مصدراً آخر لعلمهم وهو العلم الموهوب من الله سبحانه لهم، إذ ربّما تشمل عناية الله سبحانه بعض عباده الصالحين فيجعلهم علماء فهماء من عنده، من دون أن يدرسوا على أحد، وهذا ليس بأمر غريب وله نظائر :
1. انّه سبحانه يصف مصاحب موسى(عليه السلام)بقوله:(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)[1]، فقد ذكر سبحانه في حقه أمرين:
أ.(آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا).
ب.(عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا).
فنالته رحمة الله وعنايته فصار عالماً بتعليم منه سبحانه، من دون أن يكون نبياً، بل كان إنساناً مثالياً وولياً من أولياء الله سبحانه بلغ من العلم والمعرفة مكانة دعت موسى ـ وهو نبي مرسل ـ إلى أن يطلب العلم منه حيث خاطبه بقوله:(هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)[2].
2. انّه سبحانه أعطى لجليس سليمان(عليه السلام)علماً من الكتاب أقدره ذلك العلم على خرق العادة، كما وصفه سبحانه بقوله:(قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَاَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي )[3]، وهذا الجليس لم يكن نبياً ولكن كان عنده علم من الكتاب. وهو لم يَنلْه بالطرق العادية الّتي يتدرج عليها الصبيان والشباب في المدارس
[1]الكهف: 65 .[2]الكهف: 66 .[3]النمل: 40 .
والجامعات، بل كان علماً إلهياً أفيض عليه لصفاء قلبه وروحه.
ما ذكرناه نماذج لمن شملتهم العناية الإلهية فصاروا علماء فقهاء حكماء من عند الله تبارك وتعالى.
فلنعطف نظرنا إلى الأئمة الاثني عشر فبما أنّهم قد أُنيطت بهم عزة الدين كما في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إذ قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» وهو ما رواه مسلم في صحيحه.[1]
كما أُنيطت بهم الهداية كما في حديث الثقلين حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» فأئمة أهل البيت ليس بأقل شأناً ومكانة من مصاحب موسى أو جليس سليمان، فأي وازع من أن يحيطوا بسنن النبي وعلوم الشريعة بعلم موهوب من دون أن يكونوا أنبياء بل إنّهم عيبة علم الرسول ورواة سننه بواسطة هذا المنهج.
وربّما يعبر عن أسباب العلم الموهوب بكون الرجل محدَّثاً ـ بفتح الدال ـ وقد استفاضت الروايات بوجود رجال محدَّثين في الأُمّة الإسلامية يُلهَمون ويُلقى في روعهم شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو أن تُنكت لهم في قلوبهم حقائق تخفى على غيرهم.
وقد حفلت المصادر الحديثية بالعديد من الروايات المؤيدة لهذه الحقيقة[2].
[1]صحيح مسلم: 6 / 3 ، كتاب الأمارة، برقم 4601 ـ 4603 .[2]انظر: صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب المهاجرين وفضلهم ; وإرشاد الساري للقسطلاني: 6 / 99 ; وج 5 / 431 ; وشرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 166 .
هذا والتاريخ أصدق شاهد على علومهم في مجالي العقيدة والشريعة فقد رجعت إليهم الأُمّة، وعلى رأسهم الفقهاء في القرون الثلاثة، وأشادوا بعلوّ كعبهم في العلم والفقه، من غير فرق بين الأئمة الأربعة وغيرهم .
أمّا عن أمير المؤمنين(عليه السلام)فإنّه على مدى 23 سنة ، كان ملازماً للنبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يفارقه أبداً ، إلاّ في غزوتين اثنتين أو حينما أرسله النبيّ(صلى الله عليه وآله)إلى اليمن من أجل التبليغ ، ولكن للأسف فإنّ كتبكم الستّة لم تنقل عن عليّ(عليه السلام)سوى قرابة 500 حديث ، وفي الوقت نفسه نقلت عن أبي هريرة 5000 حديث! وهو لم يصحب رسول الله(صلى الله عليه وآله)سوى ثلاث سنين أو أقلّ ، فأيّهما أقرب إلى الصواب ؟!
السؤال 159
لقد وجدنا أنّ جُلّ بلاد المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)من غير طريق عليّ(عليه السلام)وأهل بيته(عليهم السلام)؟ فقد بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله)أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام ، ويعلّم الأنصار القرآن ، ويفقّههم في الدِّين ، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك ، وبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن ، وبعث عتاب بن أُسيد إلى مكّة ، فكيف تقولون إنّه لا يبلّغ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)إلاّ رجلٌ من أهل بيته ؟
الجواب :أمّا القول بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)قد أرسل هؤلاء إلى الأماكن المختلفة
فهذا ليس محلّ خلاف ، ويلزم أن نضيف إليه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان قد أرسل عليّاً(عليه السلام)إلى اليمن لأجل القضاء ، وهذه الأُمور ليست محلّ كلام وبحث ، وإنّما المهمّ هو الكذب الذي جاء في آخر كلام جامع الأسئلة ، حيث يقول: إنّ الشيعة يقولون إنّه لا يبلّغ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)سوى رجلٌ من أهل بيته، ففي أيّ كتاب جاء ذكر هذا الأمر ؟!
إنّ جامع الأسئلة ليس له أدنى اطّلاع لا بالتاريخ ولا بسيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وحقيقة الأمر هي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)ذكر هذا في مورد خاصّ وهو ما يتعلّق برفض الأمان عن المشركين بقراءة آيات من أوائل سورة البراءة في موسم الحج .
أجمع المفسرون ونقلة الأخبار أنّه لمانزلت سورة براءة، دفعها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أبي بكر وبعثه وأمره أن يقرأ عشر آيات من أوّل هذه السورة في موسم الحج، وأن ينبذ كل ذي عهد عهده، ثم بعث عليّاً خلفه ليأخذها ويقرأها على الناس.
فخرج علي(عليه السلام)على ناقة رسول الله العضباء حتّى أدرك أبا بكر بذي الحليفة، فأخذها منه ورجع أبو بكر إلى المدينة فقال: هل نزل فيّ شيء فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا، إلاّ خيراً، ولكن نزل جبرئيل وقال: لايؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني.
هذا هو إجمال القصة ومن المعلوم أنّ كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خاص بهذه الحادثة الّتي يرفع فيها الأمان عن المشركين وينقض كل ذي عهد عهده، وهذا عندما ظهر من المشركين خيانة ونقض فأمر الله سبحانه بأن ينبذ إليهم عهدهم.
وبما أنّ هذه الحادثة تشتمل على أعمال ذات طابع سياسي حكومي فهي إشارة من النبي للمسلمين بأنّ الأعمال الحكومية يجب أن يتصدى لها النبي أو رجل منه وهو ليس إلاّ الإمام علي(عليه السلام)، ولم يكن ما بلّغه الإمام عن النبي رواية أو حكماً شرعياً حتّى يصح أن يتحمّله أيّ واحد من الناس.
وقد ذكر هذا الأمر أغلب المفسِّرين في تفسيرهم لأوائل سورة التوبة ، وعدّها البعض منهم واحدة من موارد فضائل عليّ(عليه السلام)، بينما ذهبت شرذمة بتوجيه هذه الواقعة لئلاّ ينتقصوا من مقام أبي بكر[1]، وما على القرّاء الأعزّاء إلاّ مراجعة تفسير الفخر الرازي ، والمنار ، وتفسير الطبري، ومن كتب الحديث: الدرّ المنثور .
السؤال 160
يعترف الشيعة في كتبهم أنّهم لم يبلغهم علم الحلال والحرام ومناسك الحجّ إلاّ عن طريق أبي جعفر الباقر ، وهذا يعني أنّه لم يبلغهم عن عليّ(عليه السلام)شيءٌ في هذا ؟
الجواب :ما نقله جامع الأسئلة عن الشيعة أنّه لم يبلغهم علم الحلال والحرام إلاّ عن طريق أبي جعفر الباقر، كذب وافتراء على الشيعة.
لأنّ الشيعة الأوائل كانوا ملتفين حول الإمام علي والحسنين والإمام
[1]خصائص النسائي : 84 ، الحديث 73; وسنن الترمذي : 5 / 275، الحديث 3090 ; مستدرك الحاكم : 4 / 178، وغيرها .
زين العابدين يصدرون عن علومهم ويأخذون الحكمة من أفواههم حسب ما تسمح به الظروف. وهذه كتبهم تطفح بالكثير من الروايات عنهم(عليهم السلام).
نعم الّذي علّم الناس كيفية حج النبي ومناسكه هو أبو جعفر الباقر كما روى ذلك مسلم في صحيحه[1]ناقلاً ذلك عن جابر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه أيضاً حقيقة صرح بها أبوحنيفة وقال: «لولا جعفر بن محمد ما علم الناس مناسك حجّهم»[2].
السؤال 161
يقول الشيخ المامقاني : «تشرّف الرجل برؤية الحجّة ـ عجّل الله فرجه وجعلنا في كلّ مكروه فداه ـ بعد غيبته ، فنستشهد بذلك على كونه في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة ضرورة» . فلماذا لا نجري هذا الحكم على من رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟
الجواب :سمع جامع الأسئلة أنّ القياس هو أحد منابع الاستنباط ـ عند قومه ـ ولكنّه لم يعلم ما هو شروط القياس الصحيح حتّى يميزه عن القياس الباطل ؟
فمن الواضح أنّ قياس هاتين الرؤيتين غير صحيح ، وأنّ التفاوت بينهما كبير ، فرغم أنّ مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله)أعلى من مقام وليّ العصر والزمان (عجل
[1]صحيح مسلم: 4 باب حجة النبي: 39 ـ 43 ; سنن أبي داود: 2 / 182، الحديث 1905.[2]من لا يحضره الفقيه: 2 / 519، برقم 3112، باب نوادر الحج.
الله فرجه) ، إلاّ أنّ رؤية النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم تكن محفوفة بأيّ شرط من الشروط ، فالعادل والكافر والفاسق والمنافق كلّهم وفّقوا لرؤيته(صلى الله عليه وآله)، أمّا فيما يخصّ رؤية الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فإنّها غير ممكنة في الظروف الطبيعيّة، لأنّه سبحانه أخفاه عن أعين عامة الناس ، فإذا تسنّى لشخص رؤيته (عجل الله فرجه) فهذا يحكي عن أنّ الشخص قد بلغ من الكمالات الروحية درجة عالية رزقه الله سبحانه لأجلها، رؤية وليّه.
السؤال 162
يردّ الشيعة رواية من أنكر إماماً من أئمّتهم ، فردّوا روايات الصحابة لأجل هذا ، ثمّ نجدهم لا يفعلون ذلك مع مَن أنكر بعض أئمّتهم . فقد أكّد الشيخ الحرّ العاملي على أنّ الإماميّة عملت بأخبار الفطحيّة والواقفيّة والناووسيّة ، وكلّ هذه الطوائف تذكر بعض أئمّة الشيعة الاثنى عشريّة ، ومع ذلك يعدّون بعض رجالها ثقات ؟
الجواب :انّ الميزان في العمل بخبر الواحد أحد أمرين:
1. إمّا أن يكون الراوي ثقة في الحديث وضابطاً في النقل بحيث يثبت أنّه لا يكذب .
2. كون الخبر موثوقاً بصدوره وإن كان الراوي غير ثقة.
وعلى كل تقدير فالميزان هو أحد الأمرين فلو عملت الشيعة بخبر
الفطحية أو الواقفية فإنّما تعمل به فيما لو ثبتت وثاقتهم في الحديث وضبطهم في الرواية، وإلاّ فلا يعملون به.
ونظير ذلك روايات الصحابة فإذا ثبتت وثاقتهم في الحديث وضبطهم فالشيعة تعمل به.
كما أنّه لو ثبت كون الرواية موثوقاً بها لأجل قرائن تؤيدها يعمل بها من غير فرق بين راو، وراو ، فإذاً الصحابي والفطحي والواقفي في هذا الباب سواء، فالميزان أحد الأمرين، وبذلك ظهر كذب ما أسنده جامع الأسئلة إلى الشيعة، ومن حسن الحظ أنّ كتب الحديث الشيعية طفحت بروايات وردت عن الصحابة وقد عمل بها فقهاء الشيعة، يقف على ذلك كل من سبر كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي، و «تذكرة الفقهاء» للعلاّمة الحليّ، وغيرهما من الكتب.
السؤال 163
يعتقد بعض علماء الشيعة بأنّ كتاب «الكافي» للكليني فيه الصحيح والضعيف والموضوع ، ومن المقرّر بين الشيعة أنّ هذا الكتاب قد عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فقال : «إنّه كاف لشيعتنا» .
الجواب :يعدّ كتاب الكافي كتاباً قيّماً ومهمّاً للعالم الإسلامي ، لأنّه يحتوي الروايات الصحيحة في باب المعارف والأحكام ، ولكن في نفس