إنّ جامع الأسئلة ومروّجها تصوّر أنّ الحسين(عليه السلام)يسعى للحصول على القدرة السياسيّة والسلطنة، ولهذا تراه يقول : إنّه لم يحقّق مبتغاه!! .
لقد أعطى(عليه السلام)بشهادته حياةً جديدة للأُمّة ، وأوجد في المجتمع الإسلامي حياةً اجتماعيّة دائمة ومتجدّدة بفضل تضحيته بحياته الدنيوية ، وفتح صفحة جديدة في حياته البرزخيّة ليحيا فيها خالداً(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)[1].
السؤال 71
يزعم الشيعة أنّ فضائل علي والنصوص على إمامته متواترة، والحال أنّ نقلة هذه النصوص والفضائل هم جمهور الصحابة الذين يتهمهم الشيعة بالردّة والكفر، وأمّا الصحابة الذين يواليهم الشيعة ويقولون بثباتهم على الدين فهم نفر قليل لا يثبت بهم التواتر.
الجواب:أوّلاً: إنّ اتّهام الشيعة بقولهم بارتداد الصحابة بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ألصق بجامع الأسئلة وأئمته، فهم الذين قالوا بذلك، وقد سبق منا توضيح ذلك، كما ذكره ابن الأثير في كتابه «جامع الأُصول» في باب سمّاه «حوض الكوثر»، فليراجع ذلك حتّى يُعلم أي الفريقين أولى بهذا الاتهام.
[1]آل عمران : 168 ـ 169 .
كيف يقول الشيعة بارتداد جمهور الصحابة مع أنّ مائتين وخمسين صحابياً هم من رواد التشيّع وأوائله وقد بقوا على ما كانوا عليه في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)من الثبات على ولاية علي(عليه السلام)؟!
ولنترك ذلك كله ولنسأل جامع الأسئلة: هل أنّه قرأ شيئاً من علوم الحديث، وهل علم أنّه لا يشترط في التواتر إيمان المخبرين وإسلامهم، بل يكفي امتناع تواطئهم على الكذب؟ وقد نقلت فضائل أهل البيت والنص على ولايتهم جموع غفيرة من الصحابة والتابعين إلى أن وصلت بأيدينا متواترة بكل طبقاتها ، فمثلاً حديث الغدير قد نقله حوالي 120 صحابياً. وقس على ذلك طبقة التابعين وتابعي التابعين والعلماء في كل عصر وقرن. وهذا يفيد العلم بالخبر، سواء كان المخبرون مسلمين ـ كما هو الحال عندنا ـ أم كانوا غيرهم حَسَب اتّهام السائل الشيعة به، فإنّ دين المخبر لا مدخلية له.
السؤال 72
يدّعي الشيعة أنّ أبا بكر وعمر وعثمان كان قصدهم الرئاسة والملك ، فظلموا آل البيت(عليهم السلام)بغصبهم الخلافة، ولكن نرد على قولهم بأنّ هؤلاء لم يقاتلوا مسلماً واحداً، لتحصيل الولاية والسلطة وإنّما قاتلوا الكفّار والمرتدّين فقط ، وحتّى أنّ عثمان عندما حوصر لم يقتل مسلماً واحداً ؟
الجواب :لا يخفى أنّه لا صلة لدليله بمدّعاه، وذلك لأنّ الشيعة
يعتقدون أنّ الثلاثة قد تسنّموا منصة الحكم لأهداف دنيوية أعظمها حبّ الرئاسة والتسلّط، وسيوافيك دليل ذلك.
والسائل يرد على ذلك بأنّهم لم يقتلوا مسلماً في طريق الحصول على السلطة وبعده، أفهل يكون هذا دليلاً على أنّهم كانوا متقربين إلى الله بقبولهم الخلافة كصومهم وصلاتهم؟!
وإن كنت في شك في أنّهم تسنّموا الخلافة لرغبة دنيوية فلاحظ كيفية انتخابهم والطريقة الّتي وصلوا بها إلى سدة الحكم، فالأوّل منهم فقد نال الخلافة بحادثة السقيفة، وقد اجتهد عمر وسعى حثيثاً في تثبيت خلافة أبي بكر ، وأمّا عمر فقد اختاره أبو بكر من دون الرجوع إلى أخذ رأي المهاجرين والأنصار ; وقام عمر أيضاً عندما شارف على الموت بجعل الخلافة في مجموعة تتكوّن من ستّة أشخاص بدعوى الشورى ، وكان ترتيب هؤلاء بطريقة يكون فيها حرمان عليّ وإقصاؤه(عليه السلام)من الخلافة أمراً محتوماً ، بحيث يكون أربعة ضدّه، خصوصاً وأنّ عبد الرحمن بن عوف قد قام في إنجاز مهمته بوضع شرطين تكون الخلافة رهن قبولهما، وهما: العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه .
والشرط الآخر هو: العمل بسيرة أبي بكر وعمر ، وهو على يقين أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام)سيرفض الشرط الثاني ، وكان كما أراد; لأنّ عليّاً(عليه السلام)أعلن التزامه بالعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه فقط ورفض الشرط الثاني.[1]
[1]راجع شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 1 / 188 و 194 ; تاريخ اليعقوبي : 1 / 162 .
فهل بعد ذلك يصح القول بأنّ قبول الخلفاء الثلاثة للخلافة كان لوجه الله وتقرباً إليه تعالى ، مع هكذا ظروف وشروط ؟!
وأمّا كون عثمان لم يقاتل أحداً فلأنّه كان محاصراً وحيداً فريداً وليس له أيّ قدرة حتّى يعطي الأمر بالقتال ، وأمّا في اليوم الذي كانت له فيه القدرة تراه لم يتوان في ضرب وشتم أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)أمثال أبي ذرّ وعمّار وعبدالله بن مسعود و . . . . كما قام بإصدار أمر بمقاتلة المصريّين .
السؤال 73
لقد كفرت القاديانيّة بادّعائها النبوّة لزعيمها ، فما الفرق بينها وبين الشيعة الذين يزعمون لأئمّتهم خصائص الأنبياء و...؟
الجواب :بالرجوع إلى أي كتاب من أحد الكتب العقائدية للشيعة يتّضح الفرق بين الفريقين ; فقياس الشيعة بهم إهانة لهم. فالشيعة يعتقدون أنّ النبوّة قد خُتمت بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)، وأنّ الوحي قد انقطع بوفاته(صلى الله عليه وآله)، وأنّه لن يكون هناك نبيٌّ بعده إلى يوم القيامة .
ولكن كلّ هذا لا يكون مانعاً من أن تشمل عناية الله سبحانه بعض عباده الصالحين فيجعلهم علماء فهماء من عنده من دون أن يدرسوا على يد أحد، كما هو الحال في حق أئمتهم وهذا ليس بأمر غريب وله نظائر، فهذا مصاحب موسى يصفه القرآن الكريم:(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ )
عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)[1]، وعلى ضوء ذلك فقد شملت عنايته سبحانه أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فطهرهم من الدنس والذنب وعلّمهم من لدنه ـ من دون أن يكونوا أنبياء ـ ليقوموا بوظائف النبي بعد رحيله باستثناء تلقّي الوحي .
ويشير إلى هذا ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال النبي(صلى الله عليه وآله)لعليّ(عليه السلام): «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»[2]. فأي إشكال في هذا، فإنّ غلق باب النبوة وختمها ليس بمعنى ختم عنايته سبحانه ببعض عباده باللطف والرحمة والكرامة والعظمة.
والخصائص الّتي زعم القائل بأنّ ثبوتها للأئمة يلازم النبوة عبارة عن القول بعصمتهم أو اطّلاعهم على الغيب بإذن الله تعالى، أو ما يشبه ذلك، ولكن السائل غفل عن أنّ العصمة أعم من النبوة، فهذه مريم بنت عمران كانت معصومة ومطهرة ولم تكن نبيّةً.[3]
وهذا مصاحب موسى كان مطلعاً على الغيب ولم يكن نبياً بل كان ولياً من أولياء الله تعالى.[4]
وكان يوسف(عليه السلام)واقفاً على الغيب قبل أن يكون نبياً حيث أخبر صاحبيه في السجن بمصيرهما وأنّ أحدهما يصلب، والآخر يكون ساقياً للملك .[5]
[1]الكهف: 65 .[2]صحيح مسلم: 7 / 120، برقم : 2404 .[3]آل عمران: 42 .[4]الكهف: 79 .[5]يوسف: 41 .
والحق أنّ القوم لم يدرسوا مسألة الولاية والخلافة عن النبيّ إلاّ على ضوء الحكومات العامة من وزير إلى رئيس وزراء إلى رئيس جمهورية وغير ذلك، فالإمام والخليفة عندهم كهؤلاء، ومن المعلوم أنّهم لا يوصفون بالعصمة ولا بالاطلاع على الغيب ولا بشيء غير ذلك.
السؤال 74
كيف يُدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله)في بيت عائشة ، وأنتم تتّهمونها بالكفر والنفاق ؟ أليس هذا دليلاً على حبّها ورضاه عنها ؟
الجواب :المشكلة كلها متركزة في أنّ جامع الأسئلة يفتقد الاطّلاع على التاريخ ، حيث إنّ المؤرِّخين قالوا: إنّ أوّل اختلاف وقع بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان حول مكان دفنه(صلى الله عليه وآله).
وأبو بكر الذي كان يسكن في منطقة تُدعى «سُنح» جاء وحلَّ هذا الخلاف بقوله : إنّني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول : «يُدفن الأنبياء في المكان الذي ماتوا فيه» . ولذلك يجب دفنه في بيت عائشة .
إذن : فلا علاقة لمكان دفنه(صلى الله عليه وآله)بحبّه لعائشة ورضاه عنها، ولو أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مات في غير بيتها لدفن فيه أيضاً، وهكذا.
السؤال 75
كيف يُدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله)بين أبي بكر وعمر ، وأنتم تقولون عنهما أنّهما كافران ؟ أليس دفنهما معه علامة مكانتهما ومنزلتهما ؟
الجواب :أوّلاً: أنّ الوهابية تعتقد أنّ الإنسان إذا مات لا ينتفع بعمل الغير، فلو صحّ ذلك فالشيخان لا ينتفعان بدفنهما جنب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وثانياً: أنّ الحجرة التي دُفن فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)تعود لعائشة بنت أبي بكر ، ولذلك سمحت بدفن أبيها فيها ، كما سمحت لعمر عندما كان مجروحاً وأرسل إليها يطلب منها أن يُدفن في حجرتها أيضاً ، إذن : فإنّ دفن أبي بكر وعمر في الحجرة كان نتيجة إجازة المرأة التي كانت تملك تلك الحجرة في الظاهر . فأجازت دفن أبيها وزميله، ولا علاقة للدفن فيها بالمكانة والمنزلة بعدما كان الأمر بيد بنت أحدهما.
أمّا بالنسبة إلى الشق الثاني من السؤال أعني عدم معارضة الإمام علي(عليه السلام)هذا الأمر، فسكوته(عليه السلام)لا يكشف عن رضاه أوّلاً، وثانياً من المعروف أنّ الدعاية الحكومية وقوّة السلطة صنعت للرجلين منزلة ومقاماً ليس من السهل على الإمام التصدي لها وإزالتها، ولذلك نراه سكت عن المطالبة بحقّه من أجل الحفاظ على مصالح المسلمين.
وممّا يؤسف له أنّ هذه المرأة قد أجازت دفن أبيها وصاحبه في
حجرتها، ولكنّها لم تجز دفن ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الحسن بن عليّ(عليهما السلام)، ولذلك دُفن(عليه السلام)في البقيع بعيداً عن جدّه(صلى الله عليه وآله).
السؤال 76
يدّعي الشيعة أنّ النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام)واستحقاقه الخلافة ثابت في القرآن ، ولكن الصحابة كتموه .
وهذه دعوى باطلة ; لأنّنا وجدنا الصحابة لم يكتموا الأحاديث التي يستشهد بها الشيعة على إمامة عليّ(عليه السلام)مثل حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» وغيره من الأحاديث المشابهة ، فلماذا لم يكتموها أيضاً ؟
الجواب :إنّ ظاهر قوله: «ولكن الصحابة كتموه» يحتمل وجهين:
الأوّل: أنّ الضمير يرجع إلى النص القرآني، وهذا افتراء لم يقل به أحد من الشيعة.
الثاني: تفسير النص القرآني، والتصرف في أسباب النزول، وهذا أمر غير منكر. فإنّ آية التطهير نزلت بحق رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، بينما نرى أنّ عكرمة يدعي نزولها في زوجات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وينادي بأنّه مستعد للمباهلة في ذلك.[1]
حتّى أنّ حديث المنزلة بحق علي الّذي ذكره السائل قد حرّفه بعض
[1]تفسير ابن كثير: 3 / 491، في تفسير الآية 33 من سورة الأحزاب .