وثانياً : لم يقل الإمام(عليه السلام)إنّ ماء البئر مثل ماء البحر ، بل قال : إنّ ماء البئر ماءٌ كثير ، لا يفسده شيء ، إلاّ إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة من لون ورائحة وطعم .
ولكن في نفس الوقت إذا جاء في بعض الروايات «أنّه في حالة سقوط فأر في البئر ينزح من البئر عدّة دلاء» فهذا يحمل على باب الاستحباب والتأكيد في الطهارة ، فكم يمكن أن يكون الشيء طاهراً من جهة الشرع ، إلاّ أنّ القلب لا يطمئن إلاّ بنزح عدّة دلاء من ماء البئر .
وأمّا أنّه في بعض الموارد قال بنزح ستّة دلاء وأُخرى سبعة دلاء وبعضها أقلّ من ذلك فسبب ذلك تنوّع النجاسات الملاقية لذلك الماء ، فمن المسلّم أنّ سقوط فأر في البئر يؤدي إلى انفعال هذا الماء غير تلك التي يسبّبها سقوط عصفور إذا مات في البئر ، ونجاسة الحيوان الصغير تختلف عن نجاسة الحيوان الكبير ، ونجاسة حيوان نجس العين غير نجاسة حيوان مأكول اللّحم وطاهر العين .
وعلى كلّ حال فهذه مسألة فقهيّة ، وما دام السائل لم يكن فقيهاً فلا يمكنه معرفة مفاد الروايات ولا كيفيّة الجمع بينها لاستخراج الحكم الشرعي .
والعجيب هنا أنّه يقول في آخر حديثه : إنّ اختلاف هذه الروايات تسبّبت في ضياع مذهب الإمام جعفر الصادق(عليه السلام).
وهنا نودّ التذكير أنّ الإمام الصادق(عليه السلام)ليس له مذهب خاصّ في الفقه ،
فهو الناطق بالأحكام الإلهيّة ، بدون أن يجتهد فيها، وإذا كان الاختلاف في النقل يكون سبباً في ضياع مذهب الإمام الصادق(عليه السلام)، فإنّه يجب أن يضيع المذهب الشافعي ، لأنّ الشافعي قبل أن يذهب إلى مصر كانت عنده آراء تختلف عن آرائه بعد ذهابه إليها ، وأبو حنيفة كانت له عدّة آراء مختلفة في المسألة الواحدة ، فهل يمكننا القول بضياع المذهب الشافعي والمذهب الحنفي ؟!
إنّ هذا النوع من إثارة الشغب واللغط يناسب المراكز غير العلميّة ، أضف إلى ذلك أنّ هذه الأُمور الفرعية لا يمكنها أن تكون مصدراً يُعتمد عليه في بيان العقائد ، أو الإشكال عليها.
السؤال 142
الكتب المعتمدة عند الشيعة في الحديث هي «الوسائل» للحرّ العاملي المتوفّى سنة 1104 هـ ، و«البحار» للمجلسي المتوفّى سنة 1111 هـ ، و«مستدرك الوسائل» للطبرسي المتوفّى سنة 1320هـ . فجميعها متأخّرة ، فإذا كانوا قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يمكن الوثوق برواية لم تسجّل طيلة أحد عشر قرناً أو ثلاثة عشر قرناً ؟ وإن كانت مدوّنة في كتب ، فلم يعثر على هذه الكتب إلاّ في القرون المتأخّرة ؟ ولماذا لم يجمع تلك الروايات المتقدّمون منهم ؟
الجواب :أوّلاً : إنّ كتب الحديث المعتبرة عند الشيعة هي أربعة :
1 ـ الكافي تأليف الكليني (المتوفّى 329 هـ) .
2 ـ من لا يحضره الفقيه تأليف الصدوق (المتوفّى 381 هـ) .
3 ـ تهذيب الأحكام ، تأليف الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ) .
4 ـ الاستبصار في ما اختلف الأخبار ، من تأليف الشيخ الطوسي أيضاً (المتوفّى 460 هـ) .
تعتبر هذه الكتب الأربعة هي الجوامع الثانية المنتزعة من جوامع
الحديث الأُولى للشيعة ، والجوامع الأُولى المنقول عنها كانت قد كتبت في القرنين الثاني والثالث الهجريين وهي:
1 ـ الجامع ، تأليف أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى سنة 221 هـ) .
2 ـ المحاسن ، تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي (المتوفّى سنة 272 هـ) .
3 ـ نوادر الحكمة ، تأليف محمد بن أحمد بن عمران الأشعري (المتوفّى سنة 293) .
4. كتاب الثلاثين، تأليف حسين بن سعيد الأهوازي .
ولنتجاوز هذا ، فهناك 400 رسالة سمّيت بالأُصول كتبها تلاميذ الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم(عليهم السلام)وتعتبر الأُم للجوامع الأُولى من جوامع الحديث عند الشيعة .
إذن ، فالكتب التي أورد جامع الأسئلة ذكرها في سؤاله ، رغم أنّها من جلائل (وأهم) كتب الشيعة المعتبرة ، إلاّ أنّ أساسها هي الكتب الأربعة الأُولى حيث استُلّت منها ، وهي شبيهة بجوامع الحديث عند السنة ، فمثلاً جامع الأُصول لابن الأثير الجزري وكنز العمّال للمتّقي الهندي أخذا من كتب الصحاح الستّة ، ففي الحقيقة هذا النوع من الكتب المتأخّرة هو جمع وترتيب جديد للأحاديث من الكتب القديمة . ولا يضر الاختلاف الزمني بينهما في الحجية.
السؤال 143
هناك مجموعة كبيرة من الروايات في كتب الشيعة توافق ما عند أهل السنّة سواء في إنكار البدع أو العقائد أو غير ذلك ، ولكن الشيعة يصرفونها عن ظاهرها بدعوى التقيّة ؟
الجواب :الادّعاء عملٌ سهل ، ولكن الإتيان بالدليل أمرٌ صعب ، فأيّ رواية جاءت في كتب الشيعة في العقائد والبدع تنسجم مع روايات أهل السنّة ، والعلماء أعرضوا عنها بدون دليل ؟! ولعل نظر المستشكل راجع لما سيذكر في السؤال التالي.
السؤال 144
ينقل صاحب كتاب «نهج البلاغة» مدح عليّ(عليه السلام)لأبي بكر وعمر ، كقوله عن أبي بكر : «ذهب نقيّ الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرّها ، أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه» ، ولكن الشيعة حملوا كلام عليّ(عليه السلام)هذا على التقيّة وأنّه قاله من أجل استصلاح من يعتقد صحّة خلافة الشيخين واستجلاب قلوبهم ، فهل يظهر عليّ(عليه السلام)غير ما يُبطن وهو المعروف بالشجاعة وقول الحقّ ؟
الجواب :يعني جامع الأسئلة الخطبة 223 من نهج البلاغة حيث بدأت
الخطبة بجملة «لله بلاء وفلان» ولم يذكر هناك لا اسم أبي بكر ولا اسم عمر ، وإنّما ذكر كلمة «فلان» ، ثمّ إنّ هنا أُموراً :
أوّلاً : هذه الخطبة نقلها المغيرة بن شعبة وهو من ألدّ أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، وبالتالي لا يكون لها اعتبار ولا يُعتمد عليها .
ثانياً : اختلف شارحو نهج البلاغة في بيان المقصود من كلمة «فلان» في هذه الخطبة :
1 ـ فالقطب الراوندي يقول : إنّ الإمام عليّاً(عليه السلام)كان في مقام المدح والثناء لبعض أصحابه الذين لم يتلوّث بالفتنة التي حدثت بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله).
2 ـ وابن أبي الحديد المعتزلي يقول : إنّ المقصود من فلان هو عمر بن الخطّاب .
3 ـ والطبري يقول : هذه الجملة لابنة «أبي حثمة»، شاعرة كانت تُرثي الموتى بالمدينة وليست لأمير المؤمنين(عليه السلام). فعندما مات عمر جاءت ابنة أبي حثمة تبكي وجعلت تُرثي عمر وعندها قالت تلك الجملة المذكورة . يقول المغيرة : عندما دفنوا عمر ، ذهبت إلى بيت عليّ(عليه السلام)أسمع منه شيئاً حول عمر ، فرأيت عليّاً قد خرج من بيته وعليه أثر الغُسل والماء يتقاطر من رأسه وهو يقول :
«رحم الله ابن الخطّاب لقد قالت بنت أبي حثمة صدقاً ، لقد أخذ خير الخلافة معه ، ونجا من شرّها «أصاب خيرها وسبق شرّها» فوالله ما قالت بل
قوّلت»، والمقصود من شرّ الخلافة الأوضاع السيّئة التي ستكون في أيّام عثمان .
4 ـ وينقل ابن شبّة عن عبدالله بن مالك بن عيينة الأزدي قال : لمّا انصرفنا مع عليّ(عليه السلام)من جنازة عمر دخل فاغتسل ، ثمّ خرج إلينا فصمت ساعة ، ثمّ قال : لله بلاء نادبة عمر ، قالت : واعمراه أقام الأوْدَ ، واعمراه ذهب نقيّ الثوب قليل العيب ، ثمّ قال : «والله ما درت هذا (ما علّمت هذا) ولكنّها قُولّته» يعني لُقِّنته[1].
والنتيجة المستخلصة : أنّ الموصوف في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)غير مشخّص ، لأنّ ما جاء في كلامه المنقول في نهج البلاغة في كلمة «فلان»، أضف إلى ذلك، فإنّ ما نقله كلّ من الطبري وابن شبّة كان وضع رجال سياسيّين حيث لقّنوه لتلك المرأة النائحة حتّى تُرثي به عمر .
والتأمّل في مجموع ألفاظ نهج البلاغة يحكي إخبار عليّ(عليه السلام)عن أنّه ستمر على المسلمين ظروف تكون أكثر ظلاماً واضطراباً ممّا سبق. كما جاء في الخطبة الشقشقية وغيرها من الخطب الّتي يكشف الإمام(عليه السلام)عمّا تعرّض له من الظلم والإقصاء.
[1]تاريخ المدينة : 3 / 941 ، تحقيق فهيم محمد شلتوت .
السؤال 145
يدّعي الشيعه عصمة أئمّتهم وهذا يخالف الروايات التي فيها أنّ الأئمّة يجوز عليهم صدور السهو والخطأ ، حتّى أنّ عالم الشيعة المجلسي قال : بأنّ المسألة في غاية الإشكال ، لدلالة كثير من الروايات والآيات على صدور السهو عنهم .
الجواب :مسألة سهو الأئمّة مساوية لمسألة سهو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)، والرأي المشهور بين الإماميّة هو أنّ المعصوم كما أنّه مصون عن ارتكاب الذنوب والمعاصي ، فهو أيضاً بعيد عن الخطأ والنسيان ، لأنّ الخطأ والنسيان في الأُمور الدنيوية ، يؤدّي شيئاً فشيئاً إلى شكّ الناس في عصمتهم في تبليغ الأحكام .
فقد نقل أهل السنّة أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)صلّى ركعتين فقط في الصلاة الرباعيّة ، وبعد أن فرغ سأله أحد الأصحاب واسمه ذو اليدين : أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كل ذلك لم يكن».[1]
من هذه الجهة ، فإنّ فريقاً من أهل السنّة يعتقد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان يخطأ وينسى في الأُمور الدنيويّة ، وهو نفس التساؤل المطروح فيما يتعلّق بالأئمّة(عليهم السلام)عند الشيعة ، فكبار الشيعة أمثال الشيخ المفيد وهو من الشخصيّات البارزة الكبيرة ينفي عن الأئمّة أيّ نوع من أنواع السهو والخطأ ،
[1]بحار الأنوار: 17 / 124 ; رسالة عدم سهو النبي للشيخ المفيد: 4 وغيرهما.