بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 73

وأمّا لماذا لم يقم أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)بنشر وإشاعة «حيَّ على خير العمل» فالسبب يعود إلى مواجهة عليّ(عليه السلام)في أيّامه لثلاث فرق : 1 ـ الناكثين ، 2ـ القاسطين ، 3 ـ المارقين . فكيف يفتح على نفسه جبهة رابعة ، رغم أنّه كان في بعض الموارد المناسبة يخفّف من البدع التي ابتدعها الخلفاء في الدِّين ، كما فعل ببدعة صلاة التراويح التي ابتدعها الخليفة الثاني وبقي العمل بها جارياً في مساجد بعض المسلمين إلى يومنا هذا ، على الرغم من أنّه لم يكن لها أيّ وجود على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)!![1].

روي عن عبدالرحمن بن عبد القاري أنّه قال : خرجت مع عمر بن الخطّاب ، ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يُصلّي الرجل لنفسه ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ، ثمّ خرجتُ معه ليلة أُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه ، والتي ينامون أفضل من التي يقومون ـ يريدُ آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوّله»[2].

إنّ هذا عملٌ مخالف لما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بل لقد منع رسول الله(صلى الله عليه وآله)العمل به ، وقد روي أنّه لمّا دخلت أوّل ليلة من شهر رمضان صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله)المغرب ثمّ صلّى أربع ركعات التي كان يصلّيهنّ بعد المغرب

[1]فتح الباري في شرح صحيح البخاري : 4 / 203 الحديث 2009 و 2010، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1405 هـ .[2]صحيح البخاري: 2 / 252 ; عمدة القاري للعيني: 11 / 125 ; النهاية لابن الأثير: 1 / 79 .


صفحه 74

في كلّ ليلة ، ثمّ صلّى ثماني ركعات ، فلمّا صلّى العشاء الآخرة وصلّى الركعتين اللّتين كان يصلّيهما بعد العشاء الآخرة ، وهو جالس في كلّ ليلة ، قام فصلّى اثني عشرة ركعة ، ثمّ دخل بيته ، فلمّا رأى ذلك الناس ، نظروا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقد زاد في الصلاة حين دخل شهر رمضان ، فسألوه عن ذلك فأخبرهم أنّ هذه الصلاة صلّيتها لفضل شهر رمضان على الشهور ، فلمّا كان من الليل قام يصلّي فاصطفّ الناس خلفه فانصرف إليهم ، فقال : أيُّها الناس إنّ هذه الصلاة نافلة ولن يُجتمع للنافلة وليصلِّ كلّ رجل منكم وحده ، وليقُل ما علّمه الله من كتابه ، واعلموا أن لا جماعة في نافلة ، فافترق الناس فصلّى كلّ واحد منهم على حياله لنفسه . . .»[1]. وهذا ما عليه الشيعة إلى يومنا هذا .

وفي رواية اُخرى : «أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ، ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيُصلّي ، فخرج في أوّل ليلة شهر رمضان ليُصلّي كما كان يصلّي فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم ، ففعلوا ذلك ثلاث ليال ، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : «أيُّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلّوا صلاة الضحى فإنّ ذلك معصية ، ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة سبيلها إلى النار» ، ثمّ نزل وهو يقول : «قليلٌ في سنّة خيرٌ من كثير في بدعة»[2].

[1]التهذيب للشيخ الطوسي: 3 / 64 ، فضل شهر رمضان والصلاة فيه .[2]المصدر السابق : 3 / 69 ـ 70 .


صفحه 75

ولمّا قدِمَ أمير المؤمنين(عليه السلام)الكوفة أمر الحسن بن عليّ(عليهما السلام)أن يُنادي في الناس : لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة ، فنادى الناس الحسن بن عليّ(عليه السلام)بما أمره أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن عليّ صاحوا : واعمراه واعمراه ، فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين(عليهما السلام)قال له : ما هذا الصوت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين الناس يصيحون : واعمراه واعمراه ، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «قُل لهم صلّوا»[1]. فأنكر منهم الاجتماع ولم ينكر منهم الصلاة .

والعجب أنّ عمر اعتبر هذه الصلاة «بدعة حسنة!» ، فهل يمكن أن تكون «البدعة في الدِّين» حسنة وجميلة ؟! .

وأخيراً نُذكِّر أنّ صلاة نوافل شهر رمضان شُرعت لتقام في البيوت بشكل منفرد لا في المساجد بشكل جماعيّ ، وفي هذا المورد ينبغي التوقّف عند الحديث الذي نقله مسلم في صحيحه ، حيث روى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : «عليكم بالصلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة»[2].

5 ـ أمّا عبارة «الصلاة خيرٌ من النوم» فقد أُضيفت للأذان فيما بعد عهد رسول الله وأبي بكر في نظر المحقّقين ، وهنا يكفي التذكير بأنّ مالكاً يذكر في الموطأ :

أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطّاب يؤذنه لصلاة الصبح

[1]المصدر السابق .[2]فتح الباري : 4 / 250 ، الحديث 201 .


صفحه 76

فوجده نائماً ، فقال : الصلاة خيرٌ من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.[1]

وتجدر الإشارة هنا إلى نكتة مهمّة وهي أنّ كلّ فقرة من فقرات الأذان تحتوي على واحدة من المعارف الإلهيّة أو تدعو إلى فريضة من الفرائض ، وفقرة «حيَّ على خير العمل» تشتمل على هذه الخصوصيّة حيث تعني أنّ الصلاة هي أفضل الأعمال وأعلاها قدراً ومنزلةً ، أمّا فقرة «الصلاة خير من النوم» فهي تبيّن أنّ الصلاة خيرٌ من النوم فقط ، وهذا ليس إلاّ تنقيصاً من شأن الصلاة . وهل يشكّ عاقل في أفضليّة الصلاة على النوم حتّى تحتاج إلى الإعلان من فوق المآذن : أيّها الناس إعلموا أنّ الصلاة خيرٌ من النوم ؟!

6 ـ أمّا قول السائل : «لماذا لم يأت عليّ بقرآن آخر للناس» ؟ فهذا سؤال لا يستحقّ الإجابة ; لافتقاده للقيمة العلميّة ، فهذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين هو بقراءة عاصم برواية حفص أخذها عن عليّ(عليه السلام)، وان علياً(عليه السلام)هو المدافع الأوّل عن حفظ القرآن وصيانته طوال عمره الشريف فكيف يطلب منه ان يخالفه ويأتي بغيره!! ثم ماهي الملازمة بين التصدّي للخلافة والاتيان بقرآن جديد، وهل سبقه الخلفاء السابقون إلى ذلك؟! فما الداعي لأن يأتي الناس بقرآن آخر ؟!

نعم ، إذا كان المقصود هو القرآن الذي احتفظ به عليّ لنفسه ، فالروايات ذكرت أنّ عليّاً قام بترتيب القرآن حسب نزول آياته ، واحتفظ به

[1]الموطأ : 78، برقم 8 .


صفحه 77

لنفسه وليس هناك أيّ اختلاف بينه وبين القرآن الموجود بين الدفّتين بين أيدي المسلمين إلاّ من جهة الترتيب والتنظيم.[1]

السؤال 19

توسّعت الفتوحات الإسلاميّة في زمن الخليفتين الأوّل والثاني ، ولكن في زمان خلافة عليّ بن أبي طالب اختلف المسلمون وانقسموا ودخلوا في حروب داخليّة مع بعضهم!! فكيف تفسِّرون ذلك ؟

الجواب :إذا كانت أفضليّة الأشخاص تُقاس بمقدار اتّساع الرقعة الجغرافيّة التي يحكمونها ، فإنّ معنى ذلك أنّ الخليفتين الأوّل والثاني أفضل من النبيّ(صلى الله عليه وآله); لأنّ انتشار الإسلام في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله)أقلّ من انتشاره في زمن الخليفتين الأوّل والثاني .

وإذا كان الميزان هو اتّساع الرقعة الجغرافية للحكومة الإسلاميّة فإنّ هارون «الرشيد» يكون حينئذ أفضل من الجميع حتّى من رسول الله(صلى الله عليه وآله)ـ حاشا لله ـ لأنّ شمس الإسلام قد أشرقت في زمن هارون أكثر من أيّ وقت آخر .

ثمّ إنّ النكتة اللطيفة هنا هي أنّ انتشار الإسلام على عهد الخليفتين الأوّل والثاني لم يكن نتيجة لجهودهما الشخصية، بل كان نتيجة لاستعداد

[1]تاريخ اليعقوبي : 2 / 135 ـ 136 ، طباعة بيروت ـ دار صادر .


صفحه 78

الشعوب المُتعبة والمُثقلة بظلم حكوماتها الجائرة لتقبّل الإسلام ، فنداء «لا إله إلاّ الله» المقترن بطلب العدالة والمساواة بين الناس هداهم إلى الإسلام . وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل دور الجهاد والشهادة التي جاء بها الإسلام ، والتي ساعدت في انتشار هذا الدِّين الحنيف . فلو كان هنا فضل فهو يرجع إلى المجاهدين في سبيل الله دون غيرهم ممّن لم يجردوا شيئاً في طريق نشر الإسلام .

أمّا الاختلافات والصراعات التي وقعت أيّام حكومة الإمام عليّ(عليه السلام)فقد كانت نتيجة طبيعيّة لسياسة الخلفاء، خصوصاً أيّام الخليفة الثالث ; حيث حلّت العصبية والقبلية محل العدالة والمحبّة الإسلامية ، وكان الإمام عليّ(عليه السلام)يريد إرجاع هذه الأُمّة عن تلك القبليّة والعصبيّة وهاوية الانحراف وحبّ الدُّنيا ، إلى سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)وأيّامه ، فقام أصحاب الدُّنيا بمخالفة سيرته(عليه السلام)حيث جيّشوا جيشاً بالأموال التي اغتصبوها من بيت مال المسلمين لمحاربة الإمام(عليه السلام). فحاربهم(عليه السلام)امتثالاً لصريح القرآن وأوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلم تكن الاختلافات والصراعات معلولة لحكومة عليّ(عليه السلام)، بل كانت أثراً طبيعياً للتربية غير السليمة لمن سبقه ممّن رفضوا حكومة العدل الإلهي وسعوا وراء ملذّاتهم الدنيويّة ، والتي وقف علي(عليه السلام)حائلاً بينهم وبينها ، ممّا دعاهم للتآمر عليه ومحاربته .


صفحه 79

السؤال 20

إذا كان معاوية رجلاً سيّئاً ، فلماذا قام الحسن بن عليّ(عليه السلام)بعقد الصلح معه ؟

الجواب :هذا السؤال تكرار للسؤال الثامن ولا يحتاج إلى جواب مستقلّ ، ولكن لا بأس بإضافة نقطتين في هذا المجال :

1 ـ معاوية بن أبي سفيان هو أوّل من قنّن سبّ الصحابة ولعنهم ; حيث أمر بلعن خليفة المسلمين وأمير المؤمنين(عليه السلام)، حتّى سمِع سعد بن أبي وقّاص يقول : لا ألعن عليّاً . . ..

فقد روى مسلم عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلن أسبّه ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبُّ إليَّ من حُمر النِّعم ; سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول له : خلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ : يارسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي . وسمعته يقول يوم خيبر : لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليّاً ، فأُتي به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه ، ولمّا نزلت هذه الآية :(فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله)عليّاً


صفحه 80

وفاطمة وحسناً وحسيناً ، فقال : «.. اللّهُمَّ هؤلاء أهلي . . .».[1]

والآن نطرح سؤالاً : أنّ من يعادي شخصية مثالية نظير الإمام عليٍّ(عليه السلام)ويأمر وعّاظه وخطباءه بلعنه على المنابر ، هل يُعتبر مسلماً ؟

2 ـ وجميل أن تسمع من صاحب تفسير المنار قوله : «قال أحد كبار علماء الألمان في الأستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكّة : إنّه ينبغي لنا أن نُقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا (برلين) ، فقيل له : لماذا ؟ قال : لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي من قاعدته الديمقراطية إلى عصبيّة الغلب ، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه ، ولَكُنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عرباً مسلمين.[2]

يقول اُستاذ البخاري (أعني إسحاق بن راهويه) : إنّني لا أعرف حديثاً صحيحاً حول معاوية . والبخاري بطريقته المعهودة وبأُسلوب ظريف جعل ذكر معاوية تحت عنوان «باب ذكر معاوية» بدلاً من باب فضائل معاوية .[3]

عن عبدالله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي ما تقول في عليٍّ ومعاوية ؟ فأطرق ، ثمّ قال : إعلم أنّ عليّاً كان كثير الأعداء ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا ، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه ، كيداً منهم لعليّ.

يقول ابن حجر في تعليقه على كلام أحمد بن حنبل : فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له.[4]

[1]صحيح مسلم : 7 / 120 ، ط القاهرة .[2]تفسير المنار : 11 / 260 .[3]صحيح البخاري: 4 / 219 .[4]فتح الباري: : 7 / 81 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب ذكر معاوية .