السؤال 7
يعتقد الشيعة أنّ أئمّتهم يعلمون الغيب ، فلو صحّ ذلك ألا يُعدّ شرب الإمام للسمّ نوعاً من الانتحار ؟
الجواب :إنّ الشهادة في سبيل الله واختيار الموت الأحمر من الإمام هو نوع من أداء التكليف ، بل هو عين التسليم لمشيئة الله تعالى . فالحسين بن عليّ(عليهما السلام)سلك طريق كربلاء مع علمه التام بأنّه سيُقتل ; لأنّ الشهادة كانت بالنسبة إليه تكليفاً، حتّى يطّلع المسلمون على حقيقة الأمويّين ويزول ذلك الوضع السيّىء، ويكون قد أحيا روح الجهاد ضدّ حكّام الجور ، فحاكم مثل يزيد الّذي ينكر الوحي ويشكّك في النبوّة ويقوم بالانتقام لأسلافه في حروب بدر وأحُد ، وهو القائل :
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
لستُ من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
ليت أشياخي ببدر شهِدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل[1]
فمثل هذا الحاكم يجب القيام بوجهه والثورة عليه وبيان انحرافه عن الإسلام الصحيح.
[1]روضة الواعظين: 191 ; الاحتجاج: 2 / 34 ; تاريخ الطبري: 8 / 187 .
وفي مواجهة الحكومة الجائرة لابدّ للإمام مع العلم القطعي بموته ، من قبوله للشهادة والعمل بتكليفه ووظيفته ، هذا كله حول ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)وأمّا شهادة سائر الأئمة بالسمّ فالإجابة عن ذلك بوجهين:
الأوّل: إنّ عمليات الاغتيال بالسمّ التي تعرّضوا لها كان نتيجة لجهادهم باللِّسان والقلم ضدّ الظَلَمة وخلفاء الجور . ولو أنّهم آثروا السلامة بالتخلّي عن هذا الجهاد ، لكانوا قد أعطوا الفرصة للأعداء المترصّدين لهم للقضاء على الإسلام ، لذلك عندما يُقال إنّ شهادتهم وموتهم كان باختيارهم فالمقصود هو هذا ، أي محاربة الظالمين باختيارهم مع علمهم بالنتيجة الحتميّة المتمثّلة في القتل والتسميم ، ولو وضعوا يداً على يد ، وباركوا أعمال الظَلَمة من خلفاء الأمويّين والعبّاسيّين لاستحال عليهم نيل تلك الشهادة .
إنّ حياة الأئمّة(عليهم السلام)لم تكن حياةً إنزوائيّة إنعزاليّة ، فهم كانوا يقومون بأداء وظائفهم من تبيين الأحكام وبيان العقائد وفضح ظلم الحكام، حيث كانت النتيجة الحتميّة لذلك هو قتلهم وتسميمهم ، وهم قد قبلوا ذلك بكامل اختيارهم لضمان النجاح والتقدّم لمقاصد الإسلام ، وهذا هو المقصود من اطلاعهم على شهادتهم .
والثاني: هو أنّ تمكّن الإمام من العلم بالغيب ليس علماً حضورياً بل هو علم حصولي يتوقف على مشيئته فإن شاء علم، مثل ذلك مثل من يحمل معه رسالة، فهو يستطيع في أيّ وقت أن يفتحها ويطّلع على مضمونها، فإن لم يفتح لا يقف على مضمونها. فإذا وافتهم المنية بالسم وغيره، فإنّما هو لأجل عدم رغبتهم في الاطلاع على الغيب .
السؤال 8
كان الحسن بن عليّ(عليهما السلام)يمتلك قوّة كبيرة تمكِّنه من خوض الحرب ، ومع ذلك صالحَ معاوية ، أمّا الحسين بن عليّ(عليهما السلام)فلم يكن يمتلك قوّة تمكّنه من خوض حرب ومع ذلك خرج في مقاتلة جيش يزيد! وهذا يدلّ على أنّ أحدهما (الحسن والحسين) كان مخطئاً ؟
الجواب :1. أنا أعجب من هذا السائل وأصحابه لأنّهم ألبسوا الصحابة لباس العدالة إن لم نقل لباس العصمة ، وهم يعدّونهم على جانب كبير من الطهارة والتنزّه عن المعصية .
أو ليس الحسن والحسين اللّذان ورد الثناء عليهما ومدحهما على لسان جدّهما رسول الله(صلى الله عليه وآله)في الأحاديث الصحيحة من الصحابة ؟ ولماذا يجب تخطئة أحدهما ؟
إنّ هذا يدلّ على أنّ مروّج الأسئلة شخص ناصبي وانّه لم يُعر أيّ اهتمام لقرّتيّ عيني رسول الله وفلذتيّ كبده ، ولم يهتم بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)بحقهما: «مَنْ أحبّني وأحبّ هذين (يعني الحسن والحسين) وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة»[1].
[1]سنن الترمذي : 5 / 305، برقم 3816، باب 92 مناقب علي بن أبي طالب ; مسند أحمد : 1 / 77 .
وقال أيضاً : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»[1].
2 ـ صاحب السؤال يتصوّر أنّ هذين الإمامين الطاهرين كانا يطلبان السلطة والحكومة ، وأنّ هدفهما كان كهدف معاوية الذي صعد المنبر بعد صلحه مع الإمام الحسن بن عليّ ، وقال : ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجّوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم .[2]
فالحسن والحسين إمامان معصومان ، كانا يؤدّيان واجبهما ووظيفتهما ، ولم يكونا يبحثان عن الحكم ، فكانت وظيفتهما أحياناً تتمثّل في عقد الصلح ، وأحياناً أُخرى تتمثّل في الثورة والجهاد ، شأنهما في ذلك شأن جدّهما النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)الذي قاتل في بدر وأُحد والأحزاب ، وصالح في الحديبيّة .
3 ـ إنّ الحسن بن عليّ(عليهما السلام)لو كان جيشه مطيعاً له، لسلك نفس الطريق الذي سلكه أخوه الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، لأنّ جيش الحسن(عليه السلام)غلب عليه الخلاف والتشتت وحبّ الراحة والدِّعة، وتسرب حب الدُّنيا إلى قلوب أصحابه فتقاعسوا عن الجهاد وحبّ الشهادة، وخوض حرب بهكذا جيش ليس معناه إلاّ الهزيمة والدمار ، ممّا جعل الحسن(عليه السلام)يسحب يده من الحرب ويتحمّل مرارة الصلح .
[1]سنن الترمذي : 5 / 321، برقم 3856، باب مناقب الحسن والحسين(عليهما السلام); مستدرك الحاكم : 3 / 151 ـ 154 .[2]البداية والنهاية: 8 / 140 .
ولعلّه لا توجد وثيقة أصدق وأبلغ من كلام الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)، لرسم أبعاد المجتمع المتشتّت والمنقسم في تلك الأيّام ، وتبيّن مدى عجز العراقيّين عن الحرب في ذلك الزمان، فعندما كان الحسن(عليه السلام)في «المدائن» وهي أقصى نقطة تقدّم إليها جيشه لمواجهة معاوية ، قام بإلقاء خطبة جامعة مهيّجة للأحزان ، حيث قال بعد حمد الله عزّ وجلّ :
«إنّا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فسُلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم في منتدبكم إلى صفّين ودينكم أمام دُنياكم ، فأصبحتم اليوم ودُنياكم أمام دينكم ، ألا وأنّا لكم كما كنّا ، ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين ; قتيلٌ بصفّين تبكون عليه ، وقتيلٌ بالنهروان تطلبون بثأره ، فأمّا الباقي فخاذل ، وأمّا الباكي فثائر ، ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بظباء السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا» . فناداه القوم من كلّ جانب: البقية البقية ، فلمّا أفردوه[1]أمضى الصلح.[2]
فإنّ النظر إلى جيش كهذا فاقد لروح القتال ، كيف يمكن للإمام(عليه السلام)أن يدخل به في حرب مع عدوٍّ ماكر مثل معاوية ؟ وهل يبقى هناك أملٌ بالانتصار مع هذا الحال ؟
لقد كتب المؤرِّخون كتباً قيّمة حول موضوع صلح الإمام الحسن(عليه السلام)
[1]أفردوه : أي تركوه فرداً وحيداً .[2]أُسد الغابة : 2 / 17 .
ولكن للأسف أنّ صاحب هذا الكتيّب ليس له علمٌ بذلك ، ولذلك ننصح من يريد التعرّف على هذا الموضوع أن يقرأ كتاب «صلح الحسن» للشيخ راضي آل ياسين .
وهناك أمرٌ آخر نشير إليه هنا وهو أن عدم مقاتلة الحسن(عليه السلام)بذلك الجمع من جيشه كما قاتل أخوه الحسين(عليه السلام)بذلك العدد القليل من أصحابه (72 رجلاً) ، يعود إلى أنّ الإمام الحسن(عليه السلام)كان يعلم أنّ شهادته في تلك الظروف سوف لا تساعد على تغيير الأوضاع ، ولا تقود الناس للثورة على النظام الأموي الظالم ، لأنّهم لم يتعرفوا آنذاك على هذا النظام بشكل جيّد والرؤية عندهم لم تكن واضحة ، على خلاف وضوح الرؤية في عهد يزيد بن معاوية ومعرفة ظلمه وفجوره، ممّا دفع بالحسين(عليه السلام)بالثورة عليه ، فكانت شهادته سبباً حرّك العالم الإسلامي برمّته ، وأوجدت ثورات متعاقبة .
السؤال 9
نقل جامع الأسئلة حديثاً من أُصول الكافي ورد فيه ذكر «مصحف فاطمة» حيث أخذ لفظة المصحف بمعنى القرآن ، وقام بطرح أسئلة عديدة منها:
هل كان رسول الله والصحابة يعرفون قرآن فاطمة ؟
الجواب :إنّ السائل يتصوّر أنّ لفظة «مصحف» هي بمعنى القرآن في لغة العرب ، وكذا في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله)، والحال أنّ لفظة «مصحف» أُخذت من
لفظة «صحيفة» وهي بمعنى مطلق الكتاب .
وقد جاءت هذه الكلمة في القرآن ، قال تعالى :(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)[1]. وقال سبحانه:(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الاُْولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)[2].
كما أنّ التاريخ شاهد على أنّ «المصحف» في صدر الإسلام كان يُطلق على الدفتر أو الكتاب المجلّد ، وحتّى بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يكن المصحف اسماً للقرآن بل كان اسماً لكلّ كتاب مجلَّد .
ينقل ابن أبي داود السجستاني في باب جمع القرآن في مصحف ، عن محمّد بن سيرين : عندما توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله)أقسم عليّ على أن لا يضع رداءه على عاتقه إلاّ لصلاة الجمعة حتّى يجمع القرآن في مصحف .
كما ينقل ابن أبي العالية : أنّهم جمعوا القرآن في خلافة أبي بكر في مصحف . ونُقل أيضاً : أنّ عمر بن الخطّاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان فقُتل يوم اليمامة فقال : إنّا لله ، وأمر بالقرآن فجُمع ، وكان أوّل من جمعه في مصحف.[3]
وهذه الجمل المنقولة تحكي أنّ المصحف في تلك الأيّام بمعنى الكرّاس الكبير أو الكتاب المجلّد ، يوضع لحفظ الأوراق المبعثرة ، وبمرور الزمن أصبح المصحف مختصّاً بالقرآن .
والجدير بالذكر أنّ روايات أئمّتنا(عليهم السلام)تحكي أنّه حتّى في زمانهم كان
[1]التكوير : 10 .[2]الأعلى : 18 و 19 .[3]كتاب المصاحف ، تأليف الحافظ أبي بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني : 16 .
لفظ المصحف بمعنى الكتاب والدفتر المكتوب .
يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره وخفّف عن والديه».[1]
وقال أيضاً : «قراءة القرآن في المصحف تُخفّف العذاب عن الوالدين وإن كانا كافرين».[2]
ونقل المؤرّخون حول ترجمة خالد بن معدان : الحمصي (المتوفّى 104 هـ ) ما رأيت أحداً ألزم للعلم منه ، كان علمه في مصحف له أزرار وعرى.[3]
وخالد بن معدان من التابعين وقد أدرك سبعين صحابيّاً.[4]
إلى هنا يتّضح أنّه إلى آخر القرن الأوّل كان لفظ «المصحف» بمعنى الكتاب المجلّد ، والكرّاس المجلّد الذي يكتب فيه العلماء والمتعلِّمون علومهم ، فإذا سمّوا بعد ذلك القرآن مصحفاً ، فإنّه بسبب تبادر ذلك إلى أذهانهم بعدما كُتب في الأوراق ، وجُمع على شكل كتاب مجلّد .
وبالالتفات إلى ما ذكرنا ، يزول ذلك العجب من أن يكون لبنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)مصحف جمعت فيه علومها لتتركه لأبنائها من بعدها كأفضل ميراث وأعزّ ذكرى .
[1]أُصول الكافي : 2 / 613 .[2]نفس المصدر .[3]تذكرة الحفاظ: 1 / 93 .[4]اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير : 3 / 123.