المعصومون فتكون طاعتهم مذكورة في الذكر الحكيم .
أضف إلى ذلك: أنّ الله عزّ وجلّ أمرنا بطاعة الرسول ، والرسول بدوره أمرنا بطاعة الثقلين .
ثم أنّ أهل السنة يرون وجوب إطاعة ولاتهم مع أنّها غير مذكورة في الآيتين، يقول أحمد بن حنبل في إحدى رسائله: «السمع والطاعة للأئمّة ، وأمير المؤمنين ، البرّ والفاجر ، ومن ولّي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا
[1]النساء : 59 .[2]النساء : 83 .
به ، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين ، . . . ليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم . . .».[1]
وهناك رسالة لأبي جعفر الطحاوي تُدرَّس اليوم في جامعة المدينة المنوّرة تحت عنوان «بيان السنّة والجماعة» يقول فيها : «ولا نرى الخروج عن أئمّتنا وولاة أُمورنا ، وإن جاروا ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزّ وجلّ فريضة».[2]
وجامع الأسئلة من الانترنت ليس له أدنى اطّلاع بشأن مقام الإمامة بل لم يفهم رأي المدرسة والمذهب الّذي ينتمي إليه ، ولا علم له بما نقلته كتب الحديث عندهم حول هذا الموضوع ; فقد جاء في أحاديث يرويها أهل السنّة أنفسهم : «من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتةً جاهليّة».[3]
ومن خلال هذا الحديث نقول : إذا كان واقعاً أنّ الطاعة منحصرة في الله والرسول فقط فما معنى تأكيد النبيّ(صلى الله عليه وآله)على بيعة كلّ مسلم لإمام الزمان الذي يعيش فيه ، بل يصل به الأمر إلى تحذير المسلمين من الموت قبل أخذ البيعة لإمام زمانهم ، وإلاّ فإنّ موتهم سيكون بمثابة الموت على الجاهليّة .
وحقيقة الأمر أنّ السائل تصوّر أنّ المراد من الإمام هو أحد الخلفاء الأمويين أو العباسيين الذين صاروا أئمة للضلال والفساد ولذلك عجب من
[1]تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، لمحمّد أبو زهرة : 2 / 322 .[2]شرح العقيدة الطحاويّة : 110 ـ 111 .[3]مسند أحمد : 2 / 96 .