بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 130

قالوا: ولمّا وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزيره الفاضل «1» أبي جعفر، وأسرّ له في نفسه تغيّرا، فكان ذلك من أسباب نكبته. وقيل: أفضى إليه بسرّ فأفشاه، وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس، فقلق وعجّل بالانصراف «2» إلى مرّاكش، فحجب عند قدومه، ثم قيد إلى المسجد في اليوم الثاني «3» بعده، حاسر العمامة، واستحضر الناس على طبقاتهم، وقرّروا «4» ما يعلمون من أمره، وما صار إليهم منه «5» ، فأجاب كلّ بما اقتضاه هواه، فأمر «6» بسجنه، ولفّ معه أخوه أبو عقيل عطية، وتوجّه عبد المؤمن في إثر ذلك زائرا إلى تربة المهدي «7» ، فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف.
وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة، من لطائف الأدب، نظما ونثرا في سبيل التوسّل بتربة إمامهم «8» ، عجائب لم تجد «9» ، مع نفوذ قدر الله فيه. ولما انصرف من وجهته أعادهما معه، قافلا إلى مراكش، فلما حاذى تاقمرت، أنفذ الأمر بقتلهما، بالشّعراء المتّصلة بالحصن على مقربة من الملّاحة هنالك، فمضيا لسبيلهما، رحمهما الله «10» .
شعره وكتابته: كان ممّا خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفا كما قلناه من رسالة:
«تالله لو أحاطت بي «11» خطيئة، ولم تنفكّ نفسي عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت: إن الله لم يوح إلى «12» الفلك إلى نوح، وبريت لقرار «13» ثمود نبلا، وأبرمت لحطب نار الخليل حبلا، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من الطّير «14» من أثر الرسول فنبذتها؛ وافتريت على العذراء البتول «15» فقذفتها؛ وكتبت صحيفة «16» القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة،


صفحه 131

وذممت كل قرشي، وأكرمت لأجل وحشي «1» كلّ حبشي، وقلت إن بيعة السّقيفة لا توجب لإمام «2» خليفة، وشحذت شفرة غلام «3» المغيرة بن شعبة، واعتقلت «4» من حصار الدار وقتل أشمطها «5» بشعبة، وغادرت الوجه من الهامة خضيبا، وناولت من قرع سنّ الخمسين «6» قضيبا، ثم أتيت حضرة المعصوم «7» لائذا، وبقبر الإمام المهديّ عائذا. لقد آن لمقالتي أن تسمع، وأن «8» تغفر لي هذه الخطيئات أجمع:
[الطويل]
فعفوا أمير المؤمنين فمن لنا ... بحمل «9» قلوب هدّها الخفقان
[وكتب مع ابن له صغير آخرة] «10» : [البسيط]
عطفا علينا أمير المؤمنين، فقد ... بان العزاء لفرط البثّ والحزن
قد أغرقتنا ذنوب كلّها لجج ... وعطفة منكم أنجى من السّفن
وصادفتنا سهام كلّها غرض ... لها ورحمتكم «11» أوقى من الجنن
هيهات للخطب أن تسطو حوادثه ... بمن أجارته رحماكم من المحن
من جاء عندكم يسعى على ثقة ... بنصره لم يخف بطشا من الزمن
فالثوب يطهر بعد «12» الغسل من درن ... والطّرف ينهض بعد الرّكض من وسن
أنتم بذلتم حياة الخلق كلّهم ... من دون منّ عليهم لا ولا ثمن
ونحن من بعض من أحيت مكارمكم ... تلك الحياتين من نفس ومن بدن
وصبية كفراخ الورق من صغر ... لم يألفوا النّوح في فرع ولا فنن
قد أوجدتهم أياد منك سابغة «13» ... والكلّ لولاك لم يوجد ولم يكن


صفحه 132

ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص، وهي التي أورثته الكتابة العليّة والوزارة كما تقدم قوله «1» :
«كتبنا «2» هذا من وادي ماسة بعد ما تزحزح «3» أمر الله الكريم، ونصر الله المعلوم «4» وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
«5» فتح بمسرى «6» الأنوار إشراقا، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا، ونبّه للأماني النّائمة جفونا وأحداقا، واستغرق غاية الشكر استغراقا، فلا تطيق الألسن كنه «7» وصفه إدراكا ولا لحاقا؛ جمع أشتات الطبّ «8» والأدب، وتقلّب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب «9» : [البسيط]
فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
وتقدّمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة. كان أولئك الضالّون المرتدّون قد بطروا عدوانا وظلما، واقتطعوا الكفر معنى واسما، وأملى لهم الله ليزدادوا إثما؛ وكان مقدّمهم الشّقي قد استمال النفوس بخزعبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبة «10» من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب؛ وكان الذي قادهم لذلك «11» ، وأوردهم تلك المهالك، وصول من بتلك «12» السواحل، ممّن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس، فيما سلف من الأعوام، واشتغل على رغمه «13» بالصيام والقيام، آناء الليل «14» والأيام، لبسوا الناموس أثوابا، وتدرّعوا الرياء جلبابا، فلم يفتح الله لهم إلى التوفيق «15» بابا» .
ومنها في ذكر صاحبهم «16» :


صفحه 133

«فصرع والحمد «1» لله لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيئات عن يساره، ويمينه، وكان «2» يدّعي أن المنيّة في هذه الأعوام لا تصيبه، ويزعم أنه يبشّر بذلك والنوائب لا تنوبه؛ ويقول في سواه قولا كثيرا، ويختلق على الله إفكا وزورا؛ فلما عاينوا «3» هيئة اضطجاعه، ورأوا ما خطّته «4» الأسنة في أعضائه «5» ، ونفذ فيه من أمر الله ما لم يقدروا على استرجاعه؛ هزم لهم من كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم كتساقط «6» الذّباب، وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحة «7» الرّقاب، ولم تقطر كلومهم إلّا على الأعقاب «8» ؛ فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وأذنت «9» الآجال بانقراض آمالهم «10» ، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم؛ فلم يعاين منهم إلّا من خرّ صريعا، وسقى الأرض نجيعا «11» ، ولقي من وقع «12» الهنديّات أمرا فظيعا؛ ودعت الضرورة باقيهم إلى التّرامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار منهم ويرتجيه، ويسبح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنّة اختطافا، وأذاقته موتا ذعافا «13» ؛ ومن لجّ في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثجّه «14» ، قضى عليه شرقه، وألوى فرقته «15» غرقه. ودخل الموحّدون إلى الباقية «16» الكائنة فيه، يتناولون قتالهم طعنا وحربا «17» ، ويلقونهم بأمر الله هونا «18» عظيما وكربا، حتى سطت «19» مراقات الدماء على صفحات الماء، وحكت حمرتها على زرقه حمرة الشّفق على زرق «20» السماء؛ وظهرت «21» العبرة للمعتبر، في جري الدماء «22» جري الأبحر» .


صفحه 134

دخوله غرناطة: احتلّ بغرناطة عام أحد وخمسين وخمسمائة، لما استدعى أهل جهات ألمريّة، السيّد أبا سعيد إلى منازلة من بها النصارى؛ وحشد، ونزل عليها، ونصب المجانيق على قصبتها، واستصرخ من بها الطاغية «1» ، فأقبل إلى نصرهم؛ واستمدّ السيد أبو سعيد الخليفة، فوجّه إليه الكبير أبا جعفر بن عطية صحبة السيد أبي يعقوب ابنه، فلحق به، واتّصل الحصار شهورا سبعة، وبذل الأمن لمن كان بها، وعادت إلى ملكة الإسلام، وانصرف الوزير أبو جعفر صحبة السيد أبي يعقوب إلى إشبيلية، وجرت أثناء هذه أمور يطول شرحها؛ ففي أثناء هذه الحركة دخل أبو جعفر غرناطة، وعدّ فيمن ورد عليها.
مولده: بمرّاكش عام سبعة وعشرين وخمسمائة «2» .
وفاته: على حسب ما تقدّم ذكره، لليلة بقيت من صفر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة «3» .
أحمد بن محمد بن شعيب الكرياني
من أهل فاس، يكنى أبا العباس، ويعرف بابن شعيب من كريانة، قبيلة من قبائل الرّيف الغربي.
حاله: من «عائد الصّلة» : من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب، حافظا للشعر؛ ذكر أنه حفظ منه عشرين ألف بيت للمحدثين، والغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مقت لذلك، وتهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل، إلّا أنه كان تفوّه بالوصول شنشنة المفتونين بها على مدى الدهر. وله شعر رائق، وكتابة حسنة، وخط ظريف.
كتب في ديوان سلطان المغرب مرئسا، وتسرّى جارية روميّة اسمها صبح، من أجمل الجواري حسنا، فأدّبها حتى لقّنت حظّا من العربية، ونظمت الشعر، وكان شديد الغرام بها، فهلكت أشدّ ما كان حبّا لها، وامتداد أمل فيها، فكان بعد وفاتها لا يرى إلّا في تأوّه دائم، وأسف متماد، وله فيها أشعار بديعة في غرض الرّثاء.
مشيخته: قرأ في بلده فاس على كثير من شيوخها، كالأستاذ أبي عبد الله بن أجروم نزيل فاس، والأستاذ أبي عبد الله بن رشيد، ووصل إلى تونس، فأخذ منها الطبّ والهيئة على الشيخ رحلة وقته في تلك الفنون، يعقوب بن الدرّاس.


صفحه 135

وكان مما خاطب به الشيخ أبا جعفر بن صفوان، وقد نشأت بينهما صداقة أوجبها القدر المشترك من الولوع بالصّنعة المرموزة، يتشوّق إلى جهة كانوا يخلون بها للشيخ فيها ضيعة بخارج مالقة كلأها الله: [المتقارب]
رعى الله وادي شنيانة ... وتلك الغدايا وتلك اللّيالي «1»
ومسرحنا بين خضر الغصون ... وودق المياه وسحر الظّلال
ومرتعنا تحت أدواحه ... ومكرعنا في النّمير الزّلال
نشاهد منها كعرض الحسام ... إذا ما انتشت فوقه كالعوالي «2»
ولله من درّ حصبائه ... لآل وأحسن بها من لآل
وليل به في ستور الغصون ... كخود ترنّم فوق الحجال
وأسحاره كيف راقت وص ... حّ النسيم بها في اعتدال
ولله منك أبا جعفر ... عميد الحلال حميد الخلال
تطارحني برموز الكنوز ... وتسفر لي عن معاني المعالي
وتبدلني في شجون الحديث ... ويا طيبة كلّ سحر حلال
فألقط من فيك سحر البيان ... مجيبا به عن عريض النّوال
أفدت الذي دونها معشر ... كثير المقال قليل النّوال
فأصبحت لا أبتغي بعدها ... سواك وبعدكما لا أبالي «3»
وخاطب الفقيه العالم أبا جعفر بن صفوان يسأله عن شيء من علم الصناعة بما نصّه: [الكامل]
دار الهوى نجد وساكنها ... أقصى أماني النفس من نجد
وممّا صدّر به رسالة: [الطويل]
أيجمع هذا الشّمل بعد شتاته؟ ... ويوصل هذا الحبل بعد انبتاته؟
أما للبلى آية عيسويّة ... فينشر ميّت الأنس بعد مماته؟
ويورد عيني بعد ملح مدامعي ... برؤيته في عذبه وفراته؟


صفحه 136

وأنشد له صاحبنا الجليل صاحب العلّامة «1» بالمغرب، أبو القاسم بن صفوان قوله: [المنسرح]
يا ربّ ظبي شعاره نسك ... ألحاظه في الورى لها فتك
يترك من هام به مكتئبا ... لا تعجبوا أن قومه التّرك
أشكو له ما لقيت من حرق ... فيمشين «2» لاهيا إذا أشكو
صبرت حتى أطلّ عارضه ... فكان صبري ختامه مسك
ومن المعاتبة والفكاهة قوله: [السريع]
وبائع للكتب يبتاعها ... بأرخض السّوم وأغلاه
في نصف الاستذكار أعطيته ومحّض العين وأرضاه وله أيضا: [الكامل]
يا من توعّدني بحادث هجره ... إنّ السّلوّ لدون ما يتوعّد
هذا عذارك وهو موضع سلوتي ... فأكفف فقد سبق الوعيد الموعد
وأظنّ سلوتنا غدا أو بعده ... فبذاك خبّرنا الغراب الأسود
وله أيضا: [الكامل]
قال العذول تنقّصا لجماله ... هذا حبيبك قد أطلّ عذاره
لا بل بدا فصل الربيع بخدّه ... فلذا تساوى ليله ونهاره
وله يرثي: [مجزوء الكامل]
يا قبر صبح، حلّ في ... ك بمهجتي أسنى الأماني «3»
وغدوت بعد عيانها ... أشهى البقاع إلى العيان
أخشى المنيّة إنها ... تقصي مكانك عن مكاني «4»
كم بين مقبور بفا ... س وقابر بالقيروان
وله أيضا يرثيها: [الكامل]
يا صاحب القبر الذي أعلامه ... درست وثابت حبّه لم يدرس


صفحه 137

ما اليأس منك على التصبّر حاملي ... أيأستني فكأنني لم أيأس
لمّا ذهبت بكلّ حسن أصبحت ... نفسي تعاني شجو كلّ الأنفس
أصباح أيّامي ليال كلّها ... لا تنجلي عن صبحك المتنفّس
وقال في ذلك: [مجزوء الكامل]
أعلمت ما صنع الفرا ... ق غداة جدّ به الرّفاق؟
ووقفت منهم حيث للن ... نظرات والدمع استباق
سبقت مطاياهم فما ... أبطا «1» بنفسك في السباق
أأطقت حمل صدودهم ... للبين خطب لا يطاق
عن ذات عرق أصعدوا ... أتقول دارهم العراق
نزلوا ببرقة ثمهد ... فلذاك ما شئت البراق
وتيامنوا عسفان أن ... يقفوا بمجتمع الرّفاق
ما ضرّهم وهم المنى ... لو وافقوا بعض الوفاق
قالوا تفرّقنا غدا ... فشغلت عن وعد التّلاق
عمدا رأوا قتل العمي ... د فكان عيشك في اتّفاق
أولى لجسمك أن يرقّ ... ودمع عينك أن يراق
أمّا الفؤاد فعندهم ... دعه ودعوى الاشتياق
أعتاد حبّ محلهم ... فمحلّ صدرك عنه ضاق
واها لسالفة الشبا ... ب مضت بأيامي الرقاق
أبقت حرارة لوعة ... بين الترائب والتّراق
لا تنطفي وورودها ... من أدمعي كأس دهاق
وقال أيضا: [الكامل]
يا موحشي والبعد دون لقائه ... أدعوك عن شحط وإن لم تسمع
يدنيك مني الشوق حتى إنني ... لأراك رأي العين لولا أدمعي
وأحنّ شوقا للنّسيم إذا سرى ... لحديثكم وأصيح كالمستطلع
كان اللّقاء «2» فكان حظّي ناظري ... وسط الفراق فصار حظّي مسمعي «3»