السؤال 108
ثبت بالاتّفاق أنّ سلمان الفارسي(رضي الله عنه)قد تأمّر على المدائن زمن خلافة عمر ، وأنّ عمّار بن ياسر(رضي الله عنه)قد تأمّر على الكوفة ، وهما ممّن يقول الشيعة أنّهما كانا من أنصار عليّ(عليه السلام)وشيعته ، فكيف يعملون بهذه الوظائف في خلافة عمر ؟ أليس هذا نوعاً من التعاون مع الظَّلَمة والمرتدّين ؟
الجواب :إنّ تعاون هذين الصحابيّين الجليلين وغيرهما مع جهاز الخلافة حينئذاك، نابع من أصل أشار إليه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)في إحدى رسائله وهو قوله: ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)عن أهل بيته، إلى أن قال: حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ .[1]وفي هذه الظروف الحسّاسة لا يمكن لعليّ(عليه السلام)وأصحابه صرف النظر عن جوهر الإسلام وأصله ، في بذل أقصى جهدهم للمحافظة عليه ، فانبرى هذا الفريق الذي هو أطهر أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)ومورد مدحه الكبير وثنائه العظيم ، مدافعاً عن أصل الإسلام ، فقبل البعض منهم تلك المناصب حتّى وإن كانت الخلافة غير شرعية في نظرهم ،
[1]نهج البلاغة، الكتاب رقم 62 .
للتقليل من الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عملاً بوظيفتهم الشرعيّة ، ومنطق العقل والشرع يوجبان هذا النوع من التعاون ، وكأنّ هؤلاء الأصحاب يحدّثون أنفسهم قائلين : الآن وبعدما عزل القائد العظيم الذي نصّبه الله وارتضاه هو ورسوله وبالتالي عدم تحقّق الوضع المثالي الإسلامي ، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من تقديم خدمة للإسلام بطرق وأساليب شتّى .
بقي التذكير أنّ هذا النوع من التعاون لا يثبت ما ذهب إليه جامع الأسئلة ولا يحقّق غرضه ، وكلّ ما هناك أنّه تعاون شبيه بتعاون يوسف(عليه السلام)مع المصريّين القدامى .
السؤال 109
ذكر جامع الأسئلة تحت هذا الرقم سؤالاً يرجع إلى أمرين:
الأوّل: ان أقصى هدف لوجود الإمام هو رفع الاختلاف ومع القول بوجود الإمام الحي بين الشيعة فكيف يسوغ الاختلاف .
الثاني: قد ذكروا أن ثلاثين رجلاً من علماء الشيعة اتصلوا بالإمام.
ذكر المجلسي أنّ الإمام الغائب لا يُرى، ومن ادّعى أنّه رأى الإمام المهدي فقد كذب، فكيف يجتمع هذا مع رؤية ثلاثين عالماً له(عليه السلام).
الجواب :أمّا عن الأمر الأوّل فهو مبني على أنّ وجود الحجة الإلهية
قالع للخلاف من رأس، ولكنّه ليس صحيحاً وإنّما هو يقلل الاختلاف ولا يقلعه، والشاهد على ذلك أنّ المسيح عيسى بن مريم(عليه السلام)بعث إلى بني إسرائيل، وكانت إحدى وظائفه رفع الاختلاف بينهم، قال تعالى :(قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلاُِبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)[1].
فأمّا أُولئك الذين كانوا يعشقون الحقّ والحقيقة فقد اتّبعوا عيسى(عليه السلام)، وقبِلوا الحقّ ، وأمّا أُولئك الذين يتّبعون أهواءهم ، فقد احتضنتهم الاختلافات واتّبعوا طرق الضلال .
إذن : وجود الحجّة من قبل الله تعالى (سواء كان نبيّاً أو إماماً) لا يلازم رفع الاختلاف .
ويشهد على ذلك قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمانٌ لأُمّتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».[2]
ومع وجود الحجة نرى أنّ النبي يخبر عن الاختلاف وهذا من أوضح الأدّلة على أنّ وجود الحجة الإلهية لا يلازم رفع الاختلاف من رأس، وإنّما يخفف منه، فمن صلحت سيرته تبع الحجة، وأمّا من خبثت فيسلك سبيلاً منحرفاً.
هذا كله حول الضابطة الكلية، وأمّا وجود الاختلاف ـ رغم القول
[1]الزخرف : 63 .[2]مستدرك الحاكم : 9 / 448، وج 3 / 149 و 457 ; ذخائر العقبى : 17 .
بوجود الأئمة المعصومين بعد رحيل الرسول عصراً بعد عصر ـ فالجواب عنه:
أوّلاً: انّ وظيفة الإمام هو بيان الأُصول الّتي تناط بها الحياة الأُخروية، وأمّا الاختلاف في المسائل الكلامية المتداولة بين المتكلمين فليس رفع الاختلاف فيها من وظائفه، ولو سئُل الإمام عنها ربّما يقوم ببيان الحق فيها تفضّلاً لا إيجاباً.
فالروايات الواردة في الكافي وتوحيد الصدوق حول الأُصول والعقائد كافية لرفع الاختلاف في المسائل العقائدية الأصلية، ونحن نحمد الله سبحانه أنّ الشيعة متفقة في هذه الأُصول بفضل هذه الروايات .
وأمّا الاختلاف في المسائل العقلية كتجزّؤ الجزء في الجسم الطبيعي وإمكانه وعدم إمكانه، أو الطفرة وعدمها، فهذا لا صلة له بمقام الإمامة.
وأمّا الأحكام فالاختلاف فيها أمر طبيعي، لأنّ أئمة أهل البيت كانوا في المدينة أو مضيقاً عليهم في العراق ومرو، ولم يكن بإمكان الفقهاء الاتصال دوماً بهم(عليهم السلام)، ولذا لجأوا إلى الاجتهاد طبقاً لما عندهم من روايات، فصار الاختلاف أمراً طبيعياً، كما هو الحال عند السنة بالنسبة لما عندهم عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إنّ المتلقّين عن الإمام يختلفون في قابلياتهم وملكاتهم الفكرية والعلمية.. ومن ثم يختلفون في فهمهم لما يُلقى إليهم.. وبذلك تتعدد آراؤهم في المسائل والأحكام .
وأمّا ما يرجع إلى الإمام المهدي(عليه السلام)، وقوله إنّه مع وجوده(عليه السلام)، ظلّ الاختلاف قائماً ، فالجواب عنه بوجهين:
أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ (30) عالماً تشرّفوا بلقائه، أمر غير ثابت، ولم يذكر له مصدراً، ولو نقله شخص، فهو خبر واحد لا يُعتمد عليه في مجال العقائد.
وثانياً: أنّ لقاء الأماثل من الشيعة لإمام عصرهم، قد يتفق في فترات قصيرة، لا يترقب منه رفع الاختلاف في المسائل الشرعية، الّتي لا تتناهى عدداً.
أضف إلى ذلك: أنّ الشريعة إنّما صارت حيةً في ظل البحث والنقاش، والحقيقة بنت البحث، فلو كان الغرض من وجود الإمام هو إظهار الحقائق في كل مسألة فرعية جزئية، فمعنى ذلك إقفال باب البحث والاجتهاد، الّذي هو رمز حيوية الشريعة وبقائها، والشاهد على ذلك أنّ الاختلاف كان سائداً في حياة الأئمة السابقين، كما تقدّم.
السؤال 110
يقال للشيعة : أنتم تقولون بأنّه لا يصحّ خلوّ الزمان من قائم لله بالحجّة وهو الإمام ، فإذا كانت التقيّة تسعة أعشار الدِّين وهي سائغة للإمام ، فكيف تتمّ الحجّة به على الخلق ؟
الجواب :تصوّر جامع الأسئلة ـ لضآلة علمه ـ أنّ أئمّة الشيعة يعملون
بالتقيّة في جميع أبواب الفقه ومعارف القرآن والسنّة ، ولذلك تراه يقول تسعة أعشار كلامهم تقيّة وقسمٌ واحد فقط كلام واقعي ، ويكمن الخطأ في هذه النقطة بالذات ، لأنّ التقيّة لها موارد خاصّة كما أسلفنا ، وهي الموارد التي كان حكّام الجور يعملون بأحكام مخالفة للشريعة الإسلاميّة نتيجة جهلهم بسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، أو أنّ الفقهاء الذين تمّ تنصيبهم من قِبل هؤلاء الحكّام يحكمون بأحكام خاطئة ، هنا يعمل الأئمّة(عليهم السلام)بالتقيّة لأجل حقن دماء شيعتهم ويفتون لهم بالعمل طبقاً لفتاوى فقهاء السلطة .
وأمّا غير هذه الفتاوى فالإجهار بالحقيقة في مجالي العقيدة والشريعة لم يكن مقروناً بالضرر، وأئمة أهل البيت كانوا قد جاهروا بالحقيقة، ومن حسن الحظ فإنّ فقهاء الشيعة يرجعون إليهم في كثير من هذه الأحكام.
وأمّا المراد من قولهم: إنّ تسعة أعشار الدِّين في التقيّة ، فهو كناية عن أهمّية حفظ دماء المؤمنين ، لأنّ بعض الشيعة ينشر آراءه المخالفة لرأي الحكّام الظَلَمة بدون مبالاة ، ويعرّض بذلك نفسه وقومه للخطر .
وقد ذكرنا سابقاً أنّ تلاميذ الإمام الحقيقيّين يميّزون جيداً بين ما هو من التقيّة وما هو من غيرها، وذلك لأنّهم كانوا على اطّلاع واسع بروايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)الحقيقيّة ، ويفرّقون من خلال أُسلوب الإمام(عليه السلام)في كلامه بين ما قاله تقية أو أنّه قال الحكم الواقعي .
السؤال 111
يزعم الشيعة أنّ معرفة الأئمّة شرط لصحّة الإيمان ، فما قولهم فيمن مات قبل اكتمال الأئمّة الاثني عشر ؟
الجواب :في نظركم ما هو حكم أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)الذين ماتوا في مكّة والمدينة قبل اكتمال أحكام الإسلام ، وقبل خلافة الخلفاء الأربعة وكذلك من ماتوا قبل تولي عمر أو عثمان للخلافة؟
أنتم تعتقدون أنّ خلافة الخلفاء جزءٌ من العقيدة الإسلاميّة ، حيث إنّ أحمد بن حنبل وكذلك أبا الحسن الأشعري في ذكر أُصول العقيدة الإسلامية يجعلان الإيمان بالخلافة بل وحتّى مراتب الفضل بين الخلفاء والاعتقاد بها، جزءاً من العقيدة .
وهل أنّ الشهداء الذين سقطوا في بدر وأُحد ـ وهم أفضل شهداء الإسلام ـ يكون إيمانهم ناقصاً ؟!
ونحن نجيبكم بما تجيبون به، أضف إلى ذلك فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة».[1]كما أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً».[2]
[1]صحيح مسلم: 6 / 3 .[2]مسند أحمد: 1 / 99 وج 3 / 17 و 70 ; سنن أبي داود: 2 / 309 كتاب المهدي.
إذن فالشيعة عندهم اعتقاد إجمالي من اليوم الأوّل بإمامة اثني عشر إماماً ، وكلّ ما هنالك أنّ البعض منهم لم يدرك زمان أُولئك الأئمّة ، فيكون عنده اعتقاد إجمالي ينوب مناب الاعتقاد التفصيلي . وهذا الاعتقاد كاف في النجاة.
السؤال 112
ينقل في «نهج البلاغة» أنّ عليّاً لمّا بلغه ادّعاء الأنصار أنّ الإمامة فيهم قال : «فهلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم ويُتجاوز عن مُسيئهم ؟ قالوا : وما في هذا من الحجّة عليهم ، قال : لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصيّة لهم» ، فيقال للشيعة : وأيضاً فقد أوصى(صلى الله عليه وآله)بأهل البيت في قوله : «أُذكّركم الله في أهل بيتي» فلو كانت الإمامة خاصّة بهم دون غيرهم لم تكن الوصيّة بهم ؟
الجواب :إنّ منطق عليّ(عليه السلام)هو منطقٌ قويّ ومتين ، لأنّ الوصيّة بفريق على أن يُحسن إليه ويتجاوز عن سيّئاته هو علامة على كون هذا الفريق ضعيفاً في حياته، لا تتوفر فيه مواصفات القيادة.
أمّا وصية النبي بأهل بيته فهي تختلف عن تلك التي اختصّت بالأنصار ; لأنّ الوصيّة بالأنصار كانت في التجاوز عن الإساءة التي تصدر