السؤال 105
من يتأمّل الشيعة يجد كثرة الانقسامات في مذهبهم ، وكثرة تنازعهم وتكفير بعضهم بعضاً في وقت متقارب ، ومثالهم فرق البابية والبهائية الكافرتين ، وغيرهما ؟
الجواب :التشيّع عبارة عن نفس الإسلام الّذي جاء به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن طرق الوحي وبيّنه للناس ولكن بطابَع خاص وهو أنّ القيادة بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تكون بيد عترته الطاهرة.
وإذا كان هناك شخص أو فريق أو تيّار ينكر خاتميّة النبوّة أو يدّعي النبوّة أو ينكر شيئاً من ضروريّات الإسلام فهو لا شيعي ولا مسلم.
والفِرُقُ التي أشار إليها مثل البابية والبهائية ، هي فرق خارجة عن ربقة الإسلام وهي في نظر الشيعة أحزاب ، وليسوا أصحاب دين وهم جميعاً صنائع الاستعمار .
وإذا قبلنا هذا الوصف عن الشيعة ، فيجب أن نقول: إنّ أهل السنّة أيضاً قد انقسموا إلى فرق ومذاهب شتّى ، وكلّ فريق يكفِّر الفريق الآخر ، فالوهابيّة أعداء للأشاعرة الذين يشكّلون غالبيّة أهل السنّة ، والأشاعرة يعتقدون أنّ المعتزلة ليسوا من أهل السنّة وهلمَّ جرّا . ويكفي أنّهم انقسموا إلى أربعة مذاهب في فترة لا تتجاوز عدة عقود من الزمن .
وأخيراً نذكّر أنّ القاديانية مثل البهائية في إنكار الخاتمية وادّعاء النبوّة وبذلك خرجا عن ملّة الإسلام .
السؤال 106
لقد وجدنا أهل الفتنة البُغاة لمّا حاصروا دار عثمان بن عفّان دافع عنه عليّ(عليه السلام)وطرد الناس عنه ، وأنفذ إليه ولديه الحسن والحسين وابن أخيه عبدالله بن جعفر ، وهذا يدلّ على بطلان القول بوجود العداوة والتباغض بين عليٍّ(عليه السلام)وعثمان ؟
الجواب :الأشخاص الذين حاصروا دار عثمان كانوا من الصحابة والتابعين ، ولا يمكن القول بأنّهم كانوا بغاة بعيدون عن الإسلام ، وكانت بينهم وبين عثمان مشاكل ونزاعات تنبعث منها رائحة الدم . وأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)تفادياً لإراقة الدماء وإصلاحاً لذات البين ، عمد إلى التمهيدات اللاّزمة لذلك ، وهذه علامة على الروح العالية التي كان يتمتّع بها الإمام من أجل حفظ الوحدة بين المسلمين ، فأرسل أولاده للحيلولة دون إراقة الدِّماء .
فما قام به الإمام عليّ(عليه السلام)كان من أجل حفظ مقام الخلافة العالي والمقدّس ، فلا يجب أن يُخدش وتصير الخلافة محلاًّ للتلاعبات ، ولكن للأسف لم يستمع عثمان لنصائح الإمام ، وحدث ما حدث .
السؤال 107
لقد كان عمر باتّفاق السنّة والشيعة يشاور عليّاً(عليه السلام)في أُمور كثيرة ، ولو كان ظالماً لما شاور أهل الحقّ ، لأنّ الظالم لا يطلب الحقّ ؟
الجواب :كان أمير المؤمنين عليٌ(عليه السلام)باتّفاق الأُمّة أعلم مَنْ في الأُمّة قاطبةً ، وأكثر الأشخاص اطّلاعاً على أُصول وفروع الإسلام ، وأمّا من جهة السياسة والتدبير فكان محط أنظار الخاصة والعامّة. ولمّا استشاره عمر حول خروجه من المدينة لحرب الكفّار ، كان من واجب الإمام(عليه السلام)أن يخلص له النصيحة ويرشده إلى الصواب ، وهذه فضيلة معروفة للإمام(عليه السلام). ولكن الاستشارة لا تكون دليلاً على حسن العلاقة بين عليّ(عليه السلام)وعمر ،فإن مصالح الإسلام العُليا عند عليّ(عليه السلام)هي أولى ومقدّمة على كلّ شيء .
إذن : هذا النوع من التعاون والتناصحّ ليس له علاقة بما استفاده جامع الأسئلة . بل تكشف عن عظم شخصية الإمام علي(عليه السلام)ممّا يدل على أحقية الشيعة في تقديمه على غيره من الناس والتمسّك به كإمام مفترض الطاعة.
السؤال 108
ثبت بالاتّفاق أنّ سلمان الفارسي(رضي الله عنه)قد تأمّر على المدائن زمن خلافة عمر ، وأنّ عمّار بن ياسر(رضي الله عنه)قد تأمّر على الكوفة ، وهما ممّن يقول الشيعة أنّهما كانا من أنصار عليّ(عليه السلام)وشيعته ، فكيف يعملون بهذه الوظائف في خلافة عمر ؟ أليس هذا نوعاً من التعاون مع الظَّلَمة والمرتدّين ؟
الجواب :إنّ تعاون هذين الصحابيّين الجليلين وغيرهما مع جهاز الخلافة حينئذاك، نابع من أصل أشار إليه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)في إحدى رسائله وهو قوله: ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)عن أهل بيته، إلى أن قال: حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ .[1]وفي هذه الظروف الحسّاسة لا يمكن لعليّ(عليه السلام)وأصحابه صرف النظر عن جوهر الإسلام وأصله ، في بذل أقصى جهدهم للمحافظة عليه ، فانبرى هذا الفريق الذي هو أطهر أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)ومورد مدحه الكبير وثنائه العظيم ، مدافعاً عن أصل الإسلام ، فقبل البعض منهم تلك المناصب حتّى وإن كانت الخلافة غير شرعية في نظرهم ،
[1]نهج البلاغة، الكتاب رقم 62 .
للتقليل من الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عملاً بوظيفتهم الشرعيّة ، ومنطق العقل والشرع يوجبان هذا النوع من التعاون ، وكأنّ هؤلاء الأصحاب يحدّثون أنفسهم قائلين : الآن وبعدما عزل القائد العظيم الذي نصّبه الله وارتضاه هو ورسوله وبالتالي عدم تحقّق الوضع المثالي الإسلامي ، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من تقديم خدمة للإسلام بطرق وأساليب شتّى .
بقي التذكير أنّ هذا النوع من التعاون لا يثبت ما ذهب إليه جامع الأسئلة ولا يحقّق غرضه ، وكلّ ما هناك أنّه تعاون شبيه بتعاون يوسف(عليه السلام)مع المصريّين القدامى .
السؤال 109
ذكر جامع الأسئلة تحت هذا الرقم سؤالاً يرجع إلى أمرين:
الأوّل: ان أقصى هدف لوجود الإمام هو رفع الاختلاف ومع القول بوجود الإمام الحي بين الشيعة فكيف يسوغ الاختلاف .
الثاني: قد ذكروا أن ثلاثين رجلاً من علماء الشيعة اتصلوا بالإمام.
ذكر المجلسي أنّ الإمام الغائب لا يُرى، ومن ادّعى أنّه رأى الإمام المهدي فقد كذب، فكيف يجتمع هذا مع رؤية ثلاثين عالماً له(عليه السلام).
الجواب :أمّا عن الأمر الأوّل فهو مبني على أنّ وجود الحجة الإلهية
قالع للخلاف من رأس، ولكنّه ليس صحيحاً وإنّما هو يقلل الاختلاف ولا يقلعه، والشاهد على ذلك أنّ المسيح عيسى بن مريم(عليه السلام)بعث إلى بني إسرائيل، وكانت إحدى وظائفه رفع الاختلاف بينهم، قال تعالى :(قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلاُِبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)[1].
فأمّا أُولئك الذين كانوا يعشقون الحقّ والحقيقة فقد اتّبعوا عيسى(عليه السلام)، وقبِلوا الحقّ ، وأمّا أُولئك الذين يتّبعون أهواءهم ، فقد احتضنتهم الاختلافات واتّبعوا طرق الضلال .
إذن : وجود الحجّة من قبل الله تعالى (سواء كان نبيّاً أو إماماً) لا يلازم رفع الاختلاف .
ويشهد على ذلك قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمانٌ لأُمّتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».[2]
ومع وجود الحجة نرى أنّ النبي يخبر عن الاختلاف وهذا من أوضح الأدّلة على أنّ وجود الحجة الإلهية لا يلازم رفع الاختلاف من رأس، وإنّما يخفف منه، فمن صلحت سيرته تبع الحجة، وأمّا من خبثت فيسلك سبيلاً منحرفاً.
هذا كله حول الضابطة الكلية، وأمّا وجود الاختلاف ـ رغم القول
[1]الزخرف : 63 .[2]مستدرك الحاكم : 9 / 448، وج 3 / 149 و 457 ; ذخائر العقبى : 17 .
بوجود الأئمة المعصومين بعد رحيل الرسول عصراً بعد عصر ـ فالجواب عنه:
أوّلاً: انّ وظيفة الإمام هو بيان الأُصول الّتي تناط بها الحياة الأُخروية، وأمّا الاختلاف في المسائل الكلامية المتداولة بين المتكلمين فليس رفع الاختلاف فيها من وظائفه، ولو سئُل الإمام عنها ربّما يقوم ببيان الحق فيها تفضّلاً لا إيجاباً.
فالروايات الواردة في الكافي وتوحيد الصدوق حول الأُصول والعقائد كافية لرفع الاختلاف في المسائل العقائدية الأصلية، ونحن نحمد الله سبحانه أنّ الشيعة متفقة في هذه الأُصول بفضل هذه الروايات .
وأمّا الاختلاف في المسائل العقلية كتجزّؤ الجزء في الجسم الطبيعي وإمكانه وعدم إمكانه، أو الطفرة وعدمها، فهذا لا صلة له بمقام الإمامة.
وأمّا الأحكام فالاختلاف فيها أمر طبيعي، لأنّ أئمة أهل البيت كانوا في المدينة أو مضيقاً عليهم في العراق ومرو، ولم يكن بإمكان الفقهاء الاتصال دوماً بهم(عليهم السلام)، ولذا لجأوا إلى الاجتهاد طبقاً لما عندهم من روايات، فصار الاختلاف أمراً طبيعياً، كما هو الحال عند السنة بالنسبة لما عندهم عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إنّ المتلقّين عن الإمام يختلفون في قابلياتهم وملكاتهم الفكرية والعلمية.. ومن ثم يختلفون في فهمهم لما يُلقى إليهم.. وبذلك تتعدد آراؤهم في المسائل والأحكام .
وأمّا ما يرجع إلى الإمام المهدي(عليه السلام)، وقوله إنّه مع وجوده(عليه السلام)، ظلّ الاختلاف قائماً ، فالجواب عنه بوجهين:
أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ (30) عالماً تشرّفوا بلقائه، أمر غير ثابت، ولم يذكر له مصدراً، ولو نقله شخص، فهو خبر واحد لا يُعتمد عليه في مجال العقائد.
وثانياً: أنّ لقاء الأماثل من الشيعة لإمام عصرهم، قد يتفق في فترات قصيرة، لا يترقب منه رفع الاختلاف في المسائل الشرعية، الّتي لا تتناهى عدداً.
أضف إلى ذلك: أنّ الشريعة إنّما صارت حيةً في ظل البحث والنقاش، والحقيقة بنت البحث، فلو كان الغرض من وجود الإمام هو إظهار الحقائق في كل مسألة فرعية جزئية، فمعنى ذلك إقفال باب البحث والاجتهاد، الّذي هو رمز حيوية الشريعة وبقائها، والشاهد على ذلك أنّ الاختلاف كان سائداً في حياة الأئمة السابقين، كما تقدّم.
السؤال 110
يقال للشيعة : أنتم تقولون بأنّه لا يصحّ خلوّ الزمان من قائم لله بالحجّة وهو الإمام ، فإذا كانت التقيّة تسعة أعشار الدِّين وهي سائغة للإمام ، فكيف تتمّ الحجّة به على الخلق ؟
الجواب :تصوّر جامع الأسئلة ـ لضآلة علمه ـ أنّ أئمّة الشيعة يعملون