من حيث يطلع قرن الشيطان».[1]
ورواه أحمد في مسنده عن ابن عمر قال: خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من بيت عائشة فقال رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع الشيطان .[2]
مع وجود هكذا روايات في صحاحكم كيف لا تتّهمون أنفسكم ولا مؤلِّفي هذه الصحاح بهتك حرمة زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله)ثمّ تحاولون إلصاق ذلك بالشيعة ؟!
أمّا في الصفحات اللاّحقة فإنّنا سنُجيب ـ بعون الله ـ عن جميع أسئلة هؤلاء الوهابيّين رغم كونها تكراراً مملاً، مذكِّرين ومؤكّدين أنّ هذه الأسئلة لم تكن سبباً في عدم تزلزل عقائد شباب الشيعة فحسب ، بل زادتهم تمسكاً بعقيدتهم.
قال تعالى :(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[3].
ونحن نلفت نظر القارئ العزيز أخيراً بأنّا لم نأت بنص الأسئلة المذكورة، بل قمنا بتلخيصها واختصارها ثم أجبنا عنها، لكي لا يطول المقام.
نسأل الله التوفيق والهداية والحمد لله رب العالمين.
[1]صحيح البخاري: 4 / 46، باب ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ، الحديث : 4 و 31 .[2]مسند أحمد: 2 / 23 .[3]الأنفال : 30 .
السؤال 1
يقول جامع الأسئلة إنّه قام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بتزويج ابنته أُمّ كلثوم من عمر بن الخطّاب ، وهذا دليل على حسن العلاقة بينهما .[1]
الجواب :زواج أُمّ كلثوم من عمر بن الخطّاب مسألة تاريخيّة مُختلَفٌ فيها بحيث لا يمكن الاعتماد عليها إطلاقاً . والدليل على ذلك نقل هذه الحادثة بأشكال متناقضة ومتضاربة ، الأمر الذي يجعلنا لا نعتمد على صحّة وجودها ، ومن جملة ذلك :
1 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام)هو من قام بالعقد لعمر على أُمّ كلثوم .
2 ـ أنّ العقد كان بواسطة العبّاس عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله).
3 ـ أنّ هذا الزواج تمّ تحت التهديد (تهديد عمر) .
4 ـ أنّه تمَّ بإقامة الزفاف ، وأنّ عمر كان له ولد من أُمّ كلثوم باسم زيد .
5 ـ أنّ الخليفة عمر قد قُتل قبل مراسم الزفاف .
6 ـ أنّ زيداً أيضاً كان له ولد .
7 ـ أنّ زيداً قتل مع أُمّه في يوم واحد .
[1]هذا السؤال رُقّم خطأ في كتاب الخراشي برقم 2، ونحن هنا أعطيناه رقم 1، وهكذا بقية الأرقام فلاحظ .
8 ـ أنّ أُمّه كانت موجودة بعد وفاته .
9 ـ أنّه قُتل ولم يكن له وارث يرثه .
10 ـ أنّ مهرها كان أربعين ألف درهم .
11 ـ أنّ مهرها كان أربعة آلاف درهم .
12 ـ أنّ مهرها كان خمسمائة درهم .
هذه الاختلافات في النقل تبعث الشكّ في ذهن المرء ، ممّا يجعل صحّة وقوع هذا الزواج مورداً للتساؤل[1].
ثمّ إنّه على فرض حصول هذا الزواج ، فهو لم يقع عن طيب نفس وقبول ورضى ورغبة ، وذلك بملاحظة الأُمور التالية :
1 ـ العلاقة التي تربط بين بيت النبوّة وبيت الخلافة ، كانت علاقة متوتّرة متكدّرة ، وأنّ الهجوم الذي تمَّ على بيت الوحي من قبل الخليفة الثاني وأتباعه ، وهتك حرمة كريمة النبيّ وقرّة عينه ـ فاطمة الزهراء(عليها السلام)ـ لا يمكن إنكاره ، والوثائق التاريخيّة المعتبرة شاهدة على ذلك.[2]
[1]راجع: «الذريّة الطاهرة» لابن بشر الدولابي (224 ـ 310 هـ): 157 و 162، والذي ذكر هذه الاختلافات .[2]الهجوم على بيت الوحي وهتك حرمة بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله)ذُكر في أهمّ كتب السنّة أمثال «المصنّف» لابن أبي شيبة (استاذ البخاري) (المتوفّى سنة 235 هـ ): 8 / 490 ، رقم 4549 ، وأنساب الأشراف تأليف البلاذري: 1 / 586 طبع دار المعارف ، القاهرة ، وكتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة (213 ـ 276 هـ): 1 / 12 و 13، طبع المكتبة التجارية الكبرى بمصر ، وكتاب تاريخ الطبري: 2 / 443 ، والاستيعاب: 3 / 972 وغيرها . . .
2 ـ أنّ عمر بن الخطّاب كان رجلاً خشناً وفظّاً ، بحيث إنّ اختيار الخليفة الأوّل لخلافته قد أثار اعتراض فريق من الصحابة على ذلك، كما جاء في كنز العمال عن زيد بن الحارث أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا فظاً غليظاً، لو قد ولينا كان أفظّ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته، وقد استخلفت علينا عمر .[1]
3 ـ نقل الطبري أنّ عمر خطب أُمّ كلثوم بنت أبي بكر ، وهي صغيرة ، وأرسل فيها إلى عائشة ، فقالت الأمر إليك ، فقالت أُمّ كلثوم : ولا حاجة لي فيه ، فقالت لها عائشة : ترغبين عن أمير المؤمنين ؟ قالت : نعم ، إنّه خشن العيش شديد على النساء ، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته فقال : أكفيك . فأتى عمر فقال : يا أمير المؤمنين بلغني خبر أعيذُك بالله منه، قال : وما هو ؟ قال : خطبت أُمّ كلثوم بنت أبي بكر ؟ قال : نعم ، أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عنّي ؟ قال : لا واحدة ، ولكنّها حدثة نشأت تحت كنف أُمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة ونحن نهابك وما نقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك ، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها ، كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك . . .»[2].
4. لو كان الزواج دليلاً على حسن العلاقات بين الأشخاص والعائلات ودليلاً على وجود الانسجام الفكري والعقائدي ، لقلنا إنّ هناك تقارباً بين رسول الله(صلى الله عليه وآله)وبين أبي سفيان بسبب زواج النبيّ من أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان
[1]كنز العمال: 5 / 677، برقم 14178 .[2]تاريخ الطبري : 3 / 270، مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت .
وهو الذي خاض حروباً دمويّة ضد الإسلام كأُحد والأحزاب واللّتين لعب فيهما دوراً بارزاً وأساسيّاً .
وكذلك فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)كان قد تزوّج صفيّة بنت حيي بن أخطب ، فهل هذا الزواج يدلّ على التقارب الفكري والعقائدي ؟!
بقي القول إنّ أعلام الشيعة قد كتبوا رسائل متعدّدة حول هذه المسألة التاريخيّة ـ زواج عمر من اُمّ كلثوم ـ ومن أراد مزيداً من الاطلاع فليرجع إلى مقال «نظرة على كتاب حقيقة وليس افتراء».[1]
السؤال 2
إنّ عليّاً(عليه السلام)بايع كلاًّ من أبي بكر وعمر ، أليس ذلك دليلاً على أحقّيتهما في الخلافة ؟
الجواب :في نظر الشيعة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)لم يبايع أحداً قط ; وذلك لأنّه هو الخليفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى ، وكلّ ما في الأمر أنّه عندما رأى أنّ زمام الأمر آلَ إلى غيره ، قام بتشخيص وظيفته الشرعيّة ، المتمثِّلة في الإرشاد والهداية ، ولهذا نجده يقول في كلام له : «فأمسكتُ يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد(صلى الله عليه وآله)فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم . . .».[2]
[1]نشر هذا المقال في: رسائل ومقالات : 6 / 361 ـ 381 .[2]نهج البلاغة ، الكتاب رقم 62 .
إنّ الإمام علياً(عليه السلام)وفي الموارد اللاّزمة والضروريّة كشف الستار عن الحقيقة ، ودافع عن حقّه المغتصب.
وأمّا ما يرويه أهل السنة من أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)قد بايع بعد وفاة فاطمة الزهراء(عليها السلام)وأنّ فاطمة لم تبايع أبا بكر ولم تكلّمه وماتت غاضبة عليه، ولو صحّ ما ذكر، وأن علياً بايع الخليفة بعد وفاة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فهذا يولد إشكالاً آخر وهو أنّ جميع المحدّثين والعلماء اتّفقوا على رأي واحد مفاده أنّ فاطمة لم تبايع إلى آخر يوم من حياتها ، وأنّها أعرضت عن الخليفة بوجهها .
وممّا جاء في صحيح البخاري : « . . . فوجدَتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت وعاشت بعد النبيّ ستّة أشهر».[1]
وهنا سؤال يطرح نفسه : لماذا لم تُبايع بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)أبا بكر ؟ وهي أفضل نساء العالمين طبقاً لرواية البخاري ، وهي معصومة حسب آية التطهير، وغيرها، وسيكون كلّ المعصومين من نسلها .
وإذا كانت خلافة أبي بكر خلافة مشروعة حقيقةً ، فلماذا كانت بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)غاضبة عليه ؟ ومع مزيد من التوضيح نقول : إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)يذكر لنا حديثاً يستحيل لابنته المعصومة مخالفته وهو قوله : «من مات ولم يكن في عنقه بيعة لإمام فقد مات ميتةً جاهليّة».[2]
[1]صحيح البخاري : 5 / 82 ـ 84، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.[2]صحيح مسلم: 6 / 22، باب حكم من فرّق أمر المسلمين ; سنن البيهقي : 8 / 156 .
وهنا يجب أن نختار أحد أمرين :
1 ـ إمّا أنّ بنت النبيّ لم تبايع أبا بكر مع كونه هو الخليفة الواقعي ، ممّا يعني أنّها كانت مشغولة الذمّة بالبيعة لإمام زمانها ، وبالتالي يكون موتها ـ والعياذ بالله ـ هو عبارة عن ميتة جاهليّة .
2 ـ وإمّا أن نقول : إنّ أبا بكر الذي قدَّم نفسه على أنّه هو إمام زمانه لم يكن هو الإمام الواقعي والحقيقي ، ممّا جعل بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله)تمتنع عن مبايعته ، وهي التي طهّرها الله من كلّ رجس ، ووصفها رسوله(صلى الله عليه وآله)بقوله : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة.[1]
وكذلك قوله(صلى الله عليه وآله): «يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»[2].
وبما أنّها طاهرة مطهّرة يستحيل أن تخالف ما أمر به رسول الله(صلى الله عليه وآله)ممّا يجعلنا نستنتج :
إنّ الشخص الذي امتنعت عن بيعته لم يكن هو الإمام الحقيقي ، وبما أنّ الزهراء(عليها السلام)لا تموت بدون بيعة لإمام زمانها ، فهي حتماً وقطعاً بايعت الإمام الحقيقي ، الذي لم يكن إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وأخيراً تجب الإشارة إلى أنّه على فرض صحّة قول البخاري ، أنّ عليّاً بايع بعد ستّة أشهر ، فهو بنفسه ينقل أنّ هذا الانتخاب لم يكن صحيحاً في
[1]صحيح البخاري : 4 / 209، باب مناقب قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله).[2]مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 203 ; المعجم الكبير للطبراني: 1 / 108 .
نظر الإمام، إذ لو كان صحيحاً لما توانى الإمام(عليه السلام)عن تأييده وبيعته.
عجباً! كيف يغض الطرف عن كلّ المستندات التاريخيّة الّتي تذكر مظلوميّة الزهراء وزوجها(عليهما السلام)، والجور الذي وقع عليهما في غصب إرثها وغصب حقّ عليّ في الخلافة ، ثمّ يتحدّث عن بيعة حصلت بعد ستّة أشهر ، محاولاً بذلك التعتيم على الحوادث المرّة التي حدثت بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).[1]
السؤال 3
كيف يُسمّي عليّ(عليه السلام)أبناءه بأسماء الخلفاء ، وأنتم تقولون إنّهم كانوا أعداءً له ؟
الجواب :يلزم معرفة أنّ أسماء الخلفاء الثلاثة ليست أسماء مختصّة بهم فقط ، بل هي أسماء كانت شائعة ومنتشرة بين العرب قبل الإسلام وبعده ، واتّخاذ عليّ(عليه السلام)هذه الأسماء لأبنائه لا يكون دليلاً على حُسن العلاقة بينه وبين حكومة الخلافة ، وأنتم بإمكانكم مراجعة الكتب الرجاليّة مثل كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ وكتاب «أُسد الغابة» لابن الأثير ، لتلاحظوا الصحابة الذين كانوا يحملون أسماء أبي بكر أو عمر أو عثمان .
ونحن هنا نستعرض أسماء الأشخاص الذين يحملون اسم عمر ـ قبل الإسلام وبعده ـ من كتاب واحد فقط ، وهو كتاب «اُسد الغابة في معرفة الصحابة» كانموذج لما ذكرنا : 1ـ عمر الأسلمي 2ـ عمر الجمعي 3 ـ عمر بن
[1]سنبحث هذا الموضوع ضمن جوابنا عن السؤال رقم 124 .