صلح الإمام الحسن(عليه السلام)قد تمّ نتيجة لظروف اضطرت الإمام لعقد الصلح مع معاوية، كما هو الحال في صلح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مع قريش .
حيث إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)صالح في الحديبيّة وقبِلَ حتّى بأن يُمحى لقب (رسول الله) من عقد الصلح ، ومع ذلك صالح النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وبعد سنة من الصلح قام بفتح مكّة بالقوّة العسكريّة .
وجامع الأسئلة يُعرّف نفسه على أنّه سلفي ، والسلفيّة يعتقدون أنّ الصحابة جميعاً عدول ومنزّهون حتّى من أبسط الذنوب ، فهل يصح اتّهام ولدي رسول الله بالخطأ وهما ريحانتا قلب الرسول وقرّة عينه وسيّدا شباب أهل الجنّة والمطهّرين من كلّ رجس بنصّ القرآن الكريم ، ويعتبران في قمّة هرم الصحابة؟!![1]
وقد ذكرنا سابقاً بعض الأسباب لصلح الحسن مع معاوية وقيام الحسين في وجه طاغوت زمانه يزيد، وأنّ مصالح الإسلام كانت تكمن في الصلح هناك وفي الثورة هنا، ولا علاقة لذلك بكثرة الأنصار وقلّتهم.
[1]لاحظ : فتح الباري : 7 / 94، الحديث 3749 ; مستدرك الحاكم : 2 / 166 ; مسند أحمد : 3 / 3، الحديث 21771 .
السؤال 140
لقد شارك عليّ(عليه السلام)في زمن خلافة أبي بكر في حرب المرتدّين وأخذ جارية من سبي بني حنيفة أنجبت له فيما بعد ولده المسمّى محمّد بن الحنفيّة . ويلزم من هذا أنّ عليّاً يرى صحّة خلافة أبي بكر ، وإلاّ لما ارتضى أن يشاركه في هذا الأمر .
الجواب :يوجد في هذا السؤال نوع من الكذب الصريح وثمّة إشكال تاريخي واضح .
أوّلاً : فالكذب الصريح يتمثّل في مشاركة عليّ(عليه السلام)في الحرب ضدّ المرتدّين ، والحال أنّه لم يأت ذكر لمشاركة عليّ(عليه السلام)في الحروب الواقعة أيّام الخلفاء ، ولم يأت ذلك في أي مصدر تاريخي ، وهو ـ(عليه السلام)ـ أرفع وأجلّ من أن يشارك كجندي بسيط في هذه الحروب ، نعم ، إن كانت له من مشاركة في أيّام الخلفاء ، فهي تتمثّل في الاستفادة من وجوده المبارك في مجال المشاورة ونصيحة الخلفاء وإرشادهم .
ثانياً :أمّا الإشكال التاريخي فهو قوله إنّه أخذ جارية من سبي بني حنيفة ، إلاّ أنّ حقيقة الحادثة وردت في التاريخ على أقوال مختلفة :
1 ـ أُمّ محمّد بن الحنفيّة باسم «خولة بنت جعفر بن قيس» كانت من سهم أبي بكر وقد منحها لعليّ(عليه السلام).
2 ـ كتب المدائني : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعث أمير المؤمنين إلى اليمن للجهاد ، فأسر عليّ(عليه السلام)قسماً من الجواري ، كانت خولة واحدة منهنّ وهي من سهم أمير المؤمنين(عليه السلام).
3 ـ أمّا البلاذري فيقول : إنّ بني أسد في أيّام أبي بكر كانوا قد أغاروا على بني حنيفة وأسروا خولة وأتوا بها إلى المدينة فاشتراها علي(عليه السلام)منهم ، وعندما وصل خبرها إلى أهلها جاءُوا إلى المدينة، فعرفهم عليّ(عليه السلام)وعلم ما وقع عليهم من ظلم ، فأعتق الجارية ومَهَرها وتزوّجها .[1]
مع هذه الأقوال المختلفة كيف يمكن لجامع الأسئلة وأمثاله، الاستدلال بهذه القصّة على مطلب عقائديّ ؟!
السؤال 141
تتضارب الأقوال المنقولة عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)في مسائل عديدة ، فلا تكاد تجد مسألة فقهيّة إلاّ وله فيها قولان أو أكثر متناقضة ; فمثلاً البئر التي وقعت فيها نجاسة ، قال مرّة هي بحر لا يُنجسه شيء ، وقال مرّة : إنّها تنزح كلّها ، وقال مرّة : ينزح منها سبع أو ستّة دلاء ؟
الجواب :أوّلاً : الرواية للإمام الرضا(عليه السلام)وليست للإمام الصادق(عليه السلام).
[1]انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: 1 / 243 ـ 246 ; بحار الأنوار: 42 / 84 ـ 87 ; تنقيح المقال، الجزء الثاني، ترجمة محمد بن الحنفية; قاموس الرجال: 9 / 246 .
وثانياً : لم يقل الإمام(عليه السلام)إنّ ماء البئر مثل ماء البحر ، بل قال : إنّ ماء البئر ماءٌ كثير ، لا يفسده شيء ، إلاّ إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة من لون ورائحة وطعم .
ولكن في نفس الوقت إذا جاء في بعض الروايات «أنّه في حالة سقوط فأر في البئر ينزح من البئر عدّة دلاء» فهذا يحمل على باب الاستحباب والتأكيد في الطهارة ، فكم يمكن أن يكون الشيء طاهراً من جهة الشرع ، إلاّ أنّ القلب لا يطمئن إلاّ بنزح عدّة دلاء من ماء البئر .
وأمّا أنّه في بعض الموارد قال بنزح ستّة دلاء وأُخرى سبعة دلاء وبعضها أقلّ من ذلك فسبب ذلك تنوّع النجاسات الملاقية لذلك الماء ، فمن المسلّم أنّ سقوط فأر في البئر يؤدي إلى انفعال هذا الماء غير تلك التي يسبّبها سقوط عصفور إذا مات في البئر ، ونجاسة الحيوان الصغير تختلف عن نجاسة الحيوان الكبير ، ونجاسة حيوان نجس العين غير نجاسة حيوان مأكول اللّحم وطاهر العين .
وعلى كلّ حال فهذه مسألة فقهيّة ، وما دام السائل لم يكن فقيهاً فلا يمكنه معرفة مفاد الروايات ولا كيفيّة الجمع بينها لاستخراج الحكم الشرعي .
والعجيب هنا أنّه يقول في آخر حديثه : إنّ اختلاف هذه الروايات تسبّبت في ضياع مذهب الإمام جعفر الصادق(عليه السلام).
وهنا نودّ التذكير أنّ الإمام الصادق(عليه السلام)ليس له مذهب خاصّ في الفقه ،
فهو الناطق بالأحكام الإلهيّة ، بدون أن يجتهد فيها، وإذا كان الاختلاف في النقل يكون سبباً في ضياع مذهب الإمام الصادق(عليه السلام)، فإنّه يجب أن يضيع المذهب الشافعي ، لأنّ الشافعي قبل أن يذهب إلى مصر كانت عنده آراء تختلف عن آرائه بعد ذهابه إليها ، وأبو حنيفة كانت له عدّة آراء مختلفة في المسألة الواحدة ، فهل يمكننا القول بضياع المذهب الشافعي والمذهب الحنفي ؟!
إنّ هذا النوع من إثارة الشغب واللغط يناسب المراكز غير العلميّة ، أضف إلى ذلك أنّ هذه الأُمور الفرعية لا يمكنها أن تكون مصدراً يُعتمد عليه في بيان العقائد ، أو الإشكال عليها.
السؤال 142
الكتب المعتمدة عند الشيعة في الحديث هي «الوسائل» للحرّ العاملي المتوفّى سنة 1104 هـ ، و«البحار» للمجلسي المتوفّى سنة 1111 هـ ، و«مستدرك الوسائل» للطبرسي المتوفّى سنة 1320هـ . فجميعها متأخّرة ، فإذا كانوا قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يمكن الوثوق برواية لم تسجّل طيلة أحد عشر قرناً أو ثلاثة عشر قرناً ؟ وإن كانت مدوّنة في كتب ، فلم يعثر على هذه الكتب إلاّ في القرون المتأخّرة ؟ ولماذا لم يجمع تلك الروايات المتقدّمون منهم ؟
الجواب :أوّلاً : إنّ كتب الحديث المعتبرة عند الشيعة هي أربعة :
1 ـ الكافي تأليف الكليني (المتوفّى 329 هـ) .
2 ـ من لا يحضره الفقيه تأليف الصدوق (المتوفّى 381 هـ) .
3 ـ تهذيب الأحكام ، تأليف الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ) .
4 ـ الاستبصار في ما اختلف الأخبار ، من تأليف الشيخ الطوسي أيضاً (المتوفّى 460 هـ) .
تعتبر هذه الكتب الأربعة هي الجوامع الثانية المنتزعة من جوامع
الحديث الأُولى للشيعة ، والجوامع الأُولى المنقول عنها كانت قد كتبت في القرنين الثاني والثالث الهجريين وهي:
1 ـ الجامع ، تأليف أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى سنة 221 هـ) .
2 ـ المحاسن ، تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي (المتوفّى سنة 272 هـ) .
3 ـ نوادر الحكمة ، تأليف محمد بن أحمد بن عمران الأشعري (المتوفّى سنة 293) .
4. كتاب الثلاثين، تأليف حسين بن سعيد الأهوازي .
ولنتجاوز هذا ، فهناك 400 رسالة سمّيت بالأُصول كتبها تلاميذ الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم(عليهم السلام)وتعتبر الأُم للجوامع الأُولى من جوامع الحديث عند الشيعة .
إذن ، فالكتب التي أورد جامع الأسئلة ذكرها في سؤاله ، رغم أنّها من جلائل (وأهم) كتب الشيعة المعتبرة ، إلاّ أنّ أساسها هي الكتب الأربعة الأُولى حيث استُلّت منها ، وهي شبيهة بجوامع الحديث عند السنة ، فمثلاً جامع الأُصول لابن الأثير الجزري وكنز العمّال للمتّقي الهندي أخذا من كتب الصحاح الستّة ، ففي الحقيقة هذا النوع من الكتب المتأخّرة هو جمع وترتيب جديد للأحاديث من الكتب القديمة . ولا يضر الاختلاف الزمني بينهما في الحجية.
السؤال 143
هناك مجموعة كبيرة من الروايات في كتب الشيعة توافق ما عند أهل السنّة سواء في إنكار البدع أو العقائد أو غير ذلك ، ولكن الشيعة يصرفونها عن ظاهرها بدعوى التقيّة ؟
الجواب :الادّعاء عملٌ سهل ، ولكن الإتيان بالدليل أمرٌ صعب ، فأيّ رواية جاءت في كتب الشيعة في العقائد والبدع تنسجم مع روايات أهل السنّة ، والعلماء أعرضوا عنها بدون دليل ؟! ولعل نظر المستشكل راجع لما سيذكر في السؤال التالي.
السؤال 144
ينقل صاحب كتاب «نهج البلاغة» مدح عليّ(عليه السلام)لأبي بكر وعمر ، كقوله عن أبي بكر : «ذهب نقيّ الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرّها ، أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه» ، ولكن الشيعة حملوا كلام عليّ(عليه السلام)هذا على التقيّة وأنّه قاله من أجل استصلاح من يعتقد صحّة خلافة الشيخين واستجلاب قلوبهم ، فهل يظهر عليّ(عليه السلام)غير ما يُبطن وهو المعروف بالشجاعة وقول الحقّ ؟
الجواب :يعني جامع الأسئلة الخطبة 223 من نهج البلاغة حيث بدأت