الهطّال؛ وإن أوجز، فضح وأعجز؛ فمن نسيب تهيج به الأشواق، وتضيق عن زفراتها الأطواق؛ ودعابة تقلّص ذيل الوقار، وتزري بأكواس العقار؛ إلى انتماء للمعارف، وجنوح إلى ظلّها الوارف؛ ولم تزل معارفه ينفسح آمادها، وتحوز خصل السباق جيادها» .
مشيخته: حسبما نقل بخطّه في ثبت استدعاه منه من أخذ عنه؛ الشيخ الخطيب، الأستاذ مولى النعمة، على أهل طبقته بألمريّة، أبو الحسن علي بن محمد بن أبي العيش المرّي؛ قرأ عليه ولازمه، وبه جلّ انتفاعه؛ والشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن العاص التّنوخي. وروى عن الراوية المحدّث المكثر الرحّال، محمد بن جابر بن محمد بن حسّان الوادي آشي؛ وعن شيخنا أبي البركات ابن الحاجّ، سمع عليه الكثير، وأجازه إجازة عامّة؛ والشيخ الخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن شعيب القيسي من أهل بلده؛ والقاضي أبو جعفر القرشي بن فركون. وأخذ عن الوزير الحاجّ الزاهد، أبي القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك. وقرأ على المقرئ أبي جعفر الأغرّ، وغيرهم.
كتابته: ممّا «1» خاطبني به بعد إلمام الرّكب «2» السلطاني ببلده، وأنا صحبته «3» ، ولقائه إياي، بما يلقى به مثله من تأنيس وبرّ، وتودّد، وتردّد: [الكامل]
يا من حصلت على الكمال بما رأت ... عيناي منه من الجمال الرائع
مرأى «4» يروق وفي عطافي برده ... ما شئت من كرم ومجد بارع
أشكو إليك من الزمان تحاملا ... في فضّ شمل لي بقربك جامع
هجم البعاد عليه ضنّا باللّقا ... حتى تقلّص مثل برق لامع
فلو انّني ذو مذهب لشفاعة ... ناديته: يا مالكي كن شافعي «5»
شكواي إلى سيدي ومعظّمي؛ أقرّ الله تعالى بسنائه أعين المجد، وأدرّ بثنائه ألسن الحمد! شكوى الظمآن «6» صدّ عن القراح العذب لأول وروده، والهيمان ردّ عن استرواح القرب لمعضل صدوده، من زمان هجم عليّ بإبعاده «7» ، على حين
إسعاده «1» ، ودهمني بفراقه غبّ إنارة أفقي به وإشراقه؛ ثم لم يكفه ما اجترم في ترويع خياله الزاهر، حتى حرم عن تشييع كما له الباهر، فقطع عن توفية حقّه، ومنع من تأدية مستحقّه، لا جرم أنه أنف لشعاع «2» ذكائه، من هذه المطالع النائية «3» عن شريف الإنارة، وبخل بالإمتاع بذكائه، عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة، فراجع أنظاره، واسترجع معاره؛ وإلّا فعهدي بغروب الشمس إلى الطّلوع «4» ، وأنّ البدر ينصرف «5» بين الاستقامة والرجوع. فما بال هذا النيّر الأسعد، غرب ثم لم يطلع من الغد، ما ذاك إلا لعدوى الأيام وعدوانها، وشأنها في تغطية إساءتها وجه إحسانها، وكما قيل: عادت هيف إلى أديانها؛ أستغفر الله أن لا يعدّ ذلك من المغتفر في جانب ما أوليت «6» من الأثر «7» ، التي أزرى العيان فيها بالأثر، وأربى الخبر على الخبر «8» ؛ فقد سرّت متشوّفات الخواطر، وأقرّت متشرّفات «9» النواظر، بما جلت «10» من ذلكم الكمال الباهر، والجمال الناضر، الذي قيّد خطى الأبصار، عن التشوّف والاستبصار؛ وأخذ بأزمّة القلوب، عن سبيل كل مأمول ومرغوب؛ وأنّى للعين بالتحوّل عن كمال الزّين؟ أو للطّرف «11» ، بالتحوّل «12» عن خلال الظّرف؟ أو للسّمع من مراد، بعد ذلك «13» الإصرار والإيراد، أو للقلب من مراد، غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم في حلل وأبراد؛ وهل هو إلّا الحسن جمع في نظام، والبدر طالع التّمام، وأنوار الفضائل «14» ضمّها جنس اتفاق والتآم؛ فما ترعى العين منه في غير مرعى خصيب، ولا تستهدف الآذان «15» لغير سهم في حدق البلاغة مصيب؛ ولا تطلع «16» النفس سوى مطلع له في الحسن والإحسان أوفر نصيب. لقد أزرى بناظم حلاه فيما تعاطاه «17» التقصير، وانفسح من أعلاه بكل باع قصير، وسفه حلم القائل: إنّ الإنسان عالم صغير، شكرا للدهر على يد أسداها بقلب مزاره، وتحفة ثناء «18» أهداها بمطلع أنواره، على تغاليه في
ادّخار «1» نفائسه، وبخله بنفائس ادّخاره؛ ولا «2» غرو أن يضيق عنّا نطاق الذّكر، ولمّا يتّسع لنا سوار الشكر؛ فقد عمّت هذه الأقطار بما شاءت من تحف، بين تحف وكرامة، واجتنت أهلها ثمرة الرحلة في ظلّ الإقامة، وجرى الأمر في ذلك مجرى الكرامة. ألا وإنّ مفاتحتي لسيدي ومعظّمي، حرس الله تعالى مجده، وضاعف سعده! مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه، وجرى له القدر على وفق مرغوبه؛ فشرع له إلى أمله «3» بابا، ورفع له من خجله جلبابا، فهو يكلف بالاقتحام، ويأنف من الإحجام، غير أنّ الحصر عن درج قصده يقيّده، فهو «4» يقدم والبصر يبهرج نقده فيقعده؛ فهو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، ويجدّد عزما ثم لا يتحرّى؛ فإن أبطأ خطابي فلواضح الاعتذار «5» ، ومثلكم لا يقبل حياة الأعذار؛ والله عزّ وجلّ يصل إليكم عوائد الإسعاد والإسعاف، ويحفظ لكم «6» ما للمجد من جوانب وأكناف، إن شاء الله تعالى.
كتب «7» في العاشر من ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة غير ما مرّة، منها في استدعاء شمال الخواصّ من أهل الأقطار الأندلسية، عند إعذار الأمراء في الدولة اليوسفيّة «8» ، في شهر شعبان من عام أحد وخمسين وسبعمائة.
شعره: كان مجلّيا، وأنشد في حلبة الشعراء قصيدة أولها «9» : [الكامل]
أجنان خلد زخرفت أم مصنع؟ ... والعيد عاود أم صنيع يصنع؟
ومن شعره «10» : [الكامل]
من لم يشاهد موقفا لفراق ... لم يدر كيف تولّه العشّاق
إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهي وهول سياقي «11»
من حرّ أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآقي
دهي الفؤاد فلا لسان ناطق ... عند الوداع ولا يد «1» متراق
ولقد أشير لمن تكلّف رحلة ... أن عج عليّ ولو بقدر فواق «2»
عليّ أراجع من ذماي حشاشة ... أشكو بها بعض الذي أنا لاق
فمضى ولم تعطفه نحوي ذمّة ... هيهات! لا بقيا «3» على مشتاق
يا صاحبيّ وقد مضى حكم النّوى «4» ... روحا عليّ بشيمة «5» العشّاق «6»
واستقبلا بي «7» نسمة من «8» أرضكم ... فلعلّ نفحتها تحلّ وثاقي
إني ليشفيني النّسيم إذا سرى ... متضوّعا من تلكم الآفاق
من مبلغ بالجزع أهل مودّتي ... أني على حكم الصّبابة باق؟
ولئن تحوّل عهد قربهم «9» نوى ... ما حلت عن عهدي ولا «10» ميثاقي
أنفت خلائقي الكرام لخلّتي ... نسبا إلى الإخلاق والإخراق «11»
قسما به ما استغرقتني فكرة ... إلّا وفكري فيه واستغراقي
لي آهة «12» عند العشيّ لعلّه ... يصغي لها، وكذا مع الإشراق
أبكي إذا هبّ النسيم فإن تجد ... بللا به فبدمعي المهراق
أومي بتسليم «13» إليه مع الصّبا ... فالذّكر كتبي والرفاق رفاقي
من لي وقد شحط «14» المزار بنازح ... أدنى لقلبي من جوى أشواقي
إن غاب عن عيني فمثواه الحشا ... فسراه «15» بين القلب والأحداق
جارت عليّ يد النّوى بفراقه ... آها لما جنت النّوى بفراق
أحباب قلبي هل لماضي عيشنا «16» ... ردّ فينسخ بعدكم بتلاق؟
أم هل لأثواب التجلّد راقع ... إذ ليس من داء المحبّة راق
ما غاب كوكب حسنكم عن ناظري ... إلّا وأمطرت الدّما آماقي
إيه أخيّ أدر عليّ حديثهم ... كأسا ذكت عرفا وطيب مذاق
وإذا جنحت لماء او طرب فمن ... دمعي الهموع «1» وقلبي الخفّاق
ذكراه راحي، والصّبابة حضرتي «2» ... والدمع ساقيتي «3» ، وأنت الساقي
فليله «4» عنّي من لحاني إنني ... راض بما لاقيته وألاقي
وقال «5» : [البسيط]
وقفت والرّكب «6» قد زمّت ركائبه ... وللنفوس مع النّوى «7» تقطيع
وقد تمايل نحوي للوداع وهل ... لراحل «8» القلب صدر الرّكب توديع؟
أضمّ منه كما أهوى «9» لغير نوى ... ريحانة في شذاها الطّيب مجموع
تهفو «10» فأذعر خوفا من تقلّصها «11» ... إنّ الشّفيق بسوء الظنّ مولوع
هل عند من قد دعا بالبين مقلته «12» ... أنّ الرّدى منه مرئيّ ومسموع؟
أشيّع القلب من «13» رغم عليّ وما ... بقاء جسم له للقلب تشييع
أري وشاتي أنّي لست مفتقرا «14» ... لما جرى وصميم القلب مصروع
الوجد طبع «15» وسلواني مصانعة ... هيهات يشكل مصنوع ومطبوع «16»
«إنّ الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبيّن النّاس أنّ الثّوب مرقوع»
وقال أيضا «1» : [الكامل]
لولا حيائي من عيون النّرجس ... للثمت خدّ الورد بين السّندس
ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها ... وضممت أعطاف الغصون الميّس
وهتكت أستار الوقار ولم أبل «2» ... للباقلا «3» تلحظ بطرف أشوس
ما لي وصهباء الدّنان مطارحا ... سجع القيان مكاشفا وجه المسي
شتّان بين مظاهر ومخاتل ... ثوب الحجا ومطهّر ومدنّس
ومجمجم بالعذل باكرني به ... والطير أفصح مسعد بتأنّس
نزّهت سمعي عن سفاهة نطقه ... وأعرته صوتا رخيم الملمس
سفّهت في العشّاق يوما إن أكن ... ذاك الذي يدعى الفصيح الأخرس «4»
أعذول وجدي ليس عشّك فادرجي «5» ... ونصيح رشدي بان نصحك فاجلس
هل تبصر الأشجار والأطيار وال ... أزهار تلك الخافضات الأرؤس؟
تالله وهو أليّتي وكفى به ... قسما يفدّى برّه بالأنفس
ما ذاك من شكو ولا لخلالة «6» ... لكن سجود مسبّح ومقدّس
شكرا لمن برأ الوجود بجوده ... فثنى إليه الكلّ وجه المفلس
وسما بساط الأرض فيه «7» فمدّه ... ودحا بسيط «8» الأرض أوثر مجلس
ووشى بأنواع المحاسن هذه ... وأنار هذي بالجواري «9» الكنّس
وأدرّ أخلاف «1» العطاء تطوّلا ... وأنال فضلا من يطيع ومن يسي
حتى إذا انتظم الوجود بنسبة ... وكساه ثوبي نوره والحندس «2»
واستكملت كلّ النّفوس كمالها ... شفع العطايا بالعطاء الأنفس
بأجلّ هاد للخلائق مرشد ... وأتمّ نور للخلائق مقبس
بالمصطفى المهدي إلينا رحمة ... مرمى الرّجاء «3» ومسكة المتيئّس
نعم يضيق الوصف عن إحصائها ... فلّ الخطيب بها لسان الأوجس «4»
إيه فحدّثني حديث هواهم ... ما أبعد السّلوان عن قلب الأسي
«5»
إن كنت قد أحسنت نعت جمالهم ... فلقد سها عني العذول بهم وسي «6»
ما إن دعوك ببلبل إلّا لما ... قد هجت من بلبال هذي الأنفس
سبحان من صدع الجميع بحمده ... وبشكره من ناطق أو أخرس
وامتدّت الأطلال ساجدة له ... بجبالها من قائم أو أقعس
فإذا تراجعت الطيور وزايلت ... أغصانها بان «7» المطيع من المسي
فيقول ذا: سكرت لنغمة منشد ... ويقول ذا: سجدت لذكر مقدّس
كلّ يفوه بقوله «8» والحقّ لا ... يخفى على نظر اللّبيب «9» الأكيس
وقال «10» : [الكامل]
زارت على حذر من الرّقباء ... والليل ملتحف «11» بفضل رداء
تصل الدّجى بسواد فرع فاحم ... لتزيد ظلماء إلى ظلماء
فوشى «12» بها من وجهها وحليّها ... بدر الدّجى وكواكب الجوزاء
أهلا بزائرة على خطر السّرى ... ما كنت أرجوها ليوم لقاء
أقسمت لولا عفّة عذريّة ... وتقى عليّ له رقيب رائي
لنقعت غلّة لوعتي برضابها ... ونضحت ورد خدودها ببكائي
ومن ذلك ما قاله أيضا «1» : [الخفيف]
أرسلت ليل شعرها من عقص ... عن محيّا رمى البدور بنقص
فأرتنا الصباح في جنح ليل ... يتهادى ما بين غصن ودعص «2»
وتصدّت برامحات نهود ... أشرعت للأنام من تحت قمص
فتولّت جيوش صبري انهزاما ... وبودّي ذاك اللقاء وحرصي
ليس كلّ الذي يفرّ بناج ... ربّ ظعن «3» فيه حياة لشخص
كيف لي بالسّلو عنها وقلبي ... قد هوى حلمه بمهوى لخرص»
ما تعاطيت ظاهر الصّبر إلّا ... ردّني جيدها بأوضح نصّ
ومن ذلك قوله أيضا «5» : [الخفيف]
أنا بين الحياة والموت وقف ... نفس خافت ودمع ووكف
حلّ بي من هواك ما ليس ينبي ... عنه نعت ولا يعبّر وصف
عجبا لانعطاف صدغيك والمع ... طف والجيد ثم ما منك عطف
ضاق صدري بضيق حجلك «6» واستو ... قف طرفي حيران ذاك «7» الوقف
كيف يرجى فكاك قلب معنّى ... في غرام قيداه قرط وشنف «8»
ومن ذلك قوله أيضا «9» : [البسيط]
رقّ «10» السّنا ذهبا في اللّازورديّ ... فالأفق ما بين مرقوم وموشيّ
كأنما الشّهب والإصباح ينهبها ... لآلىء «11» سقطت من كفّ زنجيّ