من الكوفة إلى البصرة ، قام(عليه السلام)بإرسال ولده الحسن(عليه السلام)ومعه عمّار بن ياسر إلى الكوفة ، وقد خطب الحسن(عليه السلام)في الناس خطبةً مؤثّرة ، ودعا الناس إلى مساعدة إمام زمانهم.[1]وتفاصيل هذا القسم موجود في جميع كتب التاريخ .
وإنّه لمن دواعي الأسف أن يكذب جامع الأسئلة على الإمام الحسن(عليه السلام).
إنّ الإمام الحسن(عليه السلام)كان على الدوام إلى جانب والده(عليهما السلام)وفي صفّين حيث شارك معه في الحرب ، ويذكر أنّه عندما رأى منه الإمام علي(عليه السلام)ذلك الإقدام والشجاعة في ميدان القتال قال : «أملِكُوا عليَّ هذا الغُلام لا يهُدَّني فإنّي أنفس بهذين ـ يعني الحسن والحسين(عليهما السلام)ـ على الموت لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله(صلى الله عليه وآله)».[2]
أمّا فيما يتعلّق بالمطلب الثاني ، فإنّنا لا يمكن أن نقول فيه إلاّ أنّه محض كذب وافتراء ، لأنّ الإمام الحسين(عليه السلام)كان مطيعاً لأخيه الحسن(عليه السلام)في أيّام إمامته بشكل تامّ ، وما دام الحسن حيّاً لم يعترض الحسين على الصلح بأدنى اعتراض ; وذلك لأنّ الإمام الحسين(عليه السلام)آنذاك لم تكن له وظيفة سوى اتّباع طريق إمامه ، وإلى أن توفّي الحسن(عليه السلام)في عام 50 هجريّة وحتّى هلاك معاوية سنة 60 هجريّة ، لم يقم الحسين(عليه السلام)بأيّ حركة ضدّ الصلح المنعقد بينهما ، ولكن بمجرّد أن قام معاوية بعد شهادة الحسن(عليه السلام)بنقض الصلح ونصب ابنه يزيد خليفةً للمسلمين من بعده، بدأ الإمام الحسين(عليه السلام)في إظهار
[1]تاريخ الطبري : 3 / 499 ، وكذلك فتوح البلدان : 421 .[2]نهج البلاغة : الخطبة رقم 207 .
مخالفته لمعاوية وكتب له رسالة شديدة اللهجة تعكس عشرات الجرائم التي قام بها معاوية والتي تهتزّ لها القلوب.[1]
أمّا فيما يتعلّق بكلام أمير المؤمنين في قوله : «لا تكفّوا عن مقالة بحقّ... الخ» فنقول: إنّ طلب المشورة لا يدلّ على عدم العصمة ، بدليل أنّ الله تعالى أمر نبيّه الكريم بالعمل بالمشورة بقوله :(وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَْمْرِ)[2].
وهذه المشورة بطبيعتها هي نوعٌ من الاحترام والتقدير لمن يقف مع رسول الله لأجل الوصول إلى أهدافه ، وبتعبير آخر: هو ان الإمام(عليه السلام)في مقام تعليم المسلمين فقد أمرهم بأن لا يستبدوا بآرائهم ويتركوا المشورة، وإلاّ فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بمقامه، والإمام(عليه السلام)باعتباره خليفة للرسول غنيان عن المشورة .
هذا من جهة، ومن جهة ثانية نرى السائل قد اقتطع العبارة من سياقها وتصرّف فيها ليثبت أنّ الإمام(عليه السلام)يعترف بعدم علمه ممّا يتنافى مع عقيدة الشيعة حيث نسب إلى الإمام(عليه السلام)أنّه قال: «فإنّي لست آمن أن أخطى» .
وأنت إذا رجعت إلى النص تراه كالتالي:
«فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني».
ومن الواضح أنّ هذا ينسجم مع عقيدة الشيعة بالعصمة، لأنّ قوله(عليه السلام):
[1]الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة: 1 / 164 .[2]آل عمران : 159 .
«في نفسي» دليل واضح على أنّ الإمام(عليه السلام)يريد أن يقول لولا عصمة الله إيّاي لوقعت في الخطأ، بمعنى أنّ عصمة الإمام ليست مستقلة عن العناية والدعم الإلهي ولذلك أردفها الإمام(عليه السلام)بقوله: إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني».
وهونظير ما جاء في سورة يوسف(عليه السلام):(وَ مَا أُبَرِّىُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي)[1]على الرأي الّذي يعيد الضمير إلى يوسف(عليه السلام).
وأدلّة عصمته(عليه السلام)تدلّ على أنّ الله يسر له وكفاه الأمن من الخطأ والخطل والعثرة والزلل.[2]
السؤال 132
شنّع الشيعة في هذا الزمان على علماء أهل السنّة في بلاد الحرمين لفتواهم بجواز الاستعانة بالكفّار في مواجهة البعثيّين المرتدّين ، ثمّ وجدنا الشيخ الحلّي ينقل إجماع الشيعة ـ ما عدا الشيخ الطوسي ـ على جواز الاستعانة بأهل الذمّة على حرب أهل البغي ؟ فما هذا التناقض ؟
الجواب :يريد جامع الأسئلة أنّه عندما احتّل صدام الكويت قد
[1]يوسف: 53 .[2]نهج السعادة للشيخ المحمودي: 2 / 186 .
استعانت الحكومة السعودية لدفع البعثيين عن الكويت بقوات الائتلاف الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
وعندئذ اعترض على عملهم هذا علماء الشيعة وقسم من علماء السنة، بأنّه لا يجوز الاستعانة بالكفار على أهل البغي.
والسائل يريد تصحيح الاستعانة بفتوى العلاّمة الحلي حيث جوّز في كتابه «منتهى المطلب» الاستعانة بالكافر.
وهذا هو واقع السؤال، ولكنه غفل عن أنّ العلاّمة خص جواز الاستعانة على أهل البغي بالكافر الذمّي الذي يعيش تحت حماية الحكومة الإسلامية ويعطي «الجزية عن يد وهم صاغرون» ولم يُجز الاستعانة بالمحاربين.
والقوات المؤتلفة الّتي استعانت بها السعودية كلهم من المحاربين الذين يغيرون على ثروات المسلمين ويستغلّونهم .
ويعينون دولة إسرائيل الغاصبة والمعتدية على الشعب الفلسطيني المسلم.
فكيف يكون هذان الحكمان متناقضين حتّى يقول جامع الأسئلة «ما هذا التناقض ؟» .
هذا من الجانب الفقهي ، وبقطع النظر عن هذه المسألة ، هل المقصود بعلماء الحرمين نفس أُولئك السلفيّين التكفيريّين (الوهابيّين) الذين أُجبروا على إصدار تلك الفتوى ، وفي هذا المورد نقول : إنّ نفس هؤلاء البعثيّين
الذين يعتبرهم علماء الحرمين مرتدّين وخارجين عن الإسلام ، ساندوهم وآزروهم في عدوانهم على إيران المسلمة في تلك الحرب التي ذهب ضحيّتها الآلاف من المسلمين ، ناهيك عن ذرفهم لدموع التماسيح عند إعدام صدّام (زعيم البعثيّين) وقالوا: لماذا يتمّ قتل رئيس مسلم لبلد عربيّ ومسلم في يوم العيد؟!!
فمن هو الذي يعمل بالتناقض ؟!!
السؤال 133
من قواعد الشيعة أنّ الإمامة تثبت لمن ادّعاها من أهل البيت(عليهم السلام)وأظهر خوارق العادة الدالّة على صدقه ، ثمّ لم يثبتوا إمامة زيد بن عليّ مع أنّه ادّعاها ، وبالمقابل أثبتوا الإمامة للمهدي (عجل الله فرجه) الغائب الذي لم يدّعها ؟
الجواب :أوّلاً : يبدو أنّ جامع الأسئلة لا يعرف فرق الشيعة ، فخلط بين الشيعة الإماميّة والشيعة الزيديّة ، ففي المذهب الشيعي الإمامي ، تثبت الإمامة بتنصيص الإمام السابق للإمام اللاّحق ، وبما أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام)نصّ على إمامة ولده محمد الباقر من بعده ، فقد قبلت الشيعة أمامته كما قبلت إمامة ولده الصادق لأنّ أباه الباقر نص عليه، وهكذا. وأمّا زيد فلم يُنصّ على إمامته.
أضف إلى ذلك أنّه لم يدّع الإمامة لنفسه ، وإنّما دعا «للرِّضا من آل محمّد» ولم يدّع انطباق ذلك على نفسه .
ثانياً : في المذهب الشيعي الزيدي لا يُعتبر إظهار الإعجاز شرطاً في الإمامة ، بل شرط الإمامة أن يكون الداعي فاطمياً، بالإضافة إلى العلم والشجاعة والدعوة إلى النفس .
إذاً : فالأمر الذي ينسبه للشيعة لا ينطبق على أيٍّ من الفريقين (الإماميّة والزيديّة) .
السؤال 134
لمّا نزل قوله تعالى :(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الاَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)[1]دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله)بني شيبة وأعطاهممفتاح الكعبة وقال : «خذوها يا بني طلحة» ، فلماذا لم يقل مثله في أمر خلافة عليّ(عليه السلام)وهو أمرٌ يهمّ جميع المسلمين وتتوقّف عليه مصالح كثيرة ؟
الجواب :هذا السؤال مكرّر ، والنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)على مدى أيّام دعوته وهي 23 سنة ، كان يعلن في مواقف مختلفة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)هو الخليفة الذي سيكون بعده ، وعرّفه على أنّه وليّ المؤمنين ووصيّه ، وكما ذكرنا في جواب بعض الأسئلة المتقدمة أنّ أحد ألقاب عليّ(عليه السلام)«الوصيّ» وأنّ آخر ما أوصى به النبيّ(صلى الله عليه وآله)في يوم الغدير الذي اجتمع فيه أكثر من مائة ألف نفر ; الولايةُ والوصايةُ لعليّ بشكل رسميّ ، وطلب من الناس مبايعته حتّى إذا جاء
[1]النساء : 58 .
دور الشيخين لمبايعته قالا له: «بخ بخ لك يا عليّ أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة»[1]. فقد أدّى الامانة لأهلها.
ونكتفي بهذا المقدار لأنّنا تناولنا هذا المورد في كلام سابق .
السؤال 135
اختلق الشيعة حديثاً يقول : «لعن الله من تخلّف عن جيش أُسامة» يهدفون من ورائه إلى لعن عمر، وفاتهم أنّه يلزمهم أمران :
1 ـ أن يكون عليّ لم يتخلّف ، وهذا اعتراف منه بإمامة أبي بكر ، لأنّه رضي أن يكون مأموراً لأمير نصّبه أبو بكر ؟
2 ـ أو يقولوا بأنّه تخلّف عن الجيش ، فيلحقه ما كذبوه ؟
الجواب :العجب من كلام السائل حيث ادّعى أنّ أبا بكر أمّر أُسامة على الجيش، وهذا مخالفة واضحة للواقع التاريخي إذ الصحيح وبلا شكّ هو أنّ النبي قد أمّره على الجيش وجعل الشيخين تحت أمره. ولذلك اعترضوا على النبي بتأمير أُسامة وتحت أمره الشيوخ الكبار.
إنّ هذا الحديث ليس من مختلقات الشيعة ، بل إنّ علماء أهل السنّة هم الذين رووا هذا الحديث ثمّ نقله الشيعة عنهم معتمدين في ذلك عليهم ، فالحديث المذكور نقله كلٌّ من أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في
[1]المصنّف لابن أبي شيبة : 12 / 78 ، الحديث : 12167 .
كتاب «السقيفة » والشهرستاني في «الملل والنحل» ، والإيجي في «المواقف» ، وابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة. أو ليس هؤلاء من أقطاب السنة؟![1]
ذكر في الملل والنحل : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): جهّزوا جيش أُسامة لعن الله مَن تخلّف عن جيش أُسامة ، فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره ، ولذلك برز أُسامة من المدينة ، وقال قوم : قد اشتدّ مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله)فلا تسع قلوبنا مفارقته ، والحالة هذه : فنصبر حتّى نبصر أيّ شيء يكون من أمره .
وجاء في الملل والنحل أيضاً : ولم ينحصر الخلاف في أُخريات حياته بل ظهر الخلاف في تجهيز جيش أُسامة ، حيث إنّه(صلى الله عليه وآله)أمر أُسامة بأن يسير إلى النقطة التي سار إليها أبوه من قبل وجهّز له جيشاً وعقد له راية ، فتثاقل أكابر الصحابة عن المسير معه لمّا رأوا مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله)وهو يصرّ على مسيرهم ، حتّى أنّه خرج معصّب الجبين ، وقال : جهّزوا جيش أُسامة ، لعن الله مَن تخلّف عنه.[2]
فمَن هم الأشخاص الذين يشملهم الحديث ؟
والذي قاله جامع الأسئلة من أنّ الشيعة اختلقوا هذا الحديث حتّى يتمكّنوا من لعن الخلفاء هو أمرٌ مخالفٌ تماماً لما جرى ، بل إنّ الحديث
[1]الملل والنحل : 1 / 23، المقدّمة الرابعة; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 2 / 20 ; المواقف : 3 / 650 .[2]الملل والنحل ، المقدّمة الرابعة : 1 / 23 ; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 2 / 20; المواقف : 3 / 50 ـ 60 .