بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 175

السؤال 64

نجد في نهج البلاغة رسالة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)إلى معاوية ، جاء فيها «إنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد...» .

وفي هذا دليل على أُمور :

1 ـ أنّ الإمام يُختار من قبل المهاجرين والأنصار .

2 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام)بُويع بنفس الطريقة التي بُويع بها أبو بكر وعمر وعثمان .

3 ـ أنّ الشورى للمهاجرين والأنصار ، وهذا يدلّ على فضلهم .

4 ـ أنّ قبول المهاجرين والأنصار ورضاهم ومبايعتهم لإمام لهم يكون من رضا الله .

5 ـ أنّ الشيعة يلعنون معاوية ولم نجد عليّاً(عليه السلام)يلعنه في رسالته .

الجواب :

إنّ القرآن الكريم يعلِّم المسلمين كيفية مخاطبة مخالفيهم باتّباع إحدى الأساليب التالية :


صفحه 176

1 ـ إمّا بالبرهان والاستدلال العقلي .

2 ـ أو بالموعظة الحسنة .

3 ـ أو بالجدل ، ومعناه إقامة الدليل على الخصم اعتماداً على ما يعتقده من مسلّمات ومعتقدات[1].

وهنا نجد أنّ أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام)ومن خلال كلامه في هذه الرسالة قد اعتمد الأُسلوب الثالث مع خصمه اللدود ، وهو الأُسلوب الجدلي ; حيث احتجّ على معاوية بنفس منطقه ومعتقده ، فقال له : إنّ الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة ـ الذين تدّعي إيمانك بخلافتهم ـ هم أنفسهم الذين بايعوني ، فلِمَ تقبل بيعة هؤلاء الناس للخلفاء الثلاثة وتمتنع عن قبول بيعتهم لي ؟

فهذا النوع من الخطاب الجدلي لا يدلّ على أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام)يقبل منطق معاوية .

وإذا أردنا أن نتوسّع قليلاً في هذا المطلب ونبيّن أصل الاختلاف فيه ، نقول :

إنّ أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام)قد أمسك بزمام الخلافة بعدما بايعه المهاجرون والأنصار ، وبعد إصرار كبير منهم ، ولعلمه أنّ معاوية لم يكن رجلاً صالحاً يُؤتَمن على إمارة الشام ، فقد قام(عليه السلام)بعزله عن الإمارة مباشرةً ، على رغم ما اقترحه بعض المسلمين بإمهال معاوية حتّى يتمكّن الإمام(عليه السلام)

[1]( قال تعالى: (. النحل : 125 .


صفحه 177

من السيطرة على شؤون الدولة ، وتستتب له الأُمور ، ثم يعزله بعد ذلك، لكنّه(عليه السلام)رفض هذا الاقتراح وعزل معاوية ولم يدعه في منصبه يوماً واحداً .

وهنا قام معاوية ـ طالب الدُّنيا ـ بالتمرّد على الإمام(عليه السلام)بدعوى المطالبة بدم عثمان ، وحاول اتّهام الإمام(عليه السلام)بالمشاركة في قتله .

هذه هي الظروف التي كتب فيها الإمام(عليه السلام)تلك الرسالة لمعاوية ، لخّص له فيها سبب تمرّده وبيَّن له فيها أنّه على علم بما يدور في خَلده ، وهو أنّ قيامك وتمرّدك يعود إلى أمرين :

الأوّل : أنّك تدّعي أنّ خلافتي غير مشروعة ، في حين أنّ خلافتي تتّصف بنفس مواصفات خلافة مَنْ سبقني من جهة الكمّ والكيف ; فالأشخاص الذين بايعوني هم نفس الأشخاص الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة .

الثاني : إن كنت تعتمد على اتّهامي بقتل عثمان فأنت تعلم أنّني بريءٌ من ذلك ولذلك كتب في ذيل رسالته: «لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمانَ » .[1]

من هنا يتبيّن لنا أنّ الإمام علياً(عليه السلام)لم يكن في مقام بيان مسألة كلاميّة وعقائديّة ، بل كان في مقام قطع الطريق أمام معاوية الذي تمرّد عليه ، وفَضْح دعواه الزائفة عن طريق سلوك الأُسلوب الجدلي المنطقي .

وكان هذا ديدنه(عليه السلام)مع كثيرين ، فقد واجه طلحة والزبير وكذلك الخوارج بنفس ذلك الاُسلوب المنطقي تفادياً لوقوع الحروب وإراقة الدِّماء .

[1]نهج البلاغة: 3 / 7، الكتاب رقم 6 .


صفحه 178

والنتيجة : أنّ كلّ ما استخلصه السائل من نتائج خمسة ، هو استنتاج واه وبلا أساس .

وأمّا القول بعدم تعرّض عليّ(عليه السلام)إلى لعن معاوية في الرسالة ، فلأجل أنّ الإمام يهدف في هذه الرسالة إلى احتواء معاوية وإعادته إلى جادّة الصواب ، لا إلى مزيد من الإبعاد والنفرة، فلم يكن اللّعن منسجماً مع هدفه(عليه السلام).

ثم لماذا يتغافل جامع الأسئلة عن مواقف الإمام(عليه السلام)مع معاوية المذكورة في نفس نهج البلاغة حيث يصفه بالغدر والفجر ومنها: مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. ..؟![1]

السؤال 65

لا يستطيع الشيعة أن ينكروا أنّ أبا بكر وعمر وعثمان قد بايعوا الرسول(صلى الله عليه وآله)تحت الشجرة «في بيعة الرضوان» وأنّ الله أخبر بأنّه قد رضي عنهم وعلم ما في قلوبهم .[2]

الجواب :أوّلاً : عندما يتعرّض مجتمع من المجتمعات إلى المدح والثناء، فليس معناه شمول هذا المدح جميع أفراد ذلك المجتمع فرداً فرداً ، بل ذلك المدح والثناء يكون لائقاً بالمجتمع ككلّ ، فمثلاً عندما نقول إنّ طلبة

[1]نهج البلاغة: 2 / 180، من كلامه له برقم 200 .[2]الفتح: 15 .


صفحه 179

الجامعة الفلانيّة مجدّون ومجتهدون فليس معناه انطباق هذا الوصف على كلّ طالب في الجامعة ; لأنّه قد يكون هناك طالب غير مجدّ وغير مجتهد ، بل المقصود هو وصف الحالة العامّة التي تسود تلك الجامعة ككلّ .

وأفضل ما يمكن الاستدلال به في هذا المقام من تاريخ المسلمين ، هو وجود عبدالله بن أُبيّ زعيم المنافقين بينهم ، فقد كان من المشاركين في بيعة الرضوان هو وأتباعه فبايعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ولو أنهم امتنعوا عن البيعة لذكرهم التاريخ .

وهنا نسأل السائل : هل يمكن الاستدلال بالآية (آية الرضوان) على استقامة عبدالله بن أُبيّ وأتباعه من المنافقين ، وهل يمكن لنا أن نصفهم بالأفضليّة ؟!

ثانياً : إنّ المتدبر في آية الرضوان يجد أنّ رضا الله تعالى لم يكن مطلقاً ، بل كان مختصّاً بالوقت الذي تمّت فيه البيعة فقط، قال سبحانه:(لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ)[1]; بمعنى أنّ الله رضي عن المبايعين لرسول الله(صلى الله عليه وآله)في ذلك الوقت بالتحديد ، وهذا لا يكون دليلاً على بقاء ذلك الرضا واستمراره إلى آخر العمر .

وعلى ضوء ما ذكرنا فإن رضا الله سبحانه كان محدداً بوقت خاص، فلو صدر ـ من أحد الذين رضي الله عنهم في ذلك الوقت ـ ما يوجب السخط بعد ذلك كان بمنزلة أنّه نكث بيعته ، فلا يكون ذلك دليلاً على خلاف مفاد

[1]الفتح : 18 .


صفحه 180

الآية لأنّها لم تخبر عن رضا الله سبحانه عنهم في عامة أحوالهم إلى يوم القيامة .

ولذلك نرى أنّه سبحانه يقول في حقهم في آية أُخرى:(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ... )[1]. فالآية ناظرة إلى الذين بايعوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة ومع ذلك يستدرك ويقول:(فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)[2].

فتكون النتيجة أنّه قد عمهم رضا الله سبحانه على وجه الاقتضاء لا على وجه العلّة التامة، فلو ثبت في التاريخ نكث البيعة أو انتهاك الحرمة، أو غير ذلك من المعاصي فلا يمكن الاستدلال بالآية على نزاهة الناكثين والهاتكين للحرمة.

إنّ الاعمال الصالحة لا تُعدّ دليلاً قطعياً على حسن مصير الإنسان وقطعيته، ولذا روى البخاري حديثاً عن النبي، جاء في آخره: «إنّما الأعمال بالخواتيم ».[3]

إذ رب إنسان صالح في أوائل حياته يتبدل في أُخريات عمره إلى إنسان طالح، وربّما كان العكس.

وبهذا تبيّن أنّ الآيات المادحة للمهاجرين والأنصار يستدل بها على

[1]الفتح: 10.[2]الفتح: 10 .[3]صحيح البخاري: 4 / 233، كتاب القدر، الباب 5، الحديث 7 .


صفحه 181

حسن سلوكهم مالم يدل دليل على خلاف ذلك، فيؤخذ بالثاني من دون أن يكون هناك تعارض بين الدليلين.

السؤال 66

بينما نجد الشيعة يتقرّبون إلى الله بسبّ كبار الصحابة لا سيما الخلفاء الثلاثة ، لا نجد سنيّاً واحداً يسبّ واحداً من آل البيت(عليهم السلام)؟

الجواب :الشيعة هم أتباع أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)الذي كان يأمرهم دائماً بقوله : «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وَصَفْتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر»[1].

إذن ; فالسباب هو تصرّف بعيد عن التربية والأخلاق ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول : «سِبابُ المؤمنِ فُسوق» كما يدلّ على افتقار صاحبه للعلم والثقافة .

لذلك فإنّ ما يمكن مشاهدته أو سماعه عن الشيعة فهو :

أوّلاً : أنّ عدد أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)قُدّر بمائة ألف شخص ، والمدوّن من أسمائهم هو حوالي خمسة عشر ألفاً والبقيّة المتبقّية مجهولون ، فكيف نقبل بقيام شخص عاقل مثقّف بعداوة وسبّ أشخاص مجهولين لا يعرفهم ؟!

ثانياً : الصحابة الذين ذُكرت أسماؤهم حوالي خمسة عشر ألفاً ـ كما ذكرنا ـ فيهم قسمٌ كبير لم يشاركوا في ظلم أهل البيت(عليهم السلام)، كما أنّ هناك فريقاً

[1]نهج البلاغة ، الكلمات القصار : 206 .


صفحه 182

منهم كان من أتباع عليّ(عليه السلام)المعتقدين بإمامته من أوّل يوم نصبه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكانوا من المدافعين عن حقّه . فكيف نسمح بسبّهم ؟!

أمّا أُولئك الذين تجاوزوا حدودهم في التعدّي على أهل بيت العصمة والطهارة وابتزّوهم وسلبوهم حقوقهم وأنزلوهم من منزلتهم التي ارتضاها الله لهم ، فهم الذين مازالوا مورداً لانتقاد الشيعة وإدانتهم، والميزان في ذلك هو عرض أعمالهم تلك على موازين الإسلام، وعند ذلك يتضح استحقاقهم لذلك الانتقاد والتقريع .

مثلاً وليد بن عقبة قد وصفه القرآن بالفاسق في الآية السادسة من سورة الحجرات ، وهناك فريق ترك النبيّ(صلى الله عليه وآله)قائماً يصلّي الجمعة وتوجّه إلى التجارة واللهو عند سماعه بوصول القافلة المحمّلة بالبضائع، قال سبحانه:(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً)[1].

أفيمكن الترضي عليهم، وطلب الرحمة لهم، أو أنّ الوظيفة في المقام هو التبري من الفاسق والمبتز لكرامة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

والجدير بالذِّكر أنّ الخلفاء والصحابة لم يكونوا يحظون بهذه القدسيّة والعصمة وبهذه المكانّة الرفيعة التي يحاول البعض تصويرهم بأنّهم فوق النقد ولا يمكن الحديث عن تاريخهم وما قاموا به وتحت غطاء كونهم صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن بمرور الزمن جاء من يُضفي هذه القداسة على الصحابة (بدون استثناء) كعنوان مماثل لما يحظى به أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

ولنعد مرّةً أُخرى إلى صحيح البخاري ونقلّب صفحاته ونحقّق ما جاء

[1]الجمعة : 11 .