بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 104

بعهد منه بذلك، وأمر أن يكتب على قبره بهذه الأبيات «1» : [الطويل]
بنيت ولم «2» أسكن وحصّنت جاهدا ... فلمّا أتى المقدور صيّره «3» قبري
ولم يك «4» حظّي غير ما أنت مبصر ... بعينك ما بين الذّراع إلى الشّبر
فيا زائرا قبري أوصّيك جاهدا ... عليك بتقوى الله في السّرّ والجهر
فلا «5» تحسنن بالدّهر ظنّا فإنما ... من الحزم ألّا يستنام «6» إلى الدهر
أحمد بن محمد بن طلحة «7»
من أهل جزيرة شقر، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن جدّه طلحة.
حاله: قال صاحب «القدح المعلّى» «8» : من بيت مشهور بجزيرة شقر من عمل بلنسية، كتب عن ولاة الأمر «9» من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود «10» ، حين تغلّب على الأندلس، وربما استوزره «11» ، وهو ممّن كان والدي يكثر مجالسته، وبينهما مزاورة، ولم أستفد منه إلّا ما كنت أحفظه من «12» مجالسته.
شعره: قال «13» : سمعته يوما «14» يقول، تقيمون القيامة بحبيب «15» ، والبحتري، والمتنبي، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتد إليه المتقدّمون ولا المتأخّرون،


صفحه 105

فانبرى إليه «1» شخص له همّة «2» وإقدام، فقال «3» : يا أبا جعفر، أين «4» برهان ذلك، فما أظنك تعني إلّا نفسك «5» ، فقال «6» : ما أعني إلّا نفسي، ولم لا، وأنا الذي أقول «7» : [السريع]
يا هل ترى أظرف «8» من يومنا ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها ... مطربة «9» كلّ قضيب وريق
والشّمس لا تشرب خمر النّدى ... في الرّوض إلّا بكؤوس «10» الشّقيق
فلم ينصفوه في الاستحسان، وردّوه في الغيظ «11» كما كان، فقلت له: يا سيدي، هذا والله «12» السّحر الحلال، وما سمعت من شعراء عصرنا مثله، فبالله إلّا ما لازمتني وزدتني من هذا النمط، فقال لي: لله درّك، ودرّ أبيك من منصف ابن منصف. اسمع، وافتح أذنيك. ثم أنشد «13» : [الوافر]
أدرها فالسماء بدت عروسا ... مضمّخة الملابس بالغوالي
وخدّ الأرض «14» خفّره «15» أصيل ... وجفن «16» النّهر كحّل بالظّلال
وجيد الغصن يشرف «17» في لآل ... تضيء بهنّ أكناف اللّيالي
فقلت: بالله أعد وزد، فأعاد والارتياح قد ملأ «18» عطفه، والتّيه قد رفع أنفه،


صفحه 106

ثم قال «1» : [السريع]
لله نهر عندما زرته ... عاين طرفي منه سحرا حلال
إذ «2» أصبح الطّلّ به ليلة ... وجال «3» فيه «4» الغصن مثل «5» الخيال
فقلت: ما على هذا مزيد في الاستحسان «6» ، فعسى أن يكون المزيد في الإنشاد، فزاد ارتياحه وأنشد «7» : [الوافر]
ولمّا ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم «8» إنسان عيني ... فمدّ له المنام عليه جسرا
فقلت «9» : إيه زادك الله إحسانا، فزاد «10» : [الوافر]
ولمّا أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسرا ... كما مدّ الظلام على الضّياء
فقلت: فما تكرّر «11» ويطول، فإنه مملول، إلّا ما أوردته آنفا، فإنه كنسيم الحياة، وما إن يملّ، فبالله إلّا ما زدتني «12» ، وتفضّلت عليّ بالإعادة، فأعاد وأنشد:
[الكامل]
هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فردا بغير شبيه
فالصّبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت حمائمه تخاصم فيه «13»
دخوله غرناطة: دخلها مع مخدومه المتوكل على الله ابن هود وفي جملته، إذ كان يصحبه في حركاته، ويباشر معه الحرب، وجرت عليه الهزائم، وله في ذلك كلّه شعر.


صفحه 107

محنته: قالوا «1» : لم يقنع بما أجرى عليه أبو العباس الينشتي «2» من الإحسان، فكان يوغر صدره من الكلام فيه، فذكروا أن الينشتي قال يوما في مجلسه: رميت يوما بسهم من كذا، فبلغ إلى كذا؛ فقال ابن طلحة لشخص كان إلى جانبه: والله لو كان قوس قزح؛ فشعر أبو العباس إلى قوله ما يشبه ذلك، واستدعى الشخص، وعزم عليه، فأخبره بقوله، فأسرّها في نفسه، إلى أن قوّى الحقد عليه، من ما بلغه عنه من قوله يهجوه: [الوافر]
سمعنا بالموفّق فارتحلنا ... وشافعنا له حسب وعلم
ورمت يدا أقبّلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبدا وأسمو
فأنشدنا لسان الحال عنه «3» ... يد شلّا وأمر لا يتمّ
فزادت موجدته «4» عليه، وراعى أمره إلى أن بلغته أبيات قالها في شهر رمضان، وهو على حال الاستهتار: [الوافر]
يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون «5»
أتنتهكون «6» شهر الصّوم هلّا ... حماه منكم عقل ودين؟
فقلت اصحب سوانا، نحن «7» قوم ... زنادقة مذاهبنا فنون
ندين بكلّ دين غير دين الر ... رعاع فما به أبدا ندين
فحيّ على الصّبوح «8» الدّهر ندعو ... وإبليس يقول لنا أمين «9»
أيا «10» شهر الصيام إليك عنّا ... إليك «11» ففيك أكفر ما نكون


صفحه 108

قال: فأرسل إليه من هجم عليه، وهو على هذا «1» الحال، وأظهر إرضاء العامّة بقتله، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وستمائة «2» . ولا خفاء أنه من صدور الأندلس، وأشدّهم عثورا على المعاني الغريبة المخترعة، رحمه الله.
أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري
من أهل ألمريّة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن خاتمة «3» .
حاله: هذا «4» الرجل صدر يشار إليه، طالب متفنّن، مشارك، قويّ الإدراك، سديد النّظر، قوي الذهن، موفور الأدوات، كثير الاجتهاد، معين الطبع، جيّد القريحة، بارع الخط، ممتع المجالسة، حسن الخلق، جميل العشرة، حسنة من حسنات الأندلس، وطبقة في النظم والنثر، بعيد المرقى في درجة الاجتهاد، وأخذه بطرق الإحسان؛ عقد الشروط، وكتب عن الولاة ببلده، وقعد للإقراء ببلده، مشكور السّيرة، حميد الطريقة، في ذلك كله.
وجرى ذكره في كتاب «التّاج» بما نصّه «5» : «ناظم درر الألفاظ، ومقلّد جواهر الكلام نحور الرّواة ولبّات الحفّاظ، والآداب «6» التي أصبحت شواردها حلم النائم وسمر الأيقاظ، وكم «7» في بياض طرسها وسواد نقسها «8» سحر الألحاظ «9» . رفع «10» في قطره راية هذا الشأن على وفور حلبته، وقرع فنّه البيان على سموّ هضبته، وفوّق سهمه إلى بحر الإحسان، فأثبته في لبّته؛ فإن أطال شأن الأبطال، وكاثر المنسجم


صفحه 109

الهطّال؛ وإن أوجز، فضح وأعجز؛ فمن نسيب تهيج به الأشواق، وتضيق عن زفراتها الأطواق؛ ودعابة تقلّص ذيل الوقار، وتزري بأكواس العقار؛ إلى انتماء للمعارف، وجنوح إلى ظلّها الوارف؛ ولم تزل معارفه ينفسح آمادها، وتحوز خصل السباق جيادها» .
مشيخته: حسبما نقل بخطّه في ثبت استدعاه منه من أخذ عنه؛ الشيخ الخطيب، الأستاذ مولى النعمة، على أهل طبقته بألمريّة، أبو الحسن علي بن محمد بن أبي العيش المرّي؛ قرأ عليه ولازمه، وبه جلّ انتفاعه؛ والشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن العاص التّنوخي. وروى عن الراوية المحدّث المكثر الرحّال، محمد بن جابر بن محمد بن حسّان الوادي آشي؛ وعن شيخنا أبي البركات ابن الحاجّ، سمع عليه الكثير، وأجازه إجازة عامّة؛ والشيخ الخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن شعيب القيسي من أهل بلده؛ والقاضي أبو جعفر القرشي بن فركون. وأخذ عن الوزير الحاجّ الزاهد، أبي القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك. وقرأ على المقرئ أبي جعفر الأغرّ، وغيرهم.
كتابته: ممّا «1» خاطبني به بعد إلمام الرّكب «2» السلطاني ببلده، وأنا صحبته «3» ، ولقائه إياي، بما يلقى به مثله من تأنيس وبرّ، وتودّد، وتردّد: [الكامل]
يا من حصلت على الكمال بما رأت ... عيناي منه من الجمال الرائع
مرأى «4» يروق وفي عطافي برده ... ما شئت من كرم ومجد بارع
أشكو إليك من الزمان تحاملا ... في فضّ شمل لي بقربك جامع
هجم البعاد عليه ضنّا باللّقا ... حتى تقلّص مثل برق لامع
فلو انّني ذو مذهب لشفاعة ... ناديته: يا مالكي كن شافعي «5»
شكواي إلى سيدي ومعظّمي؛ أقرّ الله تعالى بسنائه أعين المجد، وأدرّ بثنائه ألسن الحمد! شكوى الظمآن «6» صدّ عن القراح العذب لأول وروده، والهيمان ردّ عن استرواح القرب لمعضل صدوده، من زمان هجم عليّ بإبعاده «7» ، على حين


صفحه 110

إسعاده «1» ، ودهمني بفراقه غبّ إنارة أفقي به وإشراقه؛ ثم لم يكفه ما اجترم في ترويع خياله الزاهر، حتى حرم عن تشييع كما له الباهر، فقطع عن توفية حقّه، ومنع من تأدية مستحقّه، لا جرم أنه أنف لشعاع «2» ذكائه، من هذه المطالع النائية «3» عن شريف الإنارة، وبخل بالإمتاع بذكائه، عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة، فراجع أنظاره، واسترجع معاره؛ وإلّا فعهدي بغروب الشمس إلى الطّلوع «4» ، وأنّ البدر ينصرف «5» بين الاستقامة والرجوع. فما بال هذا النيّر الأسعد، غرب ثم لم يطلع من الغد، ما ذاك إلا لعدوى الأيام وعدوانها، وشأنها في تغطية إساءتها وجه إحسانها، وكما قيل: عادت هيف إلى أديانها؛ أستغفر الله أن لا يعدّ ذلك من المغتفر في جانب ما أوليت «6» من الأثر «7» ، التي أزرى العيان فيها بالأثر، وأربى الخبر على الخبر «8» ؛ فقد سرّت متشوّفات الخواطر، وأقرّت متشرّفات «9» النواظر، بما جلت «10» من ذلكم الكمال الباهر، والجمال الناضر، الذي قيّد خطى الأبصار، عن التشوّف والاستبصار؛ وأخذ بأزمّة القلوب، عن سبيل كل مأمول ومرغوب؛ وأنّى للعين بالتحوّل عن كمال الزّين؟ أو للطّرف «11» ، بالتحوّل «12» عن خلال الظّرف؟ أو للسّمع من مراد، بعد ذلك «13» الإصرار والإيراد، أو للقلب من مراد، غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم في حلل وأبراد؛ وهل هو إلّا الحسن جمع في نظام، والبدر طالع التّمام، وأنوار الفضائل «14» ضمّها جنس اتفاق والتآم؛ فما ترعى العين منه في غير مرعى خصيب، ولا تستهدف الآذان «15» لغير سهم في حدق البلاغة مصيب؛ ولا تطلع «16» النفس سوى مطلع له في الحسن والإحسان أوفر نصيب. لقد أزرى بناظم حلاه فيما تعاطاه «17» التقصير، وانفسح من أعلاه بكل باع قصير، وسفه حلم القائل: إنّ الإنسان عالم صغير، شكرا للدهر على يد أسداها بقلب مزاره، وتحفة ثناء «18» أهداها بمطلع أنواره، على تغاليه في


صفحه 111

ادّخار «1» نفائسه، وبخله بنفائس ادّخاره؛ ولا «2» غرو أن يضيق عنّا نطاق الذّكر، ولمّا يتّسع لنا سوار الشكر؛ فقد عمّت هذه الأقطار بما شاءت من تحف، بين تحف وكرامة، واجتنت أهلها ثمرة الرحلة في ظلّ الإقامة، وجرى الأمر في ذلك مجرى الكرامة. ألا وإنّ مفاتحتي لسيدي ومعظّمي، حرس الله تعالى مجده، وضاعف سعده! مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه، وجرى له القدر على وفق مرغوبه؛ فشرع له إلى أمله «3» بابا، ورفع له من خجله جلبابا، فهو يكلف بالاقتحام، ويأنف من الإحجام، غير أنّ الحصر عن درج قصده يقيّده، فهو «4» يقدم والبصر يبهرج نقده فيقعده؛ فهو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، ويجدّد عزما ثم لا يتحرّى؛ فإن أبطأ خطابي فلواضح الاعتذار «5» ، ومثلكم لا يقبل حياة الأعذار؛ والله عزّ وجلّ يصل إليكم عوائد الإسعاد والإسعاف، ويحفظ لكم «6» ما للمجد من جوانب وأكناف، إن شاء الله تعالى.
كتب «7» في العاشر من ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة غير ما مرّة، منها في استدعاء شمال الخواصّ من أهل الأقطار الأندلسية، عند إعذار الأمراء في الدولة اليوسفيّة «8» ، في شهر شعبان من عام أحد وخمسين وسبعمائة.
شعره: كان مجلّيا، وأنشد في حلبة الشعراء قصيدة أولها «9» : [الكامل]
أجنان خلد زخرفت أم مصنع؟ ... والعيد عاود أم صنيع يصنع؟
ومن شعره «10» : [الكامل]
من لم يشاهد موقفا لفراق ... لم يدر كيف تولّه العشّاق
إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهي وهول سياقي «11»
من حرّ أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآقي