ورثاه شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين «1» ، رحمه الله، بقصيدة أولها:
[المتدارك]
أيساعد رائده الأمل ... أم يسمع سائله الطّلل؟
يا صاح، فديتك، ما فعل «2» ... ذا من الأحباب وما فعلوا؟
فأجاب الدمع مناديه ... أمّا الأحباب فقد رحلوا
ورثاه من هذه البلدة طائفة، منهم الشيخ الأديب أبو محمد بن المرابع الآتي اسمه في العيادة له، بحول الله، بقصيدة أولها: [الكامل]
أدعوك ذا جزع لو أنّك سامع ... ماذا أقول ودمع عيني هامع
وأنشد خامس يوم دفنه قصيدة أولها: [الخفيف]
عبرات «3» تفيض حزنا وثكلا ... وشجون تعمّ بعضا وكلّا
ليس إلّا صبابة أضرمتها ... حسرة تبعث الأسى ليس إلّا
وهي حسنة طويلة.
إبراهيم بن محمد بن مفرّج بن همشك «4»
المتأمّر، رومي «5» الأصل.
أوّليّته: مفرج أو همشك، من أجداده، نصراني، أسلم على يدي أحد ملوك بني هود بسرقسطة؛ نزح إليهم، وكان مقطوع إحدى الأذنين، فكان النصارى إذا رأوه
في القتال عرفوه، وقالوا: هامشك، معناه ترى المقطوع الأذن، إذ «ها» عندهم قريب مما هي في اللغة العربية، و «المشك» المقطوع الأذنين في لغتهم «1» .
نباهته وظهوره: ولمّا خرج بنو هود عن سرقسطة، نشأ تحت خمول، إلّا أنه شهم متحرّك، خدم بعض الموحّدين في الصّيد، وتوسّل بدلالة الأرض؛ ثم نزع إلى ملك قشتالة واستقرّ مع النصارى؛ ثم انصرف إلى بقيّة اللّمتونيين «2» بالأندلس بعد شفاعة وإظهار توبة. ولمّا ولّي يحيى بن غانية قرطبة، ارتسم لديه برسمه. ثم كانت الفتنة عام تسعة وثلاثين وثار ابن حمدين بقرطبة، وتسمّى بأمير المؤمنين، فبعثه رسولا ثقة بكفايته ودربته وعجمة لسانه؛ لمحاولة الصلح بينه وبين ابن حمدين، فأغنى ونبه قدره؛ ثم غلي مرجل الفتنة وكثر الثوّار بالأندلس، فاتصل بالأمير ابن عياض بالشرق وغيره، إلى أن تمكّن له الامتزاز «3» بحصن شقوبش، ثم تغلّب على مدينة شقورة «4» وتملّكها وهي ما هي من النّعمة، فغلظ أمره، وساوى محمد بن مردنيش «5» أمير الشرق وداخله، حتى عقد معه صهرا على ابنته، فاتصلت له الرياسة والإمارة. وكان يعدّ سيفا لصهره المذكور، مسلّطا على من عصاه، فقاد الجيوش، وافتتح البلاد إلى أن فسد ما بينهما، فتفاتنا وتقاطعا، وانحاز بما لديه من البلاد والمعاقل، وعدّ من ثوّار الأندلس أولي الشوكة الحادّة، والبأس الشديد، والشّبا المرهوب. وآثاره بعد انقباض دولته تشهد بما تأثّل من ملك وسلف من الدولة؛ والدّار الآخرة خير لمن اتّقى. قال ابن صفوان: [الخفيف]
وديار شكوى الزمان فتشك ... حدّثتنا عن عزّة ابن همشك
حاله: قال محمد بن أيوب بن غالب، المدعو بابن حمامة: أبو إسحاق الرئيس، شجاع بهمة «6» من البهم. كان رئيسا شجاعا مقداما شديد الحزم، سديد
الرأي، عارفا بتدبير الحرب، حميّ الأنف، عظيم السّطوة، مشهور الإقدام، مرتكبا للعظيمة. قال بعض من عرّف به من المؤرّخين: وهو وإن كان قائد فرسان، هو حليف فتنة وعدوان، ولم يصحب قطّ متشرّعا، ولا نشأ في أصحابه من كان متورّعا، سلّطه الله على الخلق وأملى له فأضرّ بمن جاوره من أهل البلاد، وحبّب إليه العيث في العباد.
سيرته: كان جبّارا قاسيا، فظّا غليظا، شديد النّكال، عظيم الجرأة والعبث بالخلق؛ بلغ من عيثه فيهم إحراقهم بالنّار، وقذفهم من الشواهق والأبراج، وإخراج الأعصاب والرّباطات على ظهورهم، عن أوتار القسيّ بزعمه، وضمّ أغصان الشجر العادي بعضها إلى بعض، وربط الإنسان بينها، ثم تسريحها، حتى يذهب كل غصن بحظّه من الأعضاء؛ ورآه بعض الصالحين في النوم بعد موته، وسأله ما فعل الله بك فأنشده: [البسيط]
من سرّه العيث في الدنيا بخلقة من ... يصوّر الخلق في الأرحام كيف يشا
فليصبر اليوم صبري تحت بطشته ... مغلّلا يمتطي جمر الغضا فرشا
شجاعته: زعموا أنه خرج من المواضع التي كانت لنصره متصيّدا، وفي صحبته محاولو اللهو وقارعو أوتار الغناء، في مائة من الفرسان، ونقاوة أصحابه؛ فما راعهم إلّا خيل العدو هاجمة على غرّة، في مائتي فارس ضعف عددهم؛ فقالوا: العدو في مائتي فارس، فقال: وإذا كنتم أنتم لمائة، وأنا لمائة، فنحن قدرهم؛ فعدّ نفسه بمائة.
ثم استدعى قدحا من شرابه، وصرف وجهه إلى المغنّي؛ وقال: أعد لي تلك الأبيات، كان يغنّيه بها فتعجبه: [الخفيف]
يتلقى النّدا بوجه حييّ ... وصدور القنا بوجه وقاح
هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
فغنّاه بها، واستقبل العدوّ، وحمل عليه بنفسه وأصحابه، حملة رجل واحد، فاستولت على العدو الهزيمة، وأتى على معظمهم القتل، ورجع غانما إلى بلده.
ثم ضربت الأيام، وعاود التصيّد في موضعه ذلك، وأطلق بازه على حجلة، فأخذها، وذهب ليذكيها، فلم يحضره خنجر ذلك الغرض في الوقت، فبينما هو يلتمسه، إذ رأى نصلا من نصال المعترك من بقايا يوم الهزيمة، فأخذه من التراب، وذبح به الطائر، ونزل واستدعى الشراب؛ وأمر المغني فغنّاه بيتي أبي الطيب «1» :
[الطويل]
تذكّرت ما بين العذيب وبارق ... مجرّ عوالينا ومجرى السّوابق
وصحبة قوم يذبحون قنيصهم ... بفضلات «1» ما قد كسّروا في المفارق
وقد رأيت من يروي هذه الحكاية عن أحد أمراء بني مردنيش، وعلى كل حال فهي من مستظرف الأخبار.
دخوله غرناطة: قالوا، وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة «2» ، في جمادى الأولى منها، قصد إبراهيم بن همشك بجمعه مدينة غرناطة، وداخل طائفة من ناسها، وقد تشاغل الموحّدون بما دهمهم من اختلاف الكلمة عليهم بالمغرب، وتوجّه الوالي بغرناطة السيد أبي سعيد إلى العدوة، فاقتحمها ليلا واعتصم الموحّدون بقصبتها؛ فأجاز بهم بأنواع الحرب، ونصب عليهم المجانيق، ورمى فيها من ظفر به منهم وقتلهم بأنواع من القتل. وعندما اتصل الخبر بالسيد أبي سعيد، بادر إليها فأجاز البحر، والتفّ به السيد أبو محمد بن أبي حفص بجميع جيوش الموحّدين والأندلس؛ ووصل الجميع إلى ظاهر غرناطة، وأصحر إليهم ابن همشك، وبرز منها، فالتقى الفريقان بمرج الرّقاد «3» من خارجها، ودارت الحرب بينهم، فانهزم جيش الموحّدين، واعترضت الفلّ تخوم الفدادين «4» وجداول المياه التي تتخلّل المرج «5» ، فاستولى عليهم القتل، وقتل في الوقيعة السيد أبو محمد؛ ولحق السيد أبو سعيد بمالقة؛ وعاد ابن همشك إلى غرناطة فدخلها بجملة من أسرى القوم، أفحش فيهم المثلة، بمرأى من إخوانهم المحصورين؛ واتصل الخبر بالخليفة بمراكش، وهو بمقربة سلا، قد فرغ من أمر عدوّه، فجهّز جيشا، أصحبه السيد أبا يعقوب ولده، والشيخ أبا يوسف بن سليمان زعيم وقته، وداهية زمانه؛ فأجازوا البحر، والتقوا بالسيد أبي سعيد بمالقة،
وتتابع الجمع، والتفّ بهم من أهل الجهاد من المطوعة، واتصل منهم السير إلى قرية دلر «1» من قرى غرناطة؛ وكان من استمرار الهزيمة على ابن همشك الذي أمدّه بنفسه وجيشه، من نصارى وغيرهم، ما يأتي ذكره عند اسم ابن مردنيش في الموحدين، في حرف الميم، بحول الله تعالى.
انخلاعه للموحدين عمّا بيده وجوازه للعدوة، ووفاته بها:
قالوا «2» : ولمّا فسد ما بينه وبين ابن مردنيش بسبب بنته التي كانت تحت الأمير أبي محمد بن سعد بن مردنيش إلى أن طلّقها، وانصرفت إلى أبيها، وأسلمت إليه ابنها منه، مختارة كنف أبيها إبراهيم، نازعة في انصرامه إلى عروقها؛ فلقد حكي أنها سئلت عن ولدها، وإمكان صبرها عنه، فقالت: جرو كلب، جرو سوء، من كلب سوء، لا حاجة لي به؛ فأرسلت كلمتها في نساء الأندلس مثلا؛ فاشتدّت بينهما الوحشة والفتنة، وعظمت المحنة، وهلك بينهما من الرعايا الممرورين، المضطّرين، بقنّينة «3» الثوّار ممّن شاء الله بهلاكه، إلى أن كان أقوى الأسباب في تدمير ملكه.
ولمّا صرف ابن سعد عزمه إلى بلاده، وتغلّب على كثير منها، خدم ابن همشك الموحّدين ولاذ بهم واستجارهم؛ فأجاز البحر، فقدم على الخليفة عام خمسة وستين وخمسمائة، وأقرّه بمواضعه؛ إلى أوائل عام أحد وسبعين، فطولب بالانصراف إلى العدوة بأهله وولده، وأسكن مكناسة وأقطع بها سآما «4» لها خطر، واتّصلت تحت عنايته إلى أن هلك.
وفاته: قالوا: واستمرّ مقام ابن همشك بمكناسة غير كبير، وابتلاه الله بفالج غريب الأعراض، شديد سوء المزاج، إلى أن هلك؛ فكان يدخل الحمّام الحارّ، فيشكو حرّه بأعلى صراخه، فيخرج، فيشكو البرد كذلك، إلى أن مضى سبيله «5» .
إبراهيم بن أمير المسلمين أبي الحسن بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحقّ
يكنى أبا سالم.
أوّليّته: الشمس تخبر عن حلي وعن حلل. فهو البيت الشهير، والجلال الخطير، والملك الكبير، والفلك الأثير، ملاك المسلمين، وحماة الدين، وأمراء المغرب الأقصى من بني مرين، غيوث المواهب؛ وليوث العرين، ومعتمد الصّريخ، وسهام الكافرين. أبوه السلطان أبو الحسن، الملك الكبير، البعيد شأو الصّيت والهمّة والعزيمة، والتحلّي بحليّ السّنّة، والإقامة لرسوم الملك، والاضطلاع بالهمّة، والصبر عند الشدّة. وأخوه أمير المسلمين فذلكة الحسب، وثير النّصبة، وبدرة المعدن، وبيت القصيد، أبو عنان، فارس، الملك الكبير، العالم المتبحّر، العامل النظّار، الجواد، الشجاع، القسور، الفصيح، مدد السعادة، الذي خرق الله به سياج العادة، فما عسى أن يطلب اللسان، وأين تقع العبارة، وماذا يحصر الوصف. عين هذا المجد فوّاره، وحسب هذا الحسب اشتهاره، قولا بالحق، وبعدا عن الإطراء، ونشرا للواء النّصفة، حفظ الله على الإسلام ظلّهم، وزيّن ببدور الدين والدنيا هالتهم، وأبقى الكلمة فيمن اختاره منهم.
حاله: كان شابّا كما تطلّع وجهه، حسن الهيئة، ظاهر الحياء والوقار، قليل الكلام، صليفة عن اللفظ، آدم اللون «1» ، ظاهر السكون والحيريّة والحشمة، فاضلا متخلّقا. قدّمه أبوه، أمير الرتبة، موفّي الألقاب، بوطن سجلماسة، وهي عمالة ملكهم، فاستحقّ الرتبة في هذا الباب بمزيد هذه الرتبة المشترط لأول تأليفه. ولمّا قبضه الله إليه، واختار له ما عنده، أحوج ما كانت الحال إلى من ينظم الشّت، ويجمع الكلمة، ويصون الدّما سبحانه أحوج ما كانت الدنيا إليه، وصيّر إلى وارثه طواعية وقسرا ومستحقّا وغلابا، وسلما، وذاتا وكسبا، السلطان أخيه، تحصل هو وأخ له اسمه محمد، وكنيته أبو الفضل، يأتي التعريف بحاله في مكانه إن شاء الله، فأبقى، وأغضى، واجتنب الهوى، وأجاب داعي البرّ والشفقة والتقوى، فصرفهما إلى الأندلس؛ باشرت إركابها البحر بمدينة سلا ثاني اليوم الذي انصرفت من بابه، وصدرت عن بحر جوده، وأفضت بإمامة عنايته، مصحبا بما يعرض لسان الثّناء من صنوف كرامته، في غرض السّفارة عن السلطان بالأندلس، تغمّده الله برحمته، ونزل مربلّة من بلاد الأندلس المصروفة إلى نظره، واصلا السير إلى غرناطة.
دخوله غرناطة: قدم هو وأخوه عليها، يوم عشرين من جمادى الأولى، من عام اثنين وخمسين وسبعمائة. وبرز السلطان إلى لقائهما، إبلاغا في التّجلّة،
وانحطاطا في ذمّة التّخلّق، فسعيا إليه مرتجلين، وفاوضهما، حتى قضيت الحقوق، واستفرجت تفقّده وجرايته، وحلّا بأحظى الأمكنة، واحتفيا في سرير مجلسه مقسوم بينهما الحظّ، من هشّته ولحظته. فأما محمد، فسوّلت له نفسه الأطماع، واستفزّته الأهواء، أمرا كان قاطع أجله، وسعد أخيه، اختاره الله من دونه. وأمّا إبراهيم المترجم به، فجنح إلى أهل العافية، بعد أن ناله اعتقال، بسبب إرضاء أخيه أمير المسلمين فارس، في الأخريات لشهر ذي حجة من عام تسعة وخمسين وسبعمائة، وتقديم ولده الصبيّ، المكنى بأبي بكر، المسمّى بسعيد؛ لنظر وزيره في الحزم والكفاية، حرّكه الاستدعاء، وأقلقته الأطماع وهبّ به السائل، وعرّض بغرضه إلى صاحب الأمر بالأندلس، ورفق عن صبوحه، فشكا إلى غير مصمت، فخرج من الحضرة ليلا من بعض مجاري المياه، راكبا للخطر، في أخريات جمادى الأولى من العام بالحضرة المكتبة الجوار، من ثغور العدو، ولحق بملك قشتالة، وهو يومئذ بإشبيلية، قد شرع في تجرية إلى عدوّه من برجلونة، فطرح عليه نفسه، وعرض عليه مخاطبات استدعائه، ودسّ له المطامع المرتبطة بحصول غايته، فقبل سعايته، وجهّز له جفنا من أساطيله، أركب فيه، في طائفة تحريكه، وطعن بحر المغرب إلى ساحل أزمور «1» ، وأقام به منتظرا إلى إنجاز المواعد، ممّن بمرّاكش، فألفى الناس قد حطبوا في حبل منصور بن سليمان، وبايعوه بجملتهم، فأخفق مسعاه، وأخلف ظنّه، وقد أخذ منصور بمخنّق البلد الجديد دار ملك فاس، واستوثق له الأمر، فانصرف الجفن أدراجه. ولمّا حاذى لبلاد غمارة من أحواز أصيلا «2» . تنادى «3» به قوم منهم، وانحدروا إليه، ووعدوه الوفاء له، فنزل إليهم، واحتملوه فوق أكتادهم، وأحدقوا به في سفح جبلهم، وتنافسوا في الذّبّ عنه، ثم كبسوا أصيلا فملكوها، وضيّق بطنجة، فدخلت في أمره، واقتدت بها سبتة وجبل الفتح، واتصل به بعض الخاصّة، وخاطبه الوزير المحصور، وتخاذل أشياع منصور، فخذلوه، وفرّوا عنه جهارا بغير علّة، وانصرفت الوجوه إلى السلطان أبي سالم، فأخذ بيعاتهم عفوا، ودخل البلد المحصور، وقد تردّد بينه وبين الوزير المحصور مخاطبات في ردّ الدعوة إليه، فدخل البلد يوم الخميس خامس عشر «4» شعبان من عام التاريخ، واستقرّ وجدّد الله عليه أمره، وأعاد ملكه، وصرف عليه حقّه؛ وبلي هذا الأمير من سير الناس إلى تجديد
عهد أبيه، وطاعتهم إلى أمره، وجنوحهم إلى طاعته، وتمنّي مدّته، حال غريبة صارت عن كثب إلى أضدادها، فصرف ولده إلى اجتثاث شجرة أبيه، فالتقط من الصّبية بين مراهق ومحتلم ومستجمع، طائفة تناهز العشرين، غلمانا ردنة، قتلوا إغراقا من غير شفعة توجب إباحة قطرة من دمائهم، ورأى أن قد خلا له الجوّ، فتواكل، وآثر الحجبة، وأشرك الأيدي في ملكه، فاستبيحت أموال الرعايا، وضاقت الجبايات، وكثرت الظلامات، وأخذ الناس حرمان العطاء، وانفتحت أبواب الإرجاف، وحدّت أبواب القواطع، إلى أن كان من أمره ما هو معروف.
وفي أول من شهر رجب عام واحد وستين وسبعمائة، تحرّك الحركة العظمى إلى تلمسان، وقد استدعى الجهات، وبعض البلاد، ونهد في جيوش تجرّ الشوك والحجر، ففرّ سلطانها أمام عزمه، وطار الذّعر بين يدي الضّلالة، وكنّا قد استغثنا القرار في إيالته، وانتهى بنا الإزعاج إلى ساحل سلا من ساحل مملكته فخاطبته وأنا يومئذ مقيم بتربة أبيه، متذمّم بها، في سبيل استخلاص أملاكي بالأندلس، في غرض التهنئة والتوسّل:
«مولاي، فتّاح الأقطار والأمصار، فائدة الزمان والأعصار، أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار، قدوة أولي الأيدي والأبصار» .
وفاته: وفي ليلة العشرين من شهر ذي قعدة من عام اثنين وستين وسبعمائة، ثار عليه بدار الملك، وبلد الإمارة المعروف بالبلد الجديد، من مدينة فاس، الغادر مخلفه عليها عمر بن عبد الله بن علي، نسمة السوء، وجملة الشؤم، المثل البعيد في الجرأة على قدر، اهتبل «1» غرّة انتقاله إلى القصر السلطاني بالبلد القديم، محتولا إليه، حذرا من قاطع فلكيّ الجدر منه استعجله ضعف نفسه، وأعانه على فرض صحته به، وسدّ الباب في وجهه، ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه، وأصبح حائرا بنفسه، يروم استرجاع أمر ذهب من يده، ويطوف بالبلد، يلتمس وجها إلى نجاح حيلته، فأعياه ذلك، ورشقت من معه السهام، وفرّت عنه الأجناد والوجوه، وأسلمه الدهر، وتبرّأ منه الجدّ. وعندما جنّ عليه الليل، فرّ على وجهه، وقد التفت عليه الوزراء، وقد سفّهت أحلامهم، وفالت آراؤهم، ولو قصدوا به بعض الجبال المنيعة، لولّوا وجوههم شطر مظنّة الخلاص، واتّصفوا بعذار الإقلاع، لكنهم نكلوا عنه، ورجعوا أدراجهم، وتسلّلوا راجعين إلى برّ غادر الجملة، وقد سلبهم الله لباس الحياء والرّجلة، وتأذّن الله لهم بسوء العاقبة، وقصد بعض بيوت البادية، وقد فضحه نهار