سنة يضعون يداً على يد ولا يحرّكون ساكناً ، ولا يقومون بأيّ عمل ، وما داموا لم يكونوا على رأس السلطة فإنّه لم يكن لهم أيّ تأثير على المجتمع الإسلامي في الهداية والتربية ومنع الظالمين عن ظلمهم .
والحقيقة غير ذلك تماماً ، لأنّ الأئمّة(عليهم السلام)كان لهم تأثيرٌ كبير في المجتمع الإسلامي عن طريق انتهاجهم طرقاً مختلفة استطاعوا من خلالها هداية المجتمع والتأثير فيه .
1 ـ الجامعة الإسلاميّة التي تأسّست في المدينة على يد الإمام الباقر وولده الإمام الصادق(عليهما السلام)حيث تجاوز عدد طلاّبها الـ 4000 طالب تخرّجوا كلّهم فقهاء ومحدّثون استفاد منهم العالم الإسلامي قاطبةً ، يقول الحسن بن علي الوشاء : «رأيت في مسجد الكوفة تسعمائة محدث كلّهم يقول : حدّثني جعفر بن محمّد».[1]
فبالرغم من عدم وجود أئمّة الشيعة على سدّة الحكم وامتلاكهم للقدرة إلاّ أنّهم استطاعوا حفظ الأُمّة من الانحراف عن طريق التربية والتعليم .
2 ـ وأمّا مقاومتهم للظلم والجور ، فبالرغم من انعزالهم الظاهري عن الساحة السياسية ، إلاّ أنّهم سلكوا منهجاً جعل المسلمين ينتبهون إلى عدم لياقة الحكّام الأُمويّين والعبّاسيّين للخلافة ، حتّى أصبحت قلوب أُولئك الحكّام تمتلئ خوفاً وربّما أمسكوا عن بعض الجرائم التي كانوا ينوون
[1]رجال النجاشي ، ترجمة الحسن بن علي الوشاء ، برقم : 79 .
الإقدام عليها . هذا ولو كان الأئمّة(عليهم السلام)قد وضعوا يداً على يد أو جعلوا أيديهم في أيدي الحكّام لما تعرّضوا للقتل والاغتيال سواء بالسيف أم بالسمّ .
3 ـ ولنتجاوز ذلك لنقول : على الرغم من أنّه لا حقّ لنا بفتح أفواهنا أمام الخدمات التي قدّمها أئمّة أهل البيت ، إلاّ أنّنا نودّ التذكير أنّ الإمامة هي لطّف من الله تعالى على المجتمع ، وبإمكانها أن تترك أثراً فيه في كلّ مرحلة من مراحله ، ولو أنّ الأثر المساعد لم يتحقّق ولم يتمكّنوا من الحكم السياسي ، فهذا بسبب تقصير الناس ، وليس القصور من الأمر الإلهي أو للإمام .
إنّ منطق الشيعة في تنصيب الإمام هو منطق القرآن الكريم فقد بعث الله أنبياءه ورسله لأهداف سامية صرح بها بقوله:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ... )[1]، فنحن نسأل جامع الأسئلة هل تحقّقت هذه الغاية الّتي لأجلها بعث الله أنبياءه ورسله ، أوأنّها لم تتحقق بعد بشكل كامل؟!
إنّما يجب على الله من باب اللطف هو تهيئة الظروف للهداية وبلوغهم للسعادة، وهنا تختلف الأحوال فمن صلحت سريرته ينهل من هذا الماء المعين، وأمّا من خبثت فيحرم منه، ويعد العدّة على خلافه.
ومع الأسف أنّ هذا السؤال قد تكرر في مجموع الأسئلة[2]دفعنا إلى
[1]الحديد: 25 .[2]انظر جواب السؤال رقم 129، والسؤال رقم 130 .
تكرار الجواب، مخافة أن يتخيل القارئ أو جامع الأسئلة صحة كلامه فيما لو لم نجب عن هذا السؤال.
السؤال 181
ورد في كتاب نهج البلاغة أنّ عليّاً(عليه السلام)كان يناجي ربّه بهذا الدّعاء : «اللّهم اغفر لي ما أنت أعلمُ به منّي ، فإن عدتُ فعُد عليَّ بالمغفرة ، اللّهم اغفر لي ما وأيت من نفسي ولم تجد له وفاءً عندي ، اللّهم اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني ثمّ خالفه قلبي ، اللّهم اغفر لي رمزات الألحاظ وسقطات الألفاظ ، وشهوات الجنان وهفوات اللِّسان» ، فهو(عليه السلام)يدعو الله بأن يغفر له ذنوبه من السهو وغيره، وهذا يتنافى مع العصمة ؟
الجواب :لا شكّ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد عُصم من الذنوب باتّفاق المسلمين وتسالمهم على ذلك ، خصوصاً بعد بعثته فإنّه لم يخدش في عصمته أحد ، ومع هذا فإنّه كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرّة كما قال هو(صلى الله عليه وآله): «وإنّه ليُغان على قلبي فأستغفر الله كلّ يوم سبعين مرّة»[1]والله سبحانه وتعالى أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله)في القرآن بالاستغفار ، قال تعالى :(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالاِْبْكَارِ)[2].
[1]تفسير الرازي: 15 / 98 ; تفسير البيضاوي: 4 / 134 .[2]غافر : 55 .
وقال أيضاً :(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)[1].
فهل هذا يعني أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يكن معصوماً ؟
إنّ كبار المفسّرين والمتكلِّمين عندهم بحثٌ جميل وجذّاب لهذا النوع من الاستغفار ، خصوصاً في الكلمات التي علّمها الإمام عليّ(عليه السلام)لكميل بن زياد .
ويجب أن نؤكّد ونقول : إنّ أحد الغايات التي يتوخاها الإمام(عليه السلام)من دعائه هذا، هي تعليم الناس كيفية الدعاء .
السؤال 182
يزعم الشيعة أنّه ما من نبيّ من الأنبياء إلاّ ودعا إلى ولاية عليّ(عليه السلام)، وأنّ الله قد أخذ ميثاق النبيّين بولاية عليّ .
ونحن نعلم أنّ دعوة الأنبياء كانت إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله ، وإذا كانت ولاية عليّ(عليه السلام)مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ، فلماذا انفرد الشيعة بنقلها ؟
الجواب :هذا السؤال يشتمل على فرعين:
الأوّل: أنّ دعوة الأنبياء كانت إلى التوحيد واخلاص العبادة لله. لا الدعوة إلى ولاية علي(عليه السلام).
[1]محمّد : 19 .
الثاني: إذا كانت ولاية عليّ(عليه السلام)مكتوبة في الصحف فلماذا انفرد الشيعة بنقلها؟
والجواب عن الأوّل: أنّ الأصل المشترك في دعوة الأنبياء هو توحيد عبادة الله تعالى، قال سبحانه:(وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[1].
وهذا هو الأساس لدعوة الأنبياء، ولكن لا يعني ذلك أنّهم لم يدعوا إلى شيء آخر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى عشرات الواجبات.
قال سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)[2].
والدعوة إلى ولاية الإمام أمير المؤمنين جزءاً من هذه الأُمور كما أنّ رسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت منها، يقول سبحانه:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ)[3].
وقد ضاق منطق المؤلف فزعم أنّ الدعوة إلى التوحيد يضاد الدعوة إلى ما يطلبه من الفروع.
والجواب عن الثاني ـ أعني: لماذا لم ينقل ذلك سوى الشيعة ـ : لأنّكم
[1]النحل: 36.[2]الحج: 41 .[3]الأعراف: 157 .
كلّما وصلتم إلى فضائل أهل البيت ، ارتعدت فرائصكم وسعيتم في تضعيفها أو معارضتها . ولذلك لم يكن عندكم داع للرجوع إلى الكتب السماوية حتّى تقرأوا صحف الأنبياء .
ولنتجاوز ذلك إلى القول : إنّ المقصود ليس هو الدعوة إلى ولايتهم وإنّما هو البشارة بولايتهم ، وهذه المسألة واضحة جدّاً في نبوّة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله)، حيث أمر الله أنبياءه السابقين بالتبشير بنبوّة نبيّ الإسلام ، قال تعالى :(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً)[1].
السؤال 183
هل تزوّج الأئمّة زواج المتعة ؟ ومن هم أولادهم من المتعة؟
الجواب :يكفي في مشروعيّة الزواج المؤقّت ما جاء في القرآن الكريم :(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)[2].
وما ذكره المفسرون حول الآية من استمتاع بعض الصحابة في عصر النبي الأكرم وبعده، إلى أن وصلت الخلافة إلى الثاني فحرمها كما مرّ .
وأمّا أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد تمتعوا أم لا؟ فهذا بحث تاريخي لا يمت إلى العقائد بصلة.
[1]الأحزاب : 7 .[2]النساء : 24 .
نحن نفترض أنّهم لم يتمتعوا فليس الترك دليلاً على الحرمة وإنّما الدليل هو الفعل لا الترك.
السؤال 184
يقول الشيعة: إنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)باب العلم ، فكيف يجهل حكم المذي ويُرسل للنبيّ(صلى الله عليه وآله)مَن يعلّمه الأحكام المتعلّقة بذلك ؟
الجواب :إنّ حديث «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» نقله ما يزيد عن مائة وثلاثة وأربعين محدِّثاً سنّياً في كتبهم ، وقد ورد ذكرهم بالتفصيل في كتاب الغدير[1].
فلو اعترض جامع الأسئلة على هذا الحديث فهو يعترض على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي تواتر قوله ذلك في حق علي.
وأمّا إرسال علي شخصاً للسؤال عن حكم المذي فعلى فرض ثبوته وصحة نقله، فالإمام قد تعلم الأحكام تدريجياً بفضل عناية الله سبحانه ورسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو يصف موقعه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يقول: «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاِْقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلاَ يَرَاهُ
[1]الغدير : 6 / 86 ـ 111 .
غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ».[1]
وهذا هو علي أيضاً يقول: «إذا سألت أجابني وإذا سكت ابتدأني».[2]
وأمّا إرساله شخصاً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في مسألة يمكن أن يكون له تفسيرات مختلفة، ويمكن أن يكون أحد تلك التفسيرات لكي يُفِهم الناس، أنّ ما يقوله قد وصل إليه من شخص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه هو صاحب الشريعة.
السؤال 185
إنّ الجريمة التي اقترفها الصحابة ـ عند الشيعة ـ هي انحرافهم عن ولاية عليّ(عليه السلام)، فتصرّفهم هذا أسقط عدالتهم عند الشيعة ، فما بالهم لم يفعلوا ذلك مع الفرق الشيعيّة الأُخرى الذين أنكروا بعض الأئمّة(عليهم السلام)مثل الفطحيّة والواقفيّة ؟
الجواب :بيان الحق في هذا الموضوع يتم على خطوات هي:
الأُولى: أنّ القول بانحراف الصحابة جميعاً عن علي والعترة الطاهرة فرية بلا ريب، وقد ثبت على ولاية علي(عليه السلام)ثلة كبيرة من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يناهز عددهم 250 صحابياً ذكرت أسماؤهم وصفاتهم في الكتب الرجالية،
[1]نهج البلاغة، الخطبة: 192.[2]تاريخ مدينة دمشق: 42 / 386 .