الثاني: إذا كانت ولاية عليّ(عليه السلام)مكتوبة في الصحف فلماذا انفرد الشيعة بنقلها؟
والجواب عن الأوّل: أنّ الأصل المشترك في دعوة الأنبياء هو توحيد عبادة الله تعالى، قال سبحانه:(وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[1].
وهذا هو الأساس لدعوة الأنبياء، ولكن لا يعني ذلك أنّهم لم يدعوا إلى شيء آخر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى عشرات الواجبات.
قال سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)[2].
والدعوة إلى ولاية الإمام أمير المؤمنين جزءاً من هذه الأُمور كما أنّ رسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت منها، يقول سبحانه:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ)[3].
وقد ضاق منطق المؤلف فزعم أنّ الدعوة إلى التوحيد يضاد الدعوة إلى ما يطلبه من الفروع.
والجواب عن الثاني ـ أعني: لماذا لم ينقل ذلك سوى الشيعة ـ : لأنّكم
[1]النحل: 36.[2]الحج: 41 .[3]الأعراف: 157 .
كلّما وصلتم إلى فضائل أهل البيت ، ارتعدت فرائصكم وسعيتم في تضعيفها أو معارضتها . ولذلك لم يكن عندكم داع للرجوع إلى الكتب السماوية حتّى تقرأوا صحف الأنبياء .
ولنتجاوز ذلك إلى القول : إنّ المقصود ليس هو الدعوة إلى ولايتهم وإنّما هو البشارة بولايتهم ، وهذه المسألة واضحة جدّاً في نبوّة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله)، حيث أمر الله أنبياءه السابقين بالتبشير بنبوّة نبيّ الإسلام ، قال تعالى :(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً)[1].
السؤال 183
هل تزوّج الأئمّة زواج المتعة ؟ ومن هم أولادهم من المتعة؟
الجواب :يكفي في مشروعيّة الزواج المؤقّت ما جاء في القرآن الكريم :(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)[2].
وما ذكره المفسرون حول الآية من استمتاع بعض الصحابة في عصر النبي الأكرم وبعده، إلى أن وصلت الخلافة إلى الثاني فحرمها كما مرّ .
وأمّا أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد تمتعوا أم لا؟ فهذا بحث تاريخي لا يمت إلى العقائد بصلة.
[1]الأحزاب : 7 .[2]النساء : 24 .
نحن نفترض أنّهم لم يتمتعوا فليس الترك دليلاً على الحرمة وإنّما الدليل هو الفعل لا الترك.
السؤال 184
يقول الشيعة: إنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)باب العلم ، فكيف يجهل حكم المذي ويُرسل للنبيّ(صلى الله عليه وآله)مَن يعلّمه الأحكام المتعلّقة بذلك ؟
الجواب :إنّ حديث «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» نقله ما يزيد عن مائة وثلاثة وأربعين محدِّثاً سنّياً في كتبهم ، وقد ورد ذكرهم بالتفصيل في كتاب الغدير[1].
فلو اعترض جامع الأسئلة على هذا الحديث فهو يعترض على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي تواتر قوله ذلك في حق علي.
وأمّا إرسال علي شخصاً للسؤال عن حكم المذي فعلى فرض ثبوته وصحة نقله، فالإمام قد تعلم الأحكام تدريجياً بفضل عناية الله سبحانه ورسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو يصف موقعه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يقول: «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاِْقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلاَ يَرَاهُ
[1]الغدير : 6 / 86 ـ 111 .
غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ».[1]
وهذا هو علي أيضاً يقول: «إذا سألت أجابني وإذا سكت ابتدأني».[2]
وأمّا إرساله شخصاً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في مسألة يمكن أن يكون له تفسيرات مختلفة، ويمكن أن يكون أحد تلك التفسيرات لكي يُفِهم الناس، أنّ ما يقوله قد وصل إليه من شخص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه هو صاحب الشريعة.
السؤال 185
إنّ الجريمة التي اقترفها الصحابة ـ عند الشيعة ـ هي انحرافهم عن ولاية عليّ(عليه السلام)، فتصرّفهم هذا أسقط عدالتهم عند الشيعة ، فما بالهم لم يفعلوا ذلك مع الفرق الشيعيّة الأُخرى الذين أنكروا بعض الأئمّة(عليهم السلام)مثل الفطحيّة والواقفيّة ؟
الجواب :بيان الحق في هذا الموضوع يتم على خطوات هي:
الأُولى: أنّ القول بانحراف الصحابة جميعاً عن علي والعترة الطاهرة فرية بلا ريب، وقد ثبت على ولاية علي(عليه السلام)ثلة كبيرة من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يناهز عددهم 250 صحابياً ذكرت أسماؤهم وصفاتهم في الكتب الرجالية،
[1]نهج البلاغة، الخطبة: 192.[2]تاريخ مدينة دمشق: 42 / 386 .
ولولا خوف الإطالة لذكرنا أسماؤهم، وكفانا في ذلك ما ذكره واعظ العراق المفوّه الدكتور أحمد الوائلي في كتابه «هوية التشيّع»، حيث ذكر اسماء 133 منهم[1].
الثانية: أنّ الانحراف عن الحق قليلاً كان أو كثيراً مذموم مرفوض، لأنّ الإسلام عقيدة وشريعة لا يحق لأحد التبعيض بينهما.
الثالثة: أنّ الفريقين الفطحية والواقفية قد شايعوا علياً إلى درجة معيّنة، بخلاف من لم يشايعه وترك عدل القرآن، وأحد الثقلين وراء ظهره، فهو بالنسبة إلى الإمام لا في حل ولا في مرتحل.
السؤال 186
تتّفق مصادر الشيعة على العمل بالتقيّة للأئمّة وغيرهم ; وهي أن يظهر الإمام غير ما يُبطن ، وقد يقول غير الحق. ومن يستعمل التقية لايكون معصوماً، لأنّه حتماً سيكذب، والكذب معصية ؟
الجواب :نحن نسأل السائل إذا كانت التقية أمراً مشروعاً في الذكر الحكيم ـ كما تدل عليه الآيات الكريمة ـ فلا معنى للاعتراض على من يستعمل التقية عملاً بقوله سبحانه:(إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)[2].
[1]لاحظ: هوية التشيّع: 33 ـ 35 .[2]آل عمران: 28 .
إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عماراً باستخدام التقية وقال له: «فإن عادوا فعد»[1]. وبعد هذا هل يجوز لجامع الأسئلة أن يعترض على التقية بأنّه من يتقي يكذب والكذب معصية.
إليس هذا إطاحة بالوحي؟! فهل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بالمعصية؟!
وإذا قال جامع الأسئلة إنّ الآيات ناظرة إلى التقية من الكفّار ولكن الأئمة يستعملون التقية من الحكام المسلمين فالجواب ما ذكره الإمام الشافعي بأنّه لا فرق في وجوب التقية أو جوازها بين الحاكم الكافر والحاكم الظالم، يقول الرازي في تفسيره: إنّ مذهب الشافعي يرى أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماةً عن النفس.[2]
هذا كله إذا نظرنا إلى التقية من حيث هي هي وأمّا إذا نظرنا إليها من باب الاضطرار فمن المعلوم أنّه أحد المسوغات في ارتكاب الحرام إذا دار الأمر بين حفظ النفس وغيره.
ولكن المحققين ذكروا أنّ التورية لا تستلزم الكذب، لأنّ المورّي ربّما يستعمل المعاريض، والتفصيل في محله.
ثم إنّ أحمد بن حنبل مُقتَدى السلفيّين وكذلك أتباعه عملوا بالتقيّة في مسألة خلق القرآن ، رغم وجود فرق بين تقيّة أحمد بن حنبل وتقيّة أتباعه ، فليس أئمّة الشيعة وحدهم من يعمل بالتقيّة ، بل إنّ إبراهيم(عليه السلام)بطل التوحيد
[1]جامع البيان: 14 / 237 ; احكام القرآن: 3 / 249 ; الطبقات الكبرى: 3 / 249 .[2]مفاتيح الغيب للرازي: 8 / 13.
عمل بالتقيّة ـ على حسب رأي المفسّرين ـ وذلك عندما قال لمشركي عصره(فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ)[1]، فاستعمل التقيّة حتّى لا يجبروه على الخروج معهم خارج المدينة ، فإذا ما خرجوا وتركوه، قصد الأصنام وحطّمها وجعلهم جذاذاً ، إلاّ أنّ صحيح البخاري ـ للأسف الشديد ـ يعتبر إبراهيم(عليه السلام)كاذباً في هذا الحادث.[2]
السؤال 187
ينقل الكليني أنّ بعض أنصار الإمام عليّ(عليه السلام)طالبه بإصلاح ما أفسده الخلفاء الذين سبقوه ، فرفض محتجّاً بأنّه يخشى أن يتفرّق عنه جنده ، مع أنّ التّهم التي وجّهوها للخلفاء تشمل مخالفة القرآن والسنّة ، فهل ترك عليّ لتلك المخالفات يناسب العصمة ؟
الجواب :للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط بيّنها الفقهاء في الكتب الفقهيّة ، وأحد هذه الشروط أن لا يكون دفع «الفاسد» «بالأفسد» ، فكذلك بالنسبة لأيّام خلافة عليّ(عليه السلام)، فإنّ طرح تلك المسائل لم يكن لها تأثير يوم ذاك، بل كانت لها آثار سيّئة وعواقب وخيمة . لذلك فإنّه لمّا سأله رجل من بني أسد أثناء حرب صفّين وكان من أصحاب عليّ(عليه السلام)فقال : «كيف
[1]الصافات : 89 .[2]صحيح البخاري : 4 / 112، كتاب بدء الخلق .
دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به ؟ فقال : يا أخا بني أسد . . .
أمّا الاستبداد بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدون برسول الله(صلى الله عليه وآله)نوطاً، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين».[1]
ثمّ أراد الإمام أن يبيّن له أنّ المقام لا يناسب السؤال عن كيفيّة غصب قومه لحقّه في الخلافة ، وأنّ واجبنا اليوم الاهتمام بمسألة معاوية فقال له : «هلّم الخطب في ابن أبي سفيان» .
وقد حاول الإمام عليّ(عليه السلام)القضاء على بدعة من البدع باسم «صلاة التراويح» ، لكنّه قُوبِلَ بصراخ فريق يقول : «واعمراه» فكيف للإمام أن يحارب البدع في ظلّ هكذا ظروف ؟!
السؤال 188
لقد اختار عمر ستّة أشخاص للشورى بعد وفاته ثمّ تنازل منهم ثلاثة ، ثمّ تنازل عبد الرحمن بن عوف ، فبقي عثمان وعليّ(عليه السلام)، فلماذا لم يذكر عليّ(عليه السلام)منذ البداية أنّه موصى له بالخلافة ؟
الجواب :هذا السؤال مكرّر ، وقد أجبنا عنه فيما سبق[2]، ولو أنّ
[1]نهج البلاغة ، الخطبة : 160 .[2]انظر جواب السؤال رقم 31.