بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 155

وتتابع الجمع، والتفّ بهم من أهل الجهاد من المطوعة، واتصل منهم السير إلى قرية دلر «1» من قرى غرناطة؛ وكان من استمرار الهزيمة على ابن همشك الذي أمدّه بنفسه وجيشه، من نصارى وغيرهم، ما يأتي ذكره عند اسم ابن مردنيش في الموحدين، في حرف الميم، بحول الله تعالى.
انخلاعه للموحدين عمّا بيده وجوازه للعدوة، ووفاته بها:
قالوا «2» : ولمّا فسد ما بينه وبين ابن مردنيش بسبب بنته التي كانت تحت الأمير أبي محمد بن سعد بن مردنيش إلى أن طلّقها، وانصرفت إلى أبيها، وأسلمت إليه ابنها منه، مختارة كنف أبيها إبراهيم، نازعة في انصرامه إلى عروقها؛ فلقد حكي أنها سئلت عن ولدها، وإمكان صبرها عنه، فقالت: جرو كلب، جرو سوء، من كلب سوء، لا حاجة لي به؛ فأرسلت كلمتها في نساء الأندلس مثلا؛ فاشتدّت بينهما الوحشة والفتنة، وعظمت المحنة، وهلك بينهما من الرعايا الممرورين، المضطّرين، بقنّينة «3» الثوّار ممّن شاء الله بهلاكه، إلى أن كان أقوى الأسباب في تدمير ملكه.
ولمّا صرف ابن سعد عزمه إلى بلاده، وتغلّب على كثير منها، خدم ابن همشك الموحّدين ولاذ بهم واستجارهم؛ فأجاز البحر، فقدم على الخليفة عام خمسة وستين وخمسمائة، وأقرّه بمواضعه؛ إلى أوائل عام أحد وسبعين، فطولب بالانصراف إلى العدوة بأهله وولده، وأسكن مكناسة وأقطع بها سآما «4» لها خطر، واتّصلت تحت عنايته إلى أن هلك.
وفاته: قالوا: واستمرّ مقام ابن همشك بمكناسة غير كبير، وابتلاه الله بفالج غريب الأعراض، شديد سوء المزاج، إلى أن هلك؛ فكان يدخل الحمّام الحارّ، فيشكو حرّه بأعلى صراخه، فيخرج، فيشكو البرد كذلك، إلى أن مضى سبيله «5» .
إبراهيم بن أمير المسلمين أبي الحسن بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحقّ
يكنى أبا سالم.


صفحه 156

أوّليّته: الشمس تخبر عن حلي وعن حلل. فهو البيت الشهير، والجلال الخطير، والملك الكبير، والفلك الأثير، ملاك المسلمين، وحماة الدين، وأمراء المغرب الأقصى من بني مرين، غيوث المواهب؛ وليوث العرين، ومعتمد الصّريخ، وسهام الكافرين. أبوه السلطان أبو الحسن، الملك الكبير، البعيد شأو الصّيت والهمّة والعزيمة، والتحلّي بحليّ السّنّة، والإقامة لرسوم الملك، والاضطلاع بالهمّة، والصبر عند الشدّة. وأخوه أمير المسلمين فذلكة الحسب، وثير النّصبة، وبدرة المعدن، وبيت القصيد، أبو عنان، فارس، الملك الكبير، العالم المتبحّر، العامل النظّار، الجواد، الشجاع، القسور، الفصيح، مدد السعادة، الذي خرق الله به سياج العادة، فما عسى أن يطلب اللسان، وأين تقع العبارة، وماذا يحصر الوصف. عين هذا المجد فوّاره، وحسب هذا الحسب اشتهاره، قولا بالحق، وبعدا عن الإطراء، ونشرا للواء النّصفة، حفظ الله على الإسلام ظلّهم، وزيّن ببدور الدين والدنيا هالتهم، وأبقى الكلمة فيمن اختاره منهم.
حاله: كان شابّا كما تطلّع وجهه، حسن الهيئة، ظاهر الحياء والوقار، قليل الكلام، صليفة عن اللفظ، آدم اللون «1» ، ظاهر السكون والحيريّة والحشمة، فاضلا متخلّقا. قدّمه أبوه، أمير الرتبة، موفّي الألقاب، بوطن سجلماسة، وهي عمالة ملكهم، فاستحقّ الرتبة في هذا الباب بمزيد هذه الرتبة المشترط لأول تأليفه. ولمّا قبضه الله إليه، واختار له ما عنده، أحوج ما كانت الحال إلى من ينظم الشّت، ويجمع الكلمة، ويصون الدّما سبحانه أحوج ما كانت الدنيا إليه، وصيّر إلى وارثه طواعية وقسرا ومستحقّا وغلابا، وسلما، وذاتا وكسبا، السلطان أخيه، تحصل هو وأخ له اسمه محمد، وكنيته أبو الفضل، يأتي التعريف بحاله في مكانه إن شاء الله، فأبقى، وأغضى، واجتنب الهوى، وأجاب داعي البرّ والشفقة والتقوى، فصرفهما إلى الأندلس؛ باشرت إركابها البحر بمدينة سلا ثاني اليوم الذي انصرفت من بابه، وصدرت عن بحر جوده، وأفضت بإمامة عنايته، مصحبا بما يعرض لسان الثّناء من صنوف كرامته، في غرض السّفارة عن السلطان بالأندلس، تغمّده الله برحمته، ونزل مربلّة من بلاد الأندلس المصروفة إلى نظره، واصلا السير إلى غرناطة.
دخوله غرناطة: قدم هو وأخوه عليها، يوم عشرين من جمادى الأولى، من عام اثنين وخمسين وسبعمائة. وبرز السلطان إلى لقائهما، إبلاغا في التّجلّة،


صفحه 157

وانحطاطا في ذمّة التّخلّق، فسعيا إليه مرتجلين، وفاوضهما، حتى قضيت الحقوق، واستفرجت تفقّده وجرايته، وحلّا بأحظى الأمكنة، واحتفيا في سرير مجلسه مقسوم بينهما الحظّ، من هشّته ولحظته. فأما محمد، فسوّلت له نفسه الأطماع، واستفزّته الأهواء، أمرا كان قاطع أجله، وسعد أخيه، اختاره الله من دونه. وأمّا إبراهيم المترجم به، فجنح إلى أهل العافية، بعد أن ناله اعتقال، بسبب إرضاء أخيه أمير المسلمين فارس، في الأخريات لشهر ذي حجة من عام تسعة وخمسين وسبعمائة، وتقديم ولده الصبيّ، المكنى بأبي بكر، المسمّى بسعيد؛ لنظر وزيره في الحزم والكفاية، حرّكه الاستدعاء، وأقلقته الأطماع وهبّ به السائل، وعرّض بغرضه إلى صاحب الأمر بالأندلس، ورفق عن صبوحه، فشكا إلى غير مصمت، فخرج من الحضرة ليلا من بعض مجاري المياه، راكبا للخطر، في أخريات جمادى الأولى من العام بالحضرة المكتبة الجوار، من ثغور العدو، ولحق بملك قشتالة، وهو يومئذ بإشبيلية، قد شرع في تجرية إلى عدوّه من برجلونة، فطرح عليه نفسه، وعرض عليه مخاطبات استدعائه، ودسّ له المطامع المرتبطة بحصول غايته، فقبل سعايته، وجهّز له جفنا من أساطيله، أركب فيه، في طائفة تحريكه، وطعن بحر المغرب إلى ساحل أزمور «1» ، وأقام به منتظرا إلى إنجاز المواعد، ممّن بمرّاكش، فألفى الناس قد حطبوا في حبل منصور بن سليمان، وبايعوه بجملتهم، فأخفق مسعاه، وأخلف ظنّه، وقد أخذ منصور بمخنّق البلد الجديد دار ملك فاس، واستوثق له الأمر، فانصرف الجفن أدراجه. ولمّا حاذى لبلاد غمارة من أحواز أصيلا «2» . تنادى «3» به قوم منهم، وانحدروا إليه، ووعدوه الوفاء له، فنزل إليهم، واحتملوه فوق أكتادهم، وأحدقوا به في سفح جبلهم، وتنافسوا في الذّبّ عنه، ثم كبسوا أصيلا فملكوها، وضيّق بطنجة، فدخلت في أمره، واقتدت بها سبتة وجبل الفتح، واتصل به بعض الخاصّة، وخاطبه الوزير المحصور، وتخاذل أشياع منصور، فخذلوه، وفرّوا عنه جهارا بغير علّة، وانصرفت الوجوه إلى السلطان أبي سالم، فأخذ بيعاتهم عفوا، ودخل البلد المحصور، وقد تردّد بينه وبين الوزير المحصور مخاطبات في ردّ الدعوة إليه، فدخل البلد يوم الخميس خامس عشر «4» شعبان من عام التاريخ، واستقرّ وجدّد الله عليه أمره، وأعاد ملكه، وصرف عليه حقّه؛ وبلي هذا الأمير من سير الناس إلى تجديد


صفحه 158

عهد أبيه، وطاعتهم إلى أمره، وجنوحهم إلى طاعته، وتمنّي مدّته، حال غريبة صارت عن كثب إلى أضدادها، فصرف ولده إلى اجتثاث شجرة أبيه، فالتقط من الصّبية بين مراهق ومحتلم ومستجمع، طائفة تناهز العشرين، غلمانا ردنة، قتلوا إغراقا من غير شفعة توجب إباحة قطرة من دمائهم، ورأى أن قد خلا له الجوّ، فتواكل، وآثر الحجبة، وأشرك الأيدي في ملكه، فاستبيحت أموال الرعايا، وضاقت الجبايات، وكثرت الظلامات، وأخذ الناس حرمان العطاء، وانفتحت أبواب الإرجاف، وحدّت أبواب القواطع، إلى أن كان من أمره ما هو معروف.
وفي أول من شهر رجب عام واحد وستين وسبعمائة، تحرّك الحركة العظمى إلى تلمسان، وقد استدعى الجهات، وبعض البلاد، ونهد في جيوش تجرّ الشوك والحجر، ففرّ سلطانها أمام عزمه، وطار الذّعر بين يدي الضّلالة، وكنّا قد استغثنا القرار في إيالته، وانتهى بنا الإزعاج إلى ساحل سلا من ساحل مملكته فخاطبته وأنا يومئذ مقيم بتربة أبيه، متذمّم بها، في سبيل استخلاص أملاكي بالأندلس، في غرض التهنئة والتوسّل:
«مولاي، فتّاح الأقطار والأمصار، فائدة الزمان والأعصار، أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار، قدوة أولي الأيدي والأبصار» .
وفاته: وفي ليلة العشرين من شهر ذي قعدة من عام اثنين وستين وسبعمائة، ثار عليه بدار الملك، وبلد الإمارة المعروف بالبلد الجديد، من مدينة فاس، الغادر مخلفه عليها عمر بن عبد الله بن علي، نسمة السوء، وجملة الشؤم، المثل البعيد في الجرأة على قدر، اهتبل «1» غرّة انتقاله إلى القصر السلطاني بالبلد القديم، محتولا إليه، حذرا من قاطع فلكيّ الجدر منه استعجله ضعف نفسه، وأعانه على فرض صحته به، وسدّ الباب في وجهه، ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه، وأصبح حائرا بنفسه، يروم استرجاع أمر ذهب من يده، ويطوف بالبلد، يلتمس وجها إلى نجاح حيلته، فأعياه ذلك، ورشقت من معه السهام، وفرّت عنه الأجناد والوجوه، وأسلمه الدهر، وتبرّأ منه الجدّ. وعندما جنّ عليه الليل، فرّ على وجهه، وقد التفت عليه الوزراء، وقد سفّهت أحلامهم، وفالت آراؤهم، ولو قصدوا به بعض الجبال المنيعة، لولّوا وجوههم شطر مظنّة الخلاص، واتّصفوا بعذار الإقلاع، لكنهم نكلوا عنه، ورجعوا أدراجهم، وتسلّلوا راجعين إلى برّ غادر الجملة، وقد سلبهم الله لباس الحياء والرّجلة، وتأذّن الله لهم بسوء العاقبة، وقصد بعض بيوت البادية، وقد فضحه نهار


صفحه 159

الغداة، واقتفى البعث أثره، حتى وقعوا عليه، وسيق إلى مصرعه، وقتل بظاهر البلد، ثاني اليوم الذي كان غدر فيه، جعلها الله له شهادة ونفعه بها، فلقد كان بقيّة البيت، وآخر القوم، دماثة وحياء، وبعدا عن الشرّ، وركونا للعافية.
وأنشدت على قبره الذي ووريت به جثّته بالقلعة من ظاهر المدينة، قصيدة أدّيت فيها بعض حقّه: [الوافر]
بني الدنيا، بني لمع السّراب، ... لدوا للموت وابنوا للخراب
إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص عمر ابن يحيى الهنتاني، أبو إسحاق
أمير المؤمنين بتونس، وبلاد إفريقية، ابن الأمير أبي زكريا، أمير إفريقية، وأصل الملوك المتأثّلين العزّ بها، والفرع الذي دوّح بها، من فروع الموحّدين بالمغرب، واستجلابه بها أبا محمد عبد المؤمن بن علي، أبا الملوك من قومه، وتغلّب ذريته على المغرب وإفريقية والأندلس معروف كله، يفتقر بسطه إلى إطالة كثيرة، تخرج عن الغرض.
وكان جدّ هؤلاء الملوك من أصحاب المهدي، في العشرة الذين هبّوا لبيعته، وصحبوه في غربته، أبو حفص، عمر بن يحيى، ولم يزل هو وولده من بعده، مرفوع القدر، معروف الحق.
ولمّا صار الأمر للناصر «1» أبي عبد الله بن المنصور أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن بن علي، صرف وجهه إلى إفريقية، ونزل بالمهديّة، وتلوّك إليه ابن غانية «2» فيمن لفّه من العرب والأوباش، في جيش يسوق الشجر والمدر، فجهّز إلى لقائه عسكرا لنظر الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص «3» ، جدّهم الأقرب،


صفحه 160

فخرج من ظاهر المهدية في أهبة ضخمة، وتعبئة محكمة، والتقى الجمعان، فكانت على ابن غانية، الدائرة، ونصر الشيخ محمد نصرا لا كفاء له، وفي ذلك يقول أحمد بن خالد من شعر عندهم: [الطويل]
فتوح بها شدّت عرى الملك والدّين ... تراقب منّا منكم غير ممنون
وفتحت المهدية على هيئة ذلك الفتح، وانصرف الناصر إلى تونس، ثم تفقّد البلاد، وأحكم ثقافها «1» ، وشرع في الإياب إلى المغرب، وترجّح عنده تقديم أبي محمد بن أبي حفص المصنوع له بإفريقية، على ملكها، مستظهرا منه بمضاء وسابقة وحزم؛ بسط يده في الأموال، وجعل إليه النظر في جميع الأمور، سنة ثلاث وستمائة. ثم كان اللقاء بينه وبين ابن غانية في سنة ست بعدها؛ فهزم ابن غانية، واستولى على محلّته؛ فاتصل سعده، وتوالى ظهره، إلى أن هلك مشايعا لقومه من بني عبد المؤمن، مظاهرا بدعوتهم عام تسعة وعشرين وستمائة «2» .
وولي أمره بعده، كبير ولده، عبد الله، على عهد المستنصر بالله بن الناصر من ملوكهم؛ وقد كان الشيخ أبو محمد زوحم، عند اختلال الدولة، بالسيد أبي العلاء الكبير، عمّ أبي المستنصر على أن يكون له اسم الإمارة بقصبة تونس، والشيخ أبو محمد على ما لسائر نظره؛ فبقي ولده عبد الله على ذلك بعد، إلى أن كان ما هو أيضا معروف من تصيّر الأمر إلى المأمون أبي العلاء إدريس، ووقعه السيف في وجوه الدولة بمراكش، وأخذه بثرّة «3» أخيه وعمّه منهم. وثار أهل الأندلس على السيد أبي الربيع بعده بإشبيلية وجعجعوا بهم، وأخذوا في التشريد بهم، وتبديد دعوتهم؛ واضطربت الأمور، وكثر الخلاف، ولحق الأمير أبو زكريا بأخيه بإفريقية، وعرض عليه الاستبداد، فأنف من ذلك، وأنكره عليه إنكارا شديدا، خاف منه على نفسه؛ فلحق بقابس فارّا، واستجمع بها مع شيخها مكّي، وسلف شيوخها اليوم من بني مكي؛ فمهّد له، وتلقّاه بالرحب، وخاطب له الموحدين سرّا، فوعدوه بذلك، عند خروج عبد الله من تونس إلى الحركة، من جهة القيروان. فلمّا تحرّك نحوا عليه، وطلبوا منه المال، وتلكّأ، فاستدعوا أخاه الأمير أبا زكريا، فلم يرعه وهو قاعد في خبائه آمن في سربه، إلّا ثورة الجند به، والقبض عليه، ثم طردوه إلى مرّاكش؛ وقعد


صفحه 161

أخوه الأمير أبو زكريا مقعده، وأخذ بيعة الجند والخاصّة لنفسه، مستبدّا بأمره، ورحل إلى تونس، فأخذ بيعة العامّة، وقتل السّيد الذي كان بقصبتها؛ وقبض أهل بجاية حين بلغهم الخبر على واليها السّيد أبي عمران، فقتلوه تغريقا؛ وانتظمت الدولة، وتأثّل الأمر. وكان حازما داهية مشاركا في الطّلب، أديبا راجح العقل، أصيل الرأي، حسن السياسة، مصنوعا له، موفقا في تدبيره؛ جبى الأموال، واقتنى العدد، واصطنع الرجال، واستكثر من الجيش، وهزم العرب، وافتتح البلاد، وعظمت الأمنة بينه وبين الخليفة بمراكش الملقّب بالسّعيد. وعزم كلّ منهما على ملاقاة صاحبه، فأبى القدر ذلك؛ فكان من مهلك السعيد بظاهر تلمسان ما هو معروف. واتصل بأبي زكريا هلك ولده وليّ العهد أبي يحيى ببجاية، فعظم عليه حزنه وأفرط جزعه، واشتهر من رثائه فيه قوله: [الطويل]
ألا جازع يبكي لفقد حبيبه ... فإني لعمري قد أضرّ بي الثّكل
لقد كان لي مال وأهل فقدتهم ... فهأنا لا مال لديّ «1» ولا أهل
سأبكي وأرثي حسرة لفراقهم ... بكاء قريح لا يملّ ولا يسلو «2»
فلهفي ليوم فرّق الدهر بيننا ... ألا فرج يرجى فينتظم الشّمل؟
وإني لأرضى بالقضاء وحكمه ... وأعلم ربّي أنه حاكم عدل
نسبه ابن عذاري المراكشي في البيان المغرب «3» . واعتلّ بطريقه فمات ببلد العنّاب لانقضاء أربعة من مهلك السعيد؛ وكان موت السعيد؛ يوم الثلاثاء، منسلخ صفر سنة ست وأربعين وستمائة. وبويع ولده الأمير أبو عبد الله بتونس وسنّه إحدى وعشرين سنة، فوجد ملكا مؤسّسا، وجندا مجنّدا، وسلطانا قاهرا ومالا وافرا؛ فبلغ الغاية في الجبروت والتّيه والنّخوة والصّلف، وتسمّى بأمير المؤمنين، وتلقّب بالمستنصر بالله؛ ونقم عليه أرباب دولته أمورا أوجبت مداخلة عمّه أبي عبد الله بن عبد الواحد، المعروف باللّحياني. ومبايعته سرّا بداره، وانتهى الخبر للمستنصر، فعاجل الأمر قبل انتشاره برأي الحزمة من خاصّته، كابن أبي الحسين، وأبي جميل بن أبي الحملات بن مردنيش، وظافر الكبير، وقصدوا دار عمّه فكبسوها، فقتلوا من كان بها، وعدّتهم تناهز خمسين، منهم عمّه، فسكن الإرجاف، وسلم المنازع، وأعطت


صفحه 162

مقادها، واستمرّت أيّامه. وأخباره في الجود والجرأة والتّعاظم على ملوك زمانه، مشهورة. وكانت وفاته سنة أربع وسبعين وستمائة وولي أمره بعده ابنه الملقّب بالواثق بالله، وكان مضعوفا، ولم تطل مدته.
عاد الحديث، وكان عمّه المترجم، لمّا اتصل به مهلك أخيه المستنصر، قد أجاز البحر من الأندلس، ولحق بتلمسان، وداخل كثيرا من الموحّدين بها، كأبي هلال، فهيّأ له أبو هلال تملّك بجاية، ثم تحرّك إلى تونس، فتغلّب عليها، فقتل الواثق وطائفة من إخوته وبنيه، منهم صبيّ يسمّى الفضل، وكان أنهضهم، واستبدّ بالأمر، وتمّت بيعته بإفريقية، وكان من الأمر ما يذكر.
حاله: كان أيّدا «1» ، جميلا وسيما، ربعة بادنا، آدم اللون، شجاعا بهمة، عجلا غير مراخ، ولا حازم، منحطّا في هوى نفسه، منقادا للذّته، بريئا من التشمّت في جميع أمره. وولي الخلافة في حال كبره، ووخطه الشيب، وآثر اللهو، حتى زعموا أنه فقد فوجد في مزرعة باقلا مزهرة ألفي فيها بعد جهد، نائما بينها، نشوان يتناثر عليه سقطها؛ واحتجب عن مباشرة سلطانه؛ فزعموا أن خالصته «2» أبا الحسن بن سهل، داخل الناس بولده أبي فارس في خلعه، والقيام مكانه، وبلغه ذلك، فاستعدّ وتأهّب، واستركب الجند، ودعا ولده، فأحضره ينتظر الموت من يمينه وشماله، وأمر للحين فقتل وطرح بأزقّة المدينة، وعجّل بإزعاج ولده إلى بجاية، وعاد إلى حاله.
دخوله غرناطة: قالوا: ولمّا أوقع الأمير المستنصر بعمّه أبي عبد الله، كان أخوه أبو إسحاق، ممّن فرّ بنفسه إلى الأندلس؛ ولجأ إلى أميرها أبي عبد الله بن الغالب بالله أبي عبد الله بن نصر، ثاني ملوكهم «3» فنوّه به، وأكرم نزله، وبوّأه بحال عنايته، وجعل دار ضيافته لأول نزوله القصر المنسوب إلى السّيد «4» خارج حضرته،