وإذا صحّ استدلالكم بالآيات الّتي تمدح الصحابة فيجب عليكم دراسة الآيات الّتي تذكر الأعمال السيئة لبعضهم ويكفي في ذلك ما ورد من الآيات في سورة التوبة، والآية 11 من سوره الجمعة، والسادسة من سورة الحجرات، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدل على أنّ الصحابة لم يكونوا على خط واحد.
السؤال 93
إذا كان الصحابة قد ارتدّوا بعد موت النبيّ(صلى الله عليه وآله)، كما تزعمون ، فكيف قاتلوا المرتدّين من أصحاب مسيلمة وطليحة بن خويلد وأصحاب الأسود العنسي وأصحاب سجاح وغيرهم وأرجعوهم إلى الإسلام ؟
الجواب :هذا سؤال مكرّر جاء بصُورَ مختلفة في هذا الكتاب ، ونحن بدورنا أجبنا عنه والغاية من التكرار تشويش الأذهان .
السؤال 94
السنن الكونيّة والشرعيّة تشهد بأنّ أصحاب الأنبياء هم أفضل أهل دينهم ، فإنّه لو سئل أهل كلّ دين عن خير أهل ملّتهم لقالوا أصحاب الرسل ، فلو سُئِلَ أهل التوراة عن خير ملّتهم لقالوا أصحاب موسى ، ولو سُئل أهل الإنجيل عن خير أهل ملّتهم لقالوا أصحاب عيسى ، وكذلك سائر الأنبياء . فلماذا عندما يتعلّق الأمر بأصحاب نبيّنا(صلى الله عليه وآله)تقولون إنّهم كفّار ؟
الجواب :اعتاد جامع الأسئلة على التكرار المملّ في طرح أكاذيبه التي لا تنتهي ، ويحاول إلباسها بلباس الإشكال ، وممّا يزيد في صعوبة موقفه انعدام المصدر الذي ينقل عنه ، فراح يعوّض عنه بالكذب .
فالادّعاء سهل ، ولكن إقامة الدليل أمرٌ صعب .
يقول : لو سئل أهل التوراة عن خير ملّتهم لقالوا أصحاب موسى ، وهذا كلامٌ عجيب ، حيث إنّه يسأل أهل التوراة ويحتج به علينا، ولكنّه لم يسأل القرآن ماذا يقول في أصحاب موسى(عليه السلام)؟ ألم يرتدّوا في غياب موسى ؟ ألم يعبدوا العِجل بدلاً عن عبادة الله تعالى ؟!
لقد اصطحب موسى(عليه السلام)معه أفضل بني إسرائيل للميقات ، ولكن بسبب كثرة عنادهم ولجاجهم سمّاهم بالسفهاء وقال :(أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ )
السُّفَهَاءُ مِنَّا)[1]، والقرآن قال في شأن الطبقة الأُولى من أصحاب موسى(عليه السلام):(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)[2].
والعجيب هنا أنّ نفس هذه الطبقة الأُولى من أصحاب موسى(عليه السلام)تتعرّض للتوبيخ من قِبل الله تعالى:(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)[3].
ويقول : لو سُئِل أهل الإنجيل عن خير أهل ملّتهم لقالوا أصحاب عيسى(عليه السلام)، والعجيب أنّ أصحاب الإنجيل ، يقرأون في الإنجيل أنّ واحداً من حواريّي عيسى(عليه السلام)واسمه (يهودا الاسخريوطي) هو الذي أخبر عن مكان عيسى ممّا جعل أعداءه يُلقون القبض عليه ويتآمرون على قتله .
أضف إلى ذلك فإن منطق القرآن يخالف ما ذكره جامع الأسئلة فهو يبشر ببروز شخصيات لامعة ـ بمرور الزمان ـ أفضل من الملتفين حول رسول الله، قال سبحانه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[4].
ونحن نطلب من جامع الأسئلة أن يقرأ ما ورد في تفاسير أهل السنّة حول هذه الآية المباركة ، حتّى يتبيّن له أنّ المتأخّرين من المسلمين أفضل
[1]الأعراف : 155 .[2]البقرة : 93 .[3]البقرة : 92 .[4]المائدة : 54 .
من المجموعة الأُولى من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله).
وسيرى أنّ الآية المباركة تصرّح باحتمال ارتداد فريق من المؤمنين ، وهناك آيات أُخرى أيضاً تشهد على حصول الارتداد في صفوفهم ، قال تعالى :(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)[1].
هذا بالنسبة إلى الشق الأوّل من السؤال، وأمّا الشق الثاني منه فهو افتراء واضح لأنّ الشيعة تجل أصحاب النبي وتعتبرهمّ روّاد الدين الإسلامي وهي تتبع في ذلك منهج الأئمة(عليهم السلام)ويكفيك أن تراجع دعاء الإمام السجاد(عليه السلام)وغيره في هذا الصدد.
السؤال 95
لقد وجدنا النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يعمل بالتقيّة في مواقف عصيبة ، والشيعة تدّعي أنّ هذه التقيّة تسعة أعشار الدِّين ، وأنّ أئمّتهم استعملوها كثيراً ، فما بالهم لم يكونوا كجدّهم(صلى الله عليه وآله)؟
الجواب :التقيّة اشتقّت من «وقى يقي» أي بمعنى الوقاية في مقابل العدوّ . والعقل حاكمٌ بذلك ، حيث إنّه من أجل الوصول إلى المقاصد يجب الاستفادة من الوسائل المتاحة. فإذا كان هذا هو معنى التقيّة فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)
[1]آل عمران : 144 .
قد عمل بها في السنوات الثلاث الأُولى من دعوته ، يعني أنّه كان يُبلّغ خُفْية لا علناً حتّى نزل قوله تعالى :(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)[1].
هذا ما يرجع إلى قوله حول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا ما يرجع لغيره فلا شك أنّ التقية سلاح العاجز، فالمسلم المؤمن إذا عاش في بيئة صودرت فيها حرياته، فهو إن أعلن عقيدته أو عمل على وفقها لأخذ وحبس وربّما قتل، فليس له بد من العمل بالتقية ومجاراة الحكم السائد.
وقد اتفق على ذلك أئمة الفقه كالشافعي وغيره، ولسنا بصدد ذكر كلامهم.
فلو كانت التقية أمراً غير صحيح ويُعدّ عيباً أو نقصاً على المتقي، فالذي يتولى كبره هو من ألجأه إلى التقية، فلو كانت البيئة الإسلامية تتمتع بالحرية، وتُحترم فيها أموال ونفوس، وأعراض أتباع كافة الفرق والمذاهب، فلا تجد على وجه الأرض من يتقي في عقيدته وعمله.
وبعد أن ثبتت مشروعية التقية، تبقى قضية الإكثار منها وعدمه تابعة للظروف التي تحيط بالمتقي، وهذا لا يُعد نقصاً أو نقضاً لسنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كما يحاول أن يصور جامع الأسئلة ذلك.
[1]الحجر : 94 و 95 .
السؤال 96
لقد وجدنا عليّاً(عليه السلام)لم يكفِّر خصومه ، حتّى الخوارج الذين حاربوه ، وآذوه وكفّروه ، فما بال الشيعة لا يقتدون به ؟ وهم الذين يكفّرون خيرة أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله)بل وزوجاته أُمّهات المؤمنين ؟
الجواب :هذا السؤال مكرّر أيضاً والشيعة لا يكفرون أحداً على الإطلاق وإنّما يعرضون أعماله على المحك ، إذ أنّ عمل كل شخص أفضل دليل على ماهيته ودينه.
وإذا كان التكفير أمراً قبيحاً ومنبوذاً فأنتم الوهابيّون أبطال العالم في التكفير ، فهذا إمامكم ومقتداكم محمّد بن عبد الوهاب في كتاب «كشف الشبهات» يكفِّر جميع المسلمين ما عدا أتباعه ، ومهما حاولتم جاهدين إخفاء هذا الأمر فإنّ عمله يبقى خير شاهد على رأيه في عموم المسلمين . فهو على مدى حياته كان في حرب دائمة مع مسلمي نجد واليمن والحجاز وأغار عليهم باعتقاده أنّهم كفّار وعبّاد أصنام ، واليوم أيضاً فإنّ أتباع هذا الرجل يحملون في عقولهم وأيديهم آلة التكفير ويشهرونها في وجوه الأبرياء ، ممن يقولون لا إله إلاّ الله ، وأنَّ الله ربّنا ومحمّداً رسولنا والكعبة قبلتنا والقرآن كتابنا ، ويقتلونهم بواسطة أشخاص خدعوهم باسم العمليّات الاستشهاديّة والشهادة براءٌ منهم في قتلهم للمسلمين .
ولكنّهم بالنسبة للكفّار الحقيقيّين (كالصهاينة) فتراهم لا يحرّكون ساكناً!!
السؤال 97
الإجماع عند الشيعة ليس حجّة بذاته ، بل بسبب وجود المعصوم ، وهذا فضول من القول ، لأنّه لا داعي للإجماع إذن ؟
الجواب :حجّية الإجماع في حال ظهور الإمام المعصوم لها ملاك ، وفي زمان الغيبة لها ملاكٌ آخر .
أمّا في زمان حضور المعصوم فلو اتفق علماء المدينة على حكم وكان للإمام الحرية التامّة لابداء رأيه ومع ذلك اتفق الكل ولم ينقل الخلاف عن أحد، نستكشف دخوله بين المجمعين واتفاقه معهم، ففي هذه الصورة يكون ملاك حجية الإجماع دخول الإمام، وبّما أنّ الإمام لا يعرف بشخصه نستكشف من الإجماع قوله ورأيه. فيكون اتفاق عامة علماء المدينة المنورة على حكم شرعي دليلاً على كونه لديه أيضاً كذلك.
ففي هذه الحالة يكون الإجماع مفيداً جدّاً لأنّه وسيلة لمعرفة رأي المعصوم .
أمّا حجّية الإجماع في عصر الغيبة فلها ملاك آخر مذكور في كتب الأُصول .
تصوّر جامع الأسئلة أنّ الإمام مشخص في ضمن المُجمعين وظاهر ، فقال إنّ وجوده في ضمن المجمعين يغني عن الإجماع والاتّفاق ، والحال أنّ المسألة على خلاف ما توهّم . وهذه القضية من القضايا التي مجالها كتب أُصول الفقه وقد بحثها العلماء بصورة مفصلة لا مجال هنا لذكر جميع الآراء فيها.
السؤال 98
إن الشيعة يكفّرون الزيديّة ، مع أنّ الزيديّة يوالون أهل البيت(عليهم السلام)؟
الجواب :هذه واحدة من التهم التي يفتريها جامع الأسئلة بدون دليل ، وسينال جزاءه من الله تعالى على أنّه شخصٌ «مُفتر» .
إنّ الشيعة يحترمون إمام الزيديّة «زيد بن عليّ» احتراماً خاصّاً ، فعندما استُشهد زيد ووصل خبره إلى الإمام الصادق(عليه السلام)جرى الدمع من عينيه ، وأمر بمساعدة عائلة زيد وعوائل الشهداء الذين استشهدوا في تلك الثورة ، وبعث إليهم بالأموال . والمستثنى من الزيديّة هم فريق معدود وغير موجود باسم «البترية» .
يقول الشيخ المفيد في أوائل المقالات : لا تليق تسمية «الشيعة» إلاّ بفريقين ; هما الإماميّة والزيديّة[1].
[1]أوائل المقالات: 37 .