واللّطم عليهم وغيرها من مظاهر الحزن يُصبّ في هذا الاتّجاه ، حتّى لا تقع الأُمّة مرّةً أُخرى تحت ظلم الظالمين ولا تستسلم لبطشهم ; لأنّ الموت الأحمر خيرٌ من الحياة السوداء .
والنتيجة التي يمكن استخلاصها في هذا الصدد هي:
1 ـ إنّ إقامة العزاء على الأحبّة وذرف الدموع والبكاء عليهم هو نوع من الرحمة الإلهيّة ، التي تحكي عن الكمال الإنساني ، في مقابل القسوة التي تُصيب بعض القلوب فلا تبقي أثراً لتلك الرحمة بين الناس .
2 ـ الخروج في مجموعات ومسيرات وإقامة العزاء وإبراز مظاهر الحزن لأجل إحياء المذهب هو أمرٌ مطلوب ، وهو مورد مدح وثناء فضلاً عن أن يكون مورد نهي وتحريم .
3 ـ التظاهرات التي يقوم بها الشيعة أيّام تاسوعاء وعاشوراء وبعض الأيّام الأُخرى ، هي تظاهرات ذات طابع سياسي ; الهدف منها محاكمة بني أُميّة وفضحهم أمام كلّ من يحبّهم ويعتقد بولائهم ، وتجسيد لمظلوميّة أهل البيت(عليهم السلام)أمام الرأي العام العالمي . فاللطم والندب والصياح لغاية إلفات نظر الناس إلى تلك الوقائع المرّة الّتي يريد الظالمون إسدال الستار عليها فربّما لا يكون اللطم نابعاً عن الحزن فقط بل نابعاً عن الرغبة الشديدة في محاكمة الظالمين ـ الأمويين والعبّاسيين ـ في محكمة التاريخ فما ورد في اللطم لا يشمل هذه المظاهرات وإنّما هو راجع إلى المصائب الفردية.
4 ـ إنّ المخالفين لإقامة هذه المظاهر هم في الحقيقة يخافون من
انتشار فكر أهل البيت(عليهم السلام)عن طريق إعلان مظلوميّتهم ومعاناتهم على يد الظلمة ، فقاموا بالبحث عن طرق وأساليب تمنع الشيعة من إقامة تلك المظاهر ، معتمدين في ذلك على روايات من مصادر شيعيّة . وفي الحقيقة أنّهم يهدفون من عملهم هذا التغطية على ظلم بني أُميّة وتبرير أعمالهم المنافية للإسلام ، وإبعاد الناس عن أهل البيت(عليهم السلام)، إلاّ أنّ المطّلع على المذهب الشيعي يعرف أنّه لا يوجد عالم من علمائه يجوِّز ما ادّعوه من أعمال تخالف الأوامر الإلهيّة ، وكلّ عمل كذلك فالمذهب منه بريء وإن ارتكبه بعض الناس افراطاً منهم في الحب.
السؤال 12
ما حكم الضرب على الرأس إلى درجة الإدماء ؟
الجواب :ذكرنا في الجواب السابق أنّ إقامة مظاهر الحزن بغرض إحياء مذهب الحقّ ومحاكمة الظالمين من بني أُميّة وبني العبّاس ، هو نوع من الإعانة على الحقّ والدعوة إلى طريق الله ، لكن إذا اتّخذ هذا العمل صورة تخالف الشريعة الإسلاميّة أو تضمّن عملاً منافياً لها ، فإنّه سيكون مرفوضاً من قبل علماء الإسلام ويقومون بتسديد المؤمنين نحو الأعمال الصالحة .
ونحنُ هنا نسأل مروّج هذه الأسئلة عن الحادثة التالية :
قبل سنوات قام شاب أُردني بتفجير نفسه بحزام ناسف في حفل زفاف في مدينة الحلّة بالعراق فقتل معه مائة شخص ، وعندما وصل الخبر
إلى عائلته في الأردن ، قامت هذه العائلة بالاحتفال بتلك العمليّة ، مقيمة لولدها عرساً كأنّه عريس في ليلة زفافه .
فهل تجيزون مثل هذا القتل للأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ ؟
وهذه الحادثة هي واحدة من مئات الجرائم الّتي تجري ضد المسلمين باسم السلفية وبايدي أبناء الوهابيين وقد سمعنا أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى.
فابدأ بنفسك فانهها عن غيّها *** فإن انتهت منها فأنت حليمُ
(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )[1].
السؤال 13
لماذا لم يعترض من حضر من الصحابة في غدير خمّ وبايع عليّاً على غصب الخلافة؟
الجواب :إن هكذا سؤال يعرب عن أنّ السائل ليس له أدنى اطّلاع على تاريخ تلك الفترة ; إذ من أين له القول بأنّ الصحابة لم يعترضوا على إقصاء علي(عليه السلام)عن الخلافة ، ولأنّ المقام هنا مقام الاختصار ، فإنّنا لا نستطيع أن نورد كلّ الاحتجاجات والاعتراضات على تلك الحادثة الأليمة. وتكفي مطالعة كتاب «الغدير» الذي ذكر 22 مناظرة واحتجاجاً نُقل عن الصحابة والتابعين[2].
[1]الأنعام: 81 .[2]الغدير : 1 / 327 ـ 422 .
وما أجمل ما كتب عمرو بن العاص في رسالته لمعاوية قائلاً : ويحكَ يا معاوية . . . . وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم غدير خمّ : «ألا مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه اللُّهمَّ والِ مَنْ والاه وعاد مَن عاداه وانصُر مَنْ نَصَرَه واخذُل مَن خذلَه»[1].
أضف إلى ذلك أنّ جامع هذه الأسئلة تصوّر أنّ الصحابة يستحيل أن يتخلّفوا عن أمر من أوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله)والواقع غير ذلك ، كما نشاهده في ما رواه ابن عبّاس حيث قال : «لمّا اشتدّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده . قال عمر : إنّ النبيّ غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللّغط ، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عبّاس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حالَ بين رسول الله وبين كتابه».[2]
والموارد التي خالف فيها بعض الصحابة أوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله)أكثر من أن تُحصى في هذا المقام .[3]
[1]مناقب الخوارزمي : 199، الحديث 240 .[2]صحيح البخاري: 1 / 37، باب كتابة العلم ، الحديث 114.[3]راجع في هذا الصدد كتاب «النص والاجتهاد» للسيد عبدالحسين شرف الدين(قدس سره).
السؤال 14
أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله)أن يكتب رسالة قبل وفاته فمنعه عمر من ذلك ، فلماذا سكت عليّ(عليه السلام)ولم يقل شيئاً رغم أنّه رجلٌ يوصف بالشجاعة ؟
الجواب :تظهر الحقيقة فيما ذكره ابن عبّاس حول هذه الرزية حيث إنّه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ثمّ بكى حتّى خضّب دمعه الحصباء ، فقال :اشتدّ برسول الله(صلى الله عليه وآله)وجعه يوم الخميس ، فقال : «إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ التنازع ، فقالوا : أهجر رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟، قال : «دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه».[1]
وهنا نطرح هذين السؤالين :
1 ـ لماذا قام الخليفة الثاني بمخالفة أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟! أو لا يُعدّ هذا عصياناً لرسول الله(صلى الله عليه وآله)وتقدماً عليه الذي نهى عنه القرآن الكريم بقوله :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[2]؟!
2 ـ لماذا لم يكتب النبيّ(صلى الله عليه وآله)الرسالة ؟
[1]صحيح البخاري: 4 / 31، باب دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); لاحظ أيضاً صحيح البخاري: 1 / 37، 4 / 66، 5 / 137، 7 / 9، 8 / 161 ; صحيح مسلم: 5 / 75 .[2]الحجرات : 1 .
إنّ سبب ذلك واضح وجليّ، لأنّه لمّا اتّهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ نعوذ بالله ـ بالهذيان والهجر فلو كتب رسالة لوصفوها بما وصفوا به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). ولذلك يتضح لنا سبب عدم تدخّل الإمام عليّ(عليه السلام). ثمّ إنّه عندما يصرف النبيّ(صلى الله عليه وآله)النظر عن كتابة الرسالة فإنّه لا يبقى لعليّ حينئذ إلاّ الطاعة والامتثال .
إنّ جامع هذه الأسئلة أراد الإطاحة بعقائد الشيعة بأيّة وسيلة كانت ، ولكن وجود هذا الحديث في ستّة مواضع من صحيح البخاري تسبّب في هدم أساس المذهب الأموي ، ووجّه ضربة قاضية لما يُسمّى بعدالة جميع الصحابة ، ومن حسن الحظّ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)رغم عدم كتابته للكتاب إلاّ أنّه جبر ذلك بنحو آخر ، حيث إنّه قام في وقت سابق بالذهاب إلى المسجد وذكر حديث الثقلين قائلاً : «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».[1]
وهكذا نرى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)جاء بنفس الجملة «لن تضلّوا بعدي» التي ذكرها في حديث ابن عبّاس.
[1]خصّ المرحوم «مير حامد حسين» ستة مجلدات من كتابه «عبقات الأنوار» ذكر فيها سند هذا الحديث ومتنه وممّا ذكره كمثال على ذلك: سنن الترمذي : 2 / 307 ، مسند أحمد : 3 / 17 و 26 و 59 وج4 / 366 و 371 ، مستدرك الحاكم : 3 / 101 إلى 109 ، وكتاب السنّة لابن أبي عاصم : 629، الحديث 1553 .
السؤال 15
كيف يكون كتاب الكافي شرحاً وتفسيراً للقرآن ، على الرغم من أنّ أغلب رواياته ضعيفة ؟
الجواب :من أساليب اتّباع الباطل هي اتّهام الطرف المخالف أوّلاً ثمّ توجيه السؤال إليه ثانياً .
فنقول: أوّلاً : من أين يدّعي السائل أنّ أغلب روايات الكافي ضعيفة ؟
إنّ روايات الكافي على أربعة أقسام عند الشيعة :
1 ـ صحيحة 2 ـ موثّقة 3 ـ حسنة 4 ـ ضعيفة .
وتقسيم الشيعة لروايات أهمّ كتاب عندهم (الكافي) دليلٌ على واقعيّتهم ، لأنّه لا يوجد بين يدي البشر كتاب صحيح إلاّ القرآن الكريم . أمّا سائر الكتب الأُخرى فيجب أن تبقى مورد تحقيق وتأمّل من قبل العلماء .
ووفقاً لهذه الرؤية فإنّ كتاب الكافي قُسّم بدقّة فائقة إلى الأقسام الأربعة المذكورة آنفاً ، وقد عيّن العلاّمة المجلسي هذه الأقسام كلّها في كتابه «مرآة العقول» .
إنّ مؤلّف الكافي ذكر في أوّل الكتاب أنّ المعيار الذي تُوزن به الأحاديث هو ما نُقل عن الأئمّة(عليهم السلام)في قولهم : «إعرضوها على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدَعوه».[1]
[1]الكافي : 1 / 69، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب.
لكن في المقابل نجد أنّ أهل الحديث والسلفيّين ، يعتقدون بصحّة كتاب البخاري من أوّله إلى آخره ، ممّا جعلهم يواجهون مشاكل كثيرة ، ولا زالوا كذلك حتّى يومنا هذا ، والإشارة إلى تلك الأحاديث الموضوعة (التي يتضمّنها صحيح البخاري) لا يتناسب مع منهجنا في الاختصار ، ولدراسة هذا الموضوع بتفصيل أكثر ينبغي مراجعة الكتب التي صنفت في هذا المجال من قبيل كتاب «الحديث النبويّ بين الرواية والدراية» لآية الله جعفر السبحاني.
ثانياً :الادّعاء بأنّ الكافي هو شرح وتفسير للقرآن هو ادّعاءٌ يحتمل وجهين :
إذا كان المقصود من ذلك أنّ كتاب الكافي يبيّن ويفسّر مجملات القرآن أمثال الصلاة والزكاة والحجّ والجهاد ، وأجزاء وشرائط تلك المجملات ، فهذا أمرٌ لا يختصّ به الكافي فحسب ، فكلّ كتب الأحاديث ومن بينها صحاح أهل السنّة هي مُفسِّرة للقرآن بهذا المعنى .
وأمّا إذا كان المقصود أنّ كتاب الكافي كُتب كتفسير للقرآن شأنه شأن كتب التفاسير ، فهذا ادّعاء بلا أساس ، لم يقل به أحد .
وعلى فرض أنّه أخذ شكل كتاب التفسير فبسبب الضوابط التي راعاها الكاتب ، ممّا جعل رواياته ذات أهمّية وقيمة . بخلاف السلفيّين الذين يقبلون خبر الواحد ليس فقط في المسائل الفقهيّة والعمليّة بل حتّى في المسائل الاعتقاديّة ، ممّا جعلهم يواجهون مشاكل وتناقضات كبيرة . فقد عُقد