والنتيجة : أنّ كلّ ما استخلصه السائل من نتائج خمسة ، هو استنتاج واه وبلا أساس .
وأمّا القول بعدم تعرّض عليّ(عليه السلام)إلى لعن معاوية في الرسالة ، فلأجل أنّ الإمام يهدف في هذه الرسالة إلى احتواء معاوية وإعادته إلى جادّة الصواب ، لا إلى مزيد من الإبعاد والنفرة، فلم يكن اللّعن منسجماً مع هدفه(عليه السلام).
ثم لماذا يتغافل جامع الأسئلة عن مواقف الإمام(عليه السلام)مع معاوية المذكورة في نفس نهج البلاغة حيث يصفه بالغدر والفجر ومنها: مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. ..؟![1]
السؤال 65
لا يستطيع الشيعة أن ينكروا أنّ أبا بكر وعمر وعثمان قد بايعوا الرسول(صلى الله عليه وآله)تحت الشجرة «في بيعة الرضوان» وأنّ الله أخبر بأنّه قد رضي عنهم وعلم ما في قلوبهم .[2]
الجواب :أوّلاً : عندما يتعرّض مجتمع من المجتمعات إلى المدح والثناء، فليس معناه شمول هذا المدح جميع أفراد ذلك المجتمع فرداً فرداً ، بل ذلك المدح والثناء يكون لائقاً بالمجتمع ككلّ ، فمثلاً عندما نقول إنّ طلبة
[1]نهج البلاغة: 2 / 180، من كلامه له برقم 200 .[2]الفتح: 15 .
الجامعة الفلانيّة مجدّون ومجتهدون فليس معناه انطباق هذا الوصف على كلّ طالب في الجامعة ; لأنّه قد يكون هناك طالب غير مجدّ وغير مجتهد ، بل المقصود هو وصف الحالة العامّة التي تسود تلك الجامعة ككلّ .
وأفضل ما يمكن الاستدلال به في هذا المقام من تاريخ المسلمين ، هو وجود عبدالله بن أُبيّ زعيم المنافقين بينهم ، فقد كان من المشاركين في بيعة الرضوان هو وأتباعه فبايعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ولو أنهم امتنعوا عن البيعة لذكرهم التاريخ .
وهنا نسأل السائل : هل يمكن الاستدلال بالآية (آية الرضوان) على استقامة عبدالله بن أُبيّ وأتباعه من المنافقين ، وهل يمكن لنا أن نصفهم بالأفضليّة ؟!
ثانياً : إنّ المتدبر في آية الرضوان يجد أنّ رضا الله تعالى لم يكن مطلقاً ، بل كان مختصّاً بالوقت الذي تمّت فيه البيعة فقط، قال سبحانه:(لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ)[1]; بمعنى أنّ الله رضي عن المبايعين لرسول الله(صلى الله عليه وآله)في ذلك الوقت بالتحديد ، وهذا لا يكون دليلاً على بقاء ذلك الرضا واستمراره إلى آخر العمر .
وعلى ضوء ما ذكرنا فإن رضا الله سبحانه كان محدداً بوقت خاص، فلو صدر ـ من أحد الذين رضي الله عنهم في ذلك الوقت ـ ما يوجب السخط بعد ذلك كان بمنزلة أنّه نكث بيعته ، فلا يكون ذلك دليلاً على خلاف مفاد
[1]الفتح : 18 .
الآية لأنّها لم تخبر عن رضا الله سبحانه عنهم في عامة أحوالهم إلى يوم القيامة .
ولذلك نرى أنّه سبحانه يقول في حقهم في آية أُخرى:(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ... )[1]. فالآية ناظرة إلى الذين بايعوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة ومع ذلك يستدرك ويقول:(فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)[2].
فتكون النتيجة أنّه قد عمهم رضا الله سبحانه على وجه الاقتضاء لا على وجه العلّة التامة، فلو ثبت في التاريخ نكث البيعة أو انتهاك الحرمة، أو غير ذلك من المعاصي فلا يمكن الاستدلال بالآية على نزاهة الناكثين والهاتكين للحرمة.
إنّ الاعمال الصالحة لا تُعدّ دليلاً قطعياً على حسن مصير الإنسان وقطعيته، ولذا روى البخاري حديثاً عن النبي، جاء في آخره: «إنّما الأعمال بالخواتيم ».[3]
إذ رب إنسان صالح في أوائل حياته يتبدل في أُخريات عمره إلى إنسان طالح، وربّما كان العكس.
وبهذا تبيّن أنّ الآيات المادحة للمهاجرين والأنصار يستدل بها على
[1]الفتح: 10.[2]الفتح: 10 .[3]صحيح البخاري: 4 / 233، كتاب القدر، الباب 5، الحديث 7 .
حسن سلوكهم مالم يدل دليل على خلاف ذلك، فيؤخذ بالثاني من دون أن يكون هناك تعارض بين الدليلين.
السؤال 66
بينما نجد الشيعة يتقرّبون إلى الله بسبّ كبار الصحابة لا سيما الخلفاء الثلاثة ، لا نجد سنيّاً واحداً يسبّ واحداً من آل البيت(عليهم السلام)؟
الجواب :الشيعة هم أتباع أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)الذي كان يأمرهم دائماً بقوله : «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وَصَفْتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر»[1].
إذن ; فالسباب هو تصرّف بعيد عن التربية والأخلاق ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول : «سِبابُ المؤمنِ فُسوق» كما يدلّ على افتقار صاحبه للعلم والثقافة .
لذلك فإنّ ما يمكن مشاهدته أو سماعه عن الشيعة فهو :
أوّلاً : أنّ عدد أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)قُدّر بمائة ألف شخص ، والمدوّن من أسمائهم هو حوالي خمسة عشر ألفاً والبقيّة المتبقّية مجهولون ، فكيف نقبل بقيام شخص عاقل مثقّف بعداوة وسبّ أشخاص مجهولين لا يعرفهم ؟!
ثانياً : الصحابة الذين ذُكرت أسماؤهم حوالي خمسة عشر ألفاً ـ كما ذكرنا ـ فيهم قسمٌ كبير لم يشاركوا في ظلم أهل البيت(عليهم السلام)، كما أنّ هناك فريقاً
[1]نهج البلاغة ، الكلمات القصار : 206 .
منهم كان من أتباع عليّ(عليه السلام)المعتقدين بإمامته من أوّل يوم نصبه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكانوا من المدافعين عن حقّه . فكيف نسمح بسبّهم ؟!
أمّا أُولئك الذين تجاوزوا حدودهم في التعدّي على أهل بيت العصمة والطهارة وابتزّوهم وسلبوهم حقوقهم وأنزلوهم من منزلتهم التي ارتضاها الله لهم ، فهم الذين مازالوا مورداً لانتقاد الشيعة وإدانتهم، والميزان في ذلك هو عرض أعمالهم تلك على موازين الإسلام، وعند ذلك يتضح استحقاقهم لذلك الانتقاد والتقريع .
مثلاً وليد بن عقبة قد وصفه القرآن بالفاسق في الآية السادسة من سورة الحجرات ، وهناك فريق ترك النبيّ(صلى الله عليه وآله)قائماً يصلّي الجمعة وتوجّه إلى التجارة واللهو عند سماعه بوصول القافلة المحمّلة بالبضائع، قال سبحانه:(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً)[1].
أفيمكن الترضي عليهم، وطلب الرحمة لهم، أو أنّ الوظيفة في المقام هو التبري من الفاسق والمبتز لكرامة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
والجدير بالذِّكر أنّ الخلفاء والصحابة لم يكونوا يحظون بهذه القدسيّة والعصمة وبهذه المكانّة الرفيعة التي يحاول البعض تصويرهم بأنّهم فوق النقد ولا يمكن الحديث عن تاريخهم وما قاموا به وتحت غطاء كونهم صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن بمرور الزمن جاء من يُضفي هذه القداسة على الصحابة (بدون استثناء) كعنوان مماثل لما يحظى به أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
ولنعد مرّةً أُخرى إلى صحيح البخاري ونقلّب صفحاته ونحقّق ما جاء
[1]الجمعة : 11 .
فيه حول تفسير سورة النور في الحديث رقم 4720 ، حيث نرى أنّ اثنين من كبار الصحابة ـ أحدهما سعد بن معاذ والآخر سعد بن عبادة ـ تخاصما في محضر النبيّ(صلى الله عليه وآله)حيث قال سعد بن عبادة لسعد بن معاذ : أُقسم بالله إنّك لتكذب! وقال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة : أُقسم بالله إنّك أنت الذي يكذب! أنت منافق وتدافع عن المنافقين!! .
هذا هو موقف الصحابة عند أنفسهم في ذلك الوقت فكيف نصفهم بالعدل والقداسة من أوّلهم إلى آخرهم في حياة النبي وبعد رحيله.
إنّ خصام عمّار بن ياسر مع خالد بن الوليد في محضر النبيّ(صلى الله عليه وآله)معروف[1]، ولم يقل النبيّ(صلى الله عليه وآله)على الإطلاق أنّكما وصفتُما بعضكما بالكذب والنفاق ، وعليه تكونا قد خرجتما من الإسلام .
والنبيّ(صلى الله عليه وآله)وصف قسماً من أصحابه بـ «الفئة الباغية» عندما رأى عمّار بن ياسر ووجهه ملطّخ بالطين والتراب وهو جالس فجعل(صلى الله عليه وآله)يمسح رأسه ويقول : «طوبى ابن سميّة ، تقتلك الفئة الباغية» .
وقال أيضاً : «ما لهم ولعمّار يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار»[2].
أضف إلى كلّ هذا إنّ التكفير واللّعن لا يخرج الإنسان عن الدِّين طِبقاً للمذهب الأشعري.[3]
[1]مستدرك الحاكم: 3 / 29 .[2]صحيح البخاري: 1 / 115 ; مسند أحمد: 3 / 91 ; مستدرك الحاكم : 3 / 149 ; جامع الأُصول : 9 / 44، الحديث 6583 .[3]راجع: الفصل لابن حزم: 4 / 204 .
ثم كيف يدّعي السائل أنّه لم يجد سنيّاً واحداً يسب واحداً من آل البيت!!
فهل نسي ما قام به معاوية من سب الإمام علي(عليه السلام)والأمر بلعنه وسبه على المنابر!!
وهل هو يجهل أو يتجاهل الحيف والضيم الّذي تعرّض له أهل البيت(عليهم السلام)على مرّ التاريخ من سم الإمام الحسن(عليه السلام)مروراً بواقعة كربلاء و... ويكفي أن يراجع في هذا المجال «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الاصفهاني، ليعرف بطلان ما يدّعيه.
ولا ينسى الكاتب أن يراجع الشعراء الذين أثنوا على قاتل أمير المؤمنين(عليه السلام)، كما فعل ذلك عمران بن حطّان.
السؤال 67
ما دام الأئمّة(عليهم السلام)حسب مفهوم الشيعة يعلمون الغيب ، ألم يكن باستطاعة الحسين(عليه السلام)أن يعلم حاجته إلى الماء أثناء القتال ، وأنّه سوف يموت عطشاً ، وبهذا يستطيع أن يجمع كمّية من الماء كافية للمعركة ؟
الجواب :إنّ جامع الأسئلة لم يقرأ جيّداً تاريخ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وكيف أنّهم كانوا يدرسون الأُمور دراسة وافية ويعدّون لكل شيء عدته. ونحن إذا قرأنا تاريخ الإمام الحسين(عليه السلام)في معركة كربلاء نجده قد حسب
لكلّ شيء حسابه ومنها توفيره الماء الكافي له ولاصحابه في حلهم وترحالهم، فقد حدّثنا التاريخ أنّ الإمام(عليه السلام)كان قد أخذ معه ما يكفيه من الماء ، ولكن عندما واجهه جيش الحرّ بن يزيد الرياحي ، كان ذلك الجيش قد بلغ مبلغاً عظيماً من العطش ، لدرجة أنّ الواحد منهم كان يتعثّر في مشيه ويسقط من شدّة العطش ، عندها أصدر الحسين(عليه السلام)أوامره لمن كان معه بأن يقدّموا لهم قِرب الماء التي كانت بحوزتهم ـ رغم أنّهم جاءوا لقتاله ـ فشرب أصحاب الحرّ حتّى ارتووا ، وحتّى أن الشخص الذي لم يتمكّن من الشرب بسبب التعب الشديد ، ساعده الإمام(عليه السلام)بنفسه حتّى شرب وارتوى من يده(عليه السلام). فما ادّخره من الماء قد بذله لعدوه الغاشم .
ولا غرابة في ذلك لان الحسين(عليه السلام)هو شبل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)الذي قام معاوية بمنعه وأصحابه من الوصول إلى نهر الفرات حتّى عطش جيشه ، ممّا اضطرّه أن يحمل على عسكر معاوية ، ويجليهم عن الماء ، ويصبح الماء تحت سيطرة جيشه(عليه السلام)، ولكن أبى عليّ أن يفعل فعلتهم بل أمر أصحابه(عليه السلام)بأن يكون الماء مناصفةً بين جيشه وجيش معاوية .
كما أنّ المصادر الشيعية تؤكد أنّ الإمام(عليه السلام)لم يستسلم للأمر الواقع بل أرسل من يجلب لهم الماء، وفي بعضها قام(عليه السلام)بمحاولة حفر الآبار إلاّ أنّ القوم منعوهم من ذلك ،هذا من ناحية النقل.
وأمّا إذا أردنا أن نحلّل قضية عطشه(عليه السلام)فنقول: هذه قضية تابعة لظروفها الموضوعية، فنحن الآن ندرس القضية على أساس ما جاءنا في بطون الكتب، ومن المعلوم أنّ الّذي وصل إلينا لا يمثل الحقيقة بكل أبعادها