السؤال 175
أمامنا فريقان ; فريق طعن في كتاب الله مدّعياً وقوع التحريف والتبديل فيه (وهم الشيعة) وفريقٌ آخر سلّم الخلافة لأبي بكر بدلاً عن عليّ (وهم الصحابة) ووجّهوا ضربة إلى أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فلماذا يلتزم الشيعة الصمت حيال الفريق الأوّل ويقومون بضجّة كبيرة على الفريق الثاني ؟
الجواب :إنّ السائل تخيّل وجود فريقين نسب لأوّلهما ما شاء من الأُمور التافهة، وفريق آخر هم صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الذين سلّموا الخلافة لأبي بكر بدلاً من علي(عليه السلام).
وحقيقة الأمر أنّ المسلمين بعد رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا على نمط واحد، وسبيل فارد، والّذي فرق بينهم هو أنّ قسماً من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، من أنّ الخلافة هي لعلي وعترته الطاهرة.
ومال الآخرون إلى تناسي النص، والإعراض عن العمل، فسلّموا الأمر إلى أبي بكر.
هذا هو واقع الفريقين، وأمّا القول بالتحريف فمهما كان القائل به ومهما كان له موقع في المجتمع فهو مرفوض سنياً كان أو شيعياً.
وقد ثبت في البخاري أنّ الخليفة الثاني كان يصر على أنّ آية رجم الشيخين لأجل الزنا جزء من القرآن الكريم.
وقد قام أحد الكتاب المصريين بتأليف كتاب باسم «الفرقان» زعم فيه أنّ القرآن الموجود حالياً غير القرآن الّذي أُوحي إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد صادره جامع الأزهر، ونعم ما فعل .
وقد قلنا: إنّ روايات التحريف موجودة في كتب الفريقين ولكن جماهير الفريقين غير قائلين به، وأود أن أذكر هنا أمراً هو: أنّ الدكتورة عائشة يوسف المناعي، عميدة كلية الشريعة في قطر قد ألفت كتاباً: أسمته «موقف الشيعة من التحريف» وأقامت براهين جليلة محكمة على أنّ الشيعة ـ بمعنى أكابرها وعظمائها ـ أبرياء من هذه التهمة.
فيا جامع الأسئلة اقتد بهذه الكاتبة الحرة الّتي بذلت جهوداً لتحري الحقيقة على خلاف طريقتك في طرح الأسئلة حيث إنّك تجمع الأسئلة من هنا وهناك، وهدفك هو فقط تشويش الأذهان، وإبعاد المسلمين عن دينهم ومنهجهم.
كما أنّ الشيعة لا يرضون المساس بحرمة أهل البيت(عليهم السلام)كما فهم ولا يسمحون لكل مَن تسوّل له نفسه المساس بحرمة القرآن والقدح فيه ، ولا يلتزمون الصمت حياله والشاهد على ذلك الكتب التحقيقيّة الكثيرة التي كُتبت في شأن عدم تحريف القرآن الكريم ، أمثال كتاب «آلاء الرحمن» للمرحوم البلاغي ، وكتاب «البيان في تفسير القرآن» للمرحوم آية الله
الخوئي، و «صيانة القرآن من التحريف» لآية الله محمد هادي معرفة ، و«التحقيق في نفي التحريف» للسيّد علي الميلاني ، والكثير من الكتب والمؤلّفات الأُخرى .
فأنت يا جامع الأسئلة من الانترنت إمّا إنّك لا تعرف هذه الكتب ، أو تعرفها إلاّ أنّك لست مستعداً لقبول الحقيقة!
السؤال 176
قال الله تعالى :(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ). . .)[1]، فهذا نصٌّ في إبطال اتّباع أحددون رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟
الجواب :
إنّ هذا السؤال أشبه بسؤال الخوارج حيث قاموا في وجه عليّ وعامّة المسلمين رافعين شعارهم «لاحكم إلاّ لله» وقال علي(عليه السلام)في جوابهم: كلمة حق يراد بها باطل، ولعلّ جامع الأسئلة لم يجد أفضل من ابن حزم الّذي برّر قتل ابن ملجم للإمام علي(عليه السلام)بأنّه تأوّل واجتهد فجاء بكلامه الطويل في فصل عقده باسم باب الإمامة والمفاضلة، وحاصل ما طعن به مذهب الشيعة هو ما يلي: قال الله تعالى:(اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)[2]، فهذا نص في إبطال اتّباع أحد دون رسول الله، وإنّما الحاجة إلى
[1]الأعراف : 3 .[2]الأعراف: 3 .
فرض الإمامة لينفذ الإمام عهود الله تعالى الواردة إلينا من عبد فقط، لا لأن يأتي الناس بما لا يشاؤونه في معرفته من الدين الّذي أتاهم به رسول الله، ووجدنا علياً(رضي الله عنه)إذا دُعي إلى التحاكم إلى القرآن أجاب وأخبر بأنّ التحاكم إلى القرآن حق، ولو كان التحاكم إلى القرآن لا يجوز بحضرة الإمام لقال علي حينئذ كيف تطلبون تحكيم القرآن وأنا الإمام المبلغ عن رسول الله.[1]
والآن نجيب عن هذا الإشكال: لو كان الاتباع منحصراً بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فما معنى قوله سبحانه:(أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)[2]فإن قال: إنّ إطاعة ولي الأمر هي طاعة نفس الرسول ولذلك لم يكرر الفعل وقال:(وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)دون أن يقول: «وأطيعوا أُولي الأمر» فنحن نقول بمثل ذلك فإنّ إطاعة الإمام نفس إطاعة النبي فإنّه لا يحكي إلاّ سنّة النبي وفعله وتقريره، ويُعد اتّباعه اتّباعاً للنبي.
والرجل لبعده عن العراق الّتي كان معقل الشيعة زعم أنّ اتّباع الإمام في عرض اتّباع الرسول وغفل عن أنّهم شعبة منهم.
ثم إنّ المراد من اتبّاع الأئمة هو أخذ العلوم عنهم بحكم أنّ الأئمة هم أحد الثقلين، فهم أعدال القرآن وقرناؤه، فمن اتّبعهم وأطاعهم فقد أطاع النبي واتّبعه، ومن أطاعه واتّبعه فقد أطاع الله سبحانه.
فلننظر إلى حياة المسلمين بعد الرسول، فقد واجهتهم مسائل مستجدة
[1]الفصل لابن حزم: 4 / 159 .[2]النساء: 59 .
وحوادث لم يكن لها جواب في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فمن هو المجيب عن هذه الأسئلة؟ والمفروض أنّه لم ترد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة، فبما أنّ الإسلام دين مكتمل الأركان فلابد أن يكون هناك جماعة لهم تربية إلهية ووعي خاص يجيبون عن هذه الأسئلة المستجدة، والقائم بهذا عند الشيعة هو الإمام .
نعم قام القوم في مقام الإجابة عن هذه الأسئلة بتأسيس قواعد أُصولية تتكفل بالإجابة عنها، كالقياس والاستحسان وفتح الذرائع وسدها، إلى غير ذلك من القواعد الّتي ما أنزل الله بها من سلطان، وبذلك استغنوا عن الرجوع إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين هم عيبة علم الرسول ومعادن حكمه.
فاتّضح من ذلك أنّ كلاًّ من الفريقين لابد لهم من مرجع في الأُمور المستجدة، فالمرجع عند الشيعة هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، والمرجع عند غيرهم هم الفقهاء الذين يستنبطونها من تلك القواعد.
فإن كان اتّباع الفقهاء حسناً فليكن اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)أولى، وإن كان مذموماً مرفوضاً واتّباعاً لغير الله ـ كما زعم ابن حزم ـ فالواجب على السلفيّين رفض مشايخهم قبل أن يعترضوا على الشيعة .
السؤال 177
وصل مذهب التشيّع إلينا عن طريق رواة أمثال زرارة وغيره ، والحال أنّ الأئمّة(عليهم السلام)قد ذمّوا هؤلاء ، وباعتماد الشيعة على أقوال هؤلاء الأشخاص الذين ذمّهم الأئمّة(عليهم السلام)يكونون قد ردّوا قول أئمّتهم!
الجواب :أوّلاً : يستفيد الشيعة في مجال المعارف والأحكام من حوالي 10000 راو ، وقد حفظوا أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)عن طريق هؤلاء الرّواة ، وليس الأمر كما ذكر من أنّ المعارف والأحكام تُؤخذ من بعض الأشخاص القليلين ، الذين ورد في شأنهم ذمّ ، حتّى ثبتت المذمّة في حقّهم ، زال مذهب التشيّع وانهار!
ويمكن أن تتّضح عظمة هؤلاء الرواة وكثرة الحفّاظ من خلال إلقاء نظرة مختصرة على كتاب «تنقيح المقال» للعلاّمة المامقاني ، وكتاب «معجم رجال الحديث» للسيد أبي القاسم الخوئي .
ثانياً : إن كانت هناك مذمّةً لزرارة ، فقد وردت روايات أُخرى من الأئمّة(عليهم السلام)تمدحه وتُثني عليه ، ونحن نذكر أنّ انتقاص الأئمّة من هؤلاء الأشخاص وذمّهم ، كان الغرض منه هو الحفاظ على أرواحهم وأموالهم ، لأنّ زرارة بن أعين ـ مثلاً ـ كان من رجال الكوفة المعروفين والمشهورين ، والخلافة العبّاسيّة تتحسّس منه ، فقد كان شيخ القبيلة ، وفي نفس الوقت
عالماً وفقيهاً ، فما صدر من الإمام(عليه السلام)من الانتقاص منه وذمّه في مجاله التي لا تخلو من عيون وجواسيس إلاّ ليتمكن بذلك من المحافظة على نفسه وماله في تلك الظروف الصعبة والحرجة ، وكلّ من يستحضر تلك الأوضاع المرعبة والظروف الموحشة في تلك الأيّام يُدرك سبب إبعاد الأئمّة(عليهم السلام)لبعض أصحابهم وعدم السماح لهم بالاقتراب منهم حفظاً لحياتهم ، ولكي لا تفهم آلة السلطة أنّهم أتباعٌ للأئمّة وشيعةً لهم .
يقول أبو بصير للإمام الصادق(عليه السلام): « . . . جُعلت فداك فإنّا قد نبزنا نبزاً (لُقِّبنا لقباً) انكسرت له ظهورنا وماتت منه أفئدتنا واستحلّت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم ، قال : فقال أبو عبدالله(عليه السلام): الرافضة ؟ قال : قلت: نعم ، قال : لا والله ما هم سمّوكم ولكن الله سمّاكم به»[1]. هذا جانب من وضع الشيعة في ذلك الزمان الصعب . فافهم .
وقد تمت دراسة هذا الموضوع في مقدمة كتاب مسند زرارة، وقد جاء فيها: إذا صدر عن الإمام الصادق(عليه السلام)في بعض الظروف كلام لا يناسب شأن الرجل فإنّما صدر عنه(عليه السلام)لحفظ دمه وعرضه، لأنّ الرجل كان وليد بيت كبير ضرب بجرانه الكوفة وأطرافها، وكان معاشراً مع أكابر السنّة وحكّامهم وقضاتهم، وكان في بيته من لم يتشيّع بعدُ، وكان أعداء أهل البيت يكنّون العداء لحامل ولائهم ورافع لوائهم، فأراد الإمام(عليه السلام)بكلامه هذا صيانة دمه. وقد صرح الإمام بذلك في كلامه مع ولده عبدالله بن زرارة فقال: أقرئ منّي
[1]روضة الكافي : 34 ; فضائل الشيعة للمرحوم الصدوق : 21 ، ولعل المراد أنّ الشيعة رفضت إطاعة الظالمين وعارضت حكومتهم.
على والدك السلام وقل له إنّي أُعيبك دفاعاً منّي عنك، فإنّ الناس والعدوّ يسارعون إلى كلّ من قرّبناه وحمدنا مكانه، لإدخال الأذى في من نحبّه ونقرّبه، ويرمونه لمحبّتنا له وقربه ودنوّه منّا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله، ويحمدون كل من عبناه نحن، فإنّما أُعيبك لأنّك رجل اشتهرت بنا ولميلك إلينا وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر بمودتك لنا وبميلك إلينا، فأحببت أن أُعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك ويكون بذلك منّا دافع شرهم عنك. ثم تمثّل بآية السفينة الّتي كانت لمساكين... وقال: والله ما عابها إلاّ لكي تسلم من الملك ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة ليس للعيب منها مساغ.[1]
إنّ هناك بوناً شاسعاً بين أبي بصير خصّيص الإمام الصادق(عليه السلام)وزرارة بن أعين، إذ لم تكن لأبي بصير أيّة صلة بالشخصيات البارزة في العراق خصوصاً الحكّام والقضاة، وما كان معروفاً في أوساط العراق; وهذا بخلاف زرارة، فقد كان من رجال العراق ورئيس القبيلة، وكفى في ذلك ما قاله الجاحظ: زرارة بن أعين مولى بني أسعد بن نام. وقال: رئيس التميمية. ويصفه أبو غالب وهو من مشايخ الشيعة ومن أبناء ذلك البيت الرفيع بقوله: إنّ زرارة كان وسيماً جسيماً، وكان يخرج إلى الجمعة وعلى رأسه برنس أسود وبين عينيه سجادة وفي يده عصا، فيقوم له الناس سماطين، ينظرون إليه لحسن هيئته، وربما رجع عن طريقه، وكان خصماً جدلاً لا يقوم أحد لحجته، إلاّ أنّ العبادة أشغلته عن الكلام، والمتكلّمون من الشيعة تلاميذه.[2]
[1]رجال الكشي: 138، برقم 221 .[2]مسند زرارة بن أعين: 11.