بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 180

وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «1» : «طلع شهابا ثاقبا، وأصبح بشعره للشّعرى مصاقبا، فنجم وبرع، وتمّم المعاني واخترع؛ إلى خطّ يستوقف الأبصار رائقه، وتقيّد الأحداق حدائقه، وتفتن الألباب فنونه البديعة وطرائقه، من بليغ يطارد أسراب المعاني البعيدة فيقتنصها، ويغوص على الدّرر الفريدة فيخرجها، ويستخلصها بطبع مذاهبه دافقة، وتأييد رايته خافقة. نبه في عصره شرف البيان من بعد الكرى، وانتدب بالنشاط إلى تجديد ذلك البساط وانبرى، فدارت الأكواس، وتضوّع الورد والآس، وطاب الصّبوح، وتبدّل الروح المروح، ولم تزل نفحاته تتأرّج، وعقائل بناته تتبرّج، حتى دعي إلى الكتابة، وخطب إلى تلك المثابة، فطرّز المفارق برقوم أقلامه، وشنّف المسامع بدرّ كلامه؛ ثم أجاب داعي نفسه التي ضاق عنها جثمانه، لا بل زمانه، وعظم لها فكره وغمّه، وتعب في مداراتها، وكما قال أبو الطيب المتنبي:
«وأتعب خلق الله من راد محمده» ، فارتحل لطيّته، واقتعد غارب مطيّته، فحجّ وزار، وشدّ للطّواف الإزار. ثم هبّ إلى المغرب وحوّم، وقفل قفول النسيم عن الرّوض بعدما تلوّم، وحطّ بإفريقية على نار القرى، وحمد بها صباح السّرى، ولم يلبث أن تنقل، ووحر الحميم شفافه وتنغل، ثم بدا له أخرى فشرق، وكان عزمه أن يجتمع فتفرّق» .
مشيخته: روى «2» عن مشيخة بلده وأشجر، وقيّد واستكثر، وأخذ في رحلته عن أناس شتّى يشقّ إحصاؤهم.
تواليفه: منها كتاب «المساهلة والمسامحة، في تبيين طرق المداعبة والممازحة» ، و «إيقاظ الكرام، بأخبار المنام» ، و «تنعيم الأشباح بمحادثة الأرواح» ، وكتاب «الوسائل، ونزهة المناظر والحمائل» و «الزّهرات، وإجالة النّظرات» ، وكتاب في «التّورية» على حروف المعجم، أكثره مروي الأسانيد عن خلق كثير، والله تعالى يخره؛ وجزء في تبيين المشكلات الحديثة الواصلة من زبيد اليمن إلى مكّة؛ وجزء في بيان اسم «3» الله الأعظم، وهو كبير الفائدة، و «نزهة الحدق، في ذكر الفرق» ، وكتاب الأربعين حديثا البلدانية، والمستدرك عليها من البلاد التي دخلتها، ورويت فيها، زيادة على الأربعين، و «روضة العباد المستخرجة من الإرشاد» ، وهو من تأليف شيخنا القطب أبي محمد الشافعي؛ والأربعون حديثا التي رويتها عن الأمراء والشيوخ،


صفحه 181

الذين رووا عن الملوك والأمراء؛ والشيوخ الذين رووا عن الملوك والخلفاء القريب عهدهم؛ ووصلت بها خاتمة ذكرت فيها فوائد مما رويته عن الملوك والأمراء، وعن الشيوخ الذين رووا عن الملوك والأمراء؛ وكتاب «اللّباس والصّحبة» وهو الذي جمعت فيه طرق المتصوّفة، المدّعي أنه لم يجمع مثله؛ وكتاب فيه شطر الحماسة لحبيب، وهو غير مكمل؛ ورجز «1» في الفرائض على الطريقة البديعة التي ظهرت ببلاد «2» الشرق؛ ورجز صغير في الحجب والسّلاح، ورجز في الجدل؛ ورجز «3» في الأحكام الشرعية سمّاه، ب «الفصول المقتضبة، في الأحكام المنتخبة» ؛ وكتاب سمّاه ب «مثاليث «4» القوانين، في التّورية والاستخدام والتّضمين» ، وهو كله من نظمه؛ وله تأليف سمّاه ب «فيض العباب، وإجالة قداح الآداب، في الحركة إلى قسنطينة والزّاب» .
شعره: ومن شعره في المقطوعات «5» : [الكامل]
طاب العذيب بماء «6» ذكرك وانثنى ... فكأنما ماء العذيب سلافه
واهتزّ من طرب للقياك الحمى ... فكأنّما باناته «7» أعطافه
ومن ذلك «8» : [الطويل]
لي المدح يروى منذ كنت كأنما ... تصورت مدحا للورى وثناء
وما لي هجاء فاعجبنّ لشاعر ... وكاتب سرّ لا يقيم هجاء
ومن ذلك «9» : [الطويل]
ولي فرس من علية الشّهب سابق ... أصرّفه يوم الوغى كيف أطلب
غدوت «10» له في حلبة القوم مالكا ... يتابعني ما شئت في السّبق أشهب «11»


صفحه 182

وقال، وقد وقف حاجب السلطان على عين ماء «فيض «1» الثغور» وشرب منها «2» : [المتقارب]
تعجّبت من ثغر هذي البلاد ... وها أنت من عينه شارب «3»
فلله ثغر أرى شاربا ... وعين بدا فوقها حاجب
ومن ذلك «4» : [المتقارب]
وحمراء في الكأس مشمولة ... تحثّ على العود في كلّ بيت
فلا غرو أن جاءني سابقا ... إلى الأنس خلّ «5» يحثّ الكميت
وقال مضمّنا، وقد تذكر حمراء غرناطة، وبابها الأحفل المعروف «بباب الفرج» «6» : [المتقارب]
أقول وحمراء غرناطة تشوق ... تشوق النّفوس وتسبي المهج
ألا ليت شعري بطول السّرى ... أرتنا الوجى واشتكت العرج
وما لي في عرج رغبة ... ولكن لأقرع باب الفرج
وقال ملغزا في قلم وهو ظريف «7» : [الطويل]
أحاجيك «8» ما واش يراد حديثه ... ويهوى الغريب النازح الدار إفصاحه
تراه مع الأحيان أصفر ناحلا ... كمثل مريض وهو قد لازم الرّاحه «9»
وقال: [الطويل]
وقالوا رمى في الكأس وردا فهل ترى ... لذلك وجها؟ قلت أحسن به قصدا
ألم تجد اللذّات في الكأس حلبة؟ ... فلا تنكروا فيها الكميت ولا الوردا


صفحه 183

وقال «1» : [الطويل]
كماة تلاقت تحت نقع سيوفهم ... وللهام رقص كلّما طلب الثّار
فلا غرو أن غنّت وتلك رواقص ... لها «2» فيهم في مارد الحرب أوتار
وقال: [الرجز]
وعارض في خدّه نباته ... فحسنه بين الورى يسحرنا
أجرى دموعي إذ جرت شوقا له ... فقلت هذا عارض ممطرنا
وقال وقد توفي السلطان أبو يحيى بن أبي بكر، صاحب تونس، وولي ابنه أبو حفص بعد قتله لإخوته: [الطويل]
وقالوا أبو حفص حوى الملك غاصبا ... وإخوته أولى وقد جاء بالنّكر
فقلت لهم كفّوا فما رضي الورى ... سوى عمر من بعد موت أبي بكر
وقال مضمّنا، وقد حضر الفتى الكبير عنبر قتالا، وكان فارسا مذكورا عند بني مرين: [الكامل]
ولقد أقول وعنبر ذاك الفتى ... يلقى الفوارس في العجاج الأكور
يا عاثرين لدى الجلاد لعا فقد ... بسقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وقال وقد اشتاق إلى السّبيكة «3» خارج حمراء غرناطة: [مجزوء الرمل]
إنّ «4» إفراط بكائي ... لم يرع مني عريكه
قد أذاب العين لمّا ... زاد شوقي للسّبيكه
وقال: [الكامل]
لمّا نزلت من السّبيكة صادني ... ظبي وددت لديه أن لم أنزل
فاعجب لظبي صاد ليثا لم يكن ... من قبلها متخبّطا في أحبل


صفحه 184

وقال وهو ظريف: [الكامل]
قد قارب العشرين ظبي لم يكن ... ليرى الورى عن حبّه سلوانا
وبدا الربيع بخدّه فكأنما ... وافى الربيع ينادم النّعمانا
وقال «1» : [الطويل]
أتوني فعابوا من أحبّ جماله ... وذاك على سمع المحبّ خفيف
فما فيه عيب غير أنّ جفونه ... مراض وأنّ الخصر منه ضعيف
وقال: [المتقارب]
أيا عجبا كيف تهوى الملوك ... محلّي وموطن أهلي وناسي
وتحسدني وهي مخدومة ... وما أنا إلّا خديم بفاس
نثره: ونثره تلو نظمه في الإجادة، وقد تضمّن الكتاب المسمى ب «نفاضة الجراب» منه ذكر كل بديع؛ فمما ثبت فيه، مما خاطبته به، وقد ولّي خطّة القضاء بالإقليم، أداعبه، وأثير ما تستحويه عجائبه: [السريع]
يا «2» قاضي العدل الذي لم تزل ... تمتار شهب الفضل من شمسك
قعدت للإنصاف بين الورى ... فاطلب لنا الإنصاف من نفسك
«ما للقاضي، أبقاه الله، ضاق ذرع عدله الرّحيب، عن العجيب؛ وهمّ عن العتب، وضنّ على صديقه حتى بالكتب؛ أمن المدوّنة الكبرى ركب هذا التحريج، أم من المبسوطة ذهب إلى هذا الأمر المريج؛ أم من الواضحة امتنع عن الإمام ببديع الوفاء والتعريج؟ من أمثالهم ارض من أخيك بعشر ودّه إذا ولّي، وقد قنعنا والحمد لله بحبّة من مدّه، وإشارة من درجه، وبرّة وصاعة معتدلة، من زمان بلوغ أشدّه؛ فما باله يمطل مع الغنى، ويحوج إلى العنا، مع قرب الجنى؛ المحلة حلّة ضالع، ومطمع وطامع، ومرأى ورأي، ومستمع وسامع، والكنف واسع، والمكان لا ناء ولا شاسع؛ والضّرع حافل؛ والزّرع كاف كافل؛ والقريحة وارية الزّند، والإمالة خافقة البند؛ وهب أن البخل يقع بها في الخوان على الإخوان، فما باله يسمح بالبيان، وليس الخبر كالعيان؛ ويتعدّى حظّ الجنان، لا خطّ البنان؛ أعيذ سيدي من ارتكاب رأي ذميم، ينقل إلى نميرها بيت تميم؛ ويقصد معناه بتميم، وهلّا تلا حم؛ وعهدي بالسياسة القاضوية، وقد نامت في مهاد أهل الظرف، نوم أهل الكهف، ولم تبال بمردّد الويل


صفحه 185

واللهف، أو شربة لحفظ الصّحة بختجا، ودقّت لإعادة الشّبيبة عفصا ورد سختجا؛ وغطّت الصبح بالليل إذا سجا، ومدّت على ضاحي البياض صلّا سجسجا؛ وردّت سوسن العارض بنفسجا، ولبس بحرها الزّاخر من طحلب البحر منتسجا؛ وأحكام العامّة، ومزين المرأة ينصح ويرشد، ويطوي المحاسن وينشد، حتى حسنت الدّارة، وصحّت الاستدارة، وأعجبه الوجه الجميل، والقدّ الذي يميد في دكّة الدّار ويميل، وأغرى بالسّواك السّميم والتكميل، وولج بين شفرتي سيد الميل، وقيل لو صاح اليمين خاب فيك التّأميل؛ وامتدّ جناح برنس السّرق، واحتفل الغصن الرّطيب في الورق، ورشّ الورد بمائه عند رشح العرق. وتهيّأ لمنطلق، فقرأت عليه نساء أعوانه، وكتبة ديوانه، سورة الفلق؛ من بعد ما وقف الإمليق حجّابه على إقدامهم، وسحبهم جلاوزته من أقوامهم؛ فمثلوا واصطفّوا، وتألّفوا والتفّوا، وداروا وحفّوا، وما تسلّلوا ولا خفوا؛ كأنما أسمعتهم صيحة النّشر، وأخرجوا لأول الحشر، فعيونهم بملتقى المصراع معقودة، وأذهانهم لمكان الهيبة مفقودة، وحبالتهم قبل الطلب بها منقودة؛ فبعد ما فرش الوساد، وارتفع بالنّفاق الكساد، وذارع البكا وتأرّج الحسّاد، واستقام الكون وارتفع الفساد، وراجعت أرواحها الأجساد؛ جاءت السّادة القاضوية فجلست، وتنعّمت الأحداق بالنظر فيها واختلست، وسجّت الأكفّ حتى أفلست؛ وزانت شمسها ذلك الفلك، وجلت الأنوار ذلك الحلك، وفتحت الأبواب وقالت هيت لك؛ ووقفت الأعوان سماطين ومثلوا خطّين، وتشكّلوا مجرّة تنتهي منك إلى البطين، يعلنون بالهديّة ويجهرون، ولا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
«1» ؛ من كل شهاب ثاقب وطائف غاسق واقب، وملاحظ مراقب؛ كميش الإزار، بعيد المزار، حامل للأوبار، خصيم مبين، وارث سوفسطائيّا عن رثين، مضطلع بفقه البين وحريمها، فضلا عن تلقين الخصوم وتعليمها، يرأسهم العريف المقرّب، والمقدّم المدرّب، والمشافه المباشر، والنّابح الشاكر، والنّهج العاشر؛ الذي يقتضي خلاص العقد، ويقطع الكالي والنّقد، ويزكّي ويجرّح، ويمسك ويسرّح ويطرح، ويحمل من شاء أو يشرّح، والمسيطر الذي بيده ميزان الرّزق، وجميع أجزاء المفترق، وكافة قابلة، وحم الدّواة الفاغرة، ورشا بلالة الصّدور الواغرة؛ فإذا وقف الخصمان بأقصى مطرح الشعاع، أيّان يجتمع الرّعاع، وأعلنّا النّداء، وطلب الأعداء، وصاحا: جعل الله أنفسنا لك الفداء، ورفع الأمر إلى مقطع الحق، والأولى بالمثوبة الأحق، أخذتهما الأيدي دفعا في القفيّ، ورفعا السّتر اللّطيف الخفيّ، وأمسكا بالحجر والأكمام، ومنعا المباشرة والإلمام؛ فإذا أدلى بحجّته من


صفحه 186

أدلى، وسمعها دينه عدلا، وحقّ القول، واستقرّ الهول، ووجبت اليمين، أو الأداء الذي يفوت له الذخر الثمين، أو الرهن أو الضّمين، أو الاعتقال الذي هو على أحدهما كالأمين؛ نهش الصّل، الذي سليمه لا هل، ولسبت العقارب، التي لا يفلتها الهارب، ولا تخفى منها المشارب؛ وكم تحت ظلام الليل من غرارة يحملها غرّ، وصدّه ريح فيها صرّ؛ ويهدي ارتقاب قلّة شهد، وكبش يجرّ بقرنيه، ويدفع بعد رفع ساقيه؛ ومعزى وجدي وقلائد، وسرب دجاج، ذوات بجاج، يفضحن الطّارق، ويشعثن المفارق، فمتى يستفيق سيدي مع هذا اللّغط العائد بالصّلة، واللهو المتّصلة، وتفرغ يده البيضاء لأعمال ارتياض، وخطّ سواد في بياض، أو حنين لدوح أو رياض؛ أو إمتاع طرف، باكتشاف حرف، أو إعمال عدل لرسول في صرف، أو حشو طرف، بتحفة ظرف؛ شأنه أشدّ استغراقا، ومثواه أكثر طراقا، من ذكرى حبيب ومنزل «1» ، وأمّ معدّل؛ وكيف يستخدم القلم الذي يصرف ماء الحبر، بذوب التّبر، في ترّهات عدم جناها؛ وأقطع جانب الخيبة لفظها ومعناها؛ اللهمّ إلا أن تحصل النفس على كفاية تحتم لها الصّدر، ويشام من خلالها اللّجين الرفيع القدر، أو يحيى للفكاهة والأنس، أو ينفق لديها ذمام على الجنس؛ فربما تقع المخاطبة المبرورة، وتبيح هذا المرتكب الصعب الضرورة؛ والمرغوب من سيّدنا القاضي أن يذكرنا يوما بالإغفال في نعيمه، ولا يخيّب آمالنا المتعلّقة بأذيال زعيمه، ويسهمنا حظّا من فرائد خطّه، لا من فوايد خطّته، ويجعل لنا كفلا من فضل بريته وحنطته لا من فضل هرّته وقطّته؛ فقد غنينا عن الحلاوات بحلاوات لفظه، وعن الطرف المجموعة، بفنون حفظه، وعن قصب السّكر، بقصب أقلامه؛ وعن جنى الرّوم بروامه، وبهديه، عن جديه؛ وبمجاجته، عن دجاجته؛ وبدلجه عن أترجّه؛ وعن البر ببرّه، وعن الحبّ بحبّه؛ ولا نأمل إلّا طلوع بطاقته، وقد رضينا بوسع طاقته؛ وإلّا فلا بدّ أن يجيش جيش الكلام إلى عتبه، ونوالي عليه ضرايب الكتائب، حتى يتّقي بضريبة كتبه، والسلام» .
فراجعني بما نصه: [الطويل]
فنيت عن الإنصاف منّي لأنني ... كما قلت لكم من فراقكم قاض
فمن سمعنا أو من بعينك إنني ... بكلّ الذي ترضاه يا سيدي راض


صفحه 187

«عمرك الله أيها الإمام الفذّ، ومن بمدحه تطرب الأسماع وتلذّ، أوحد الدنيا وحائز الرّتبة العليا؛ ولولا أنك فوق ما يقال، والزّلّة إن لم تظهر العجز عن وصفك لا تقال، لأطلت في القول، وهدرت هدير قرع الشّول، لكن تحصيل الحاصل محال، ولكلّ في تهيّب كمالك مقال، ومقام وحال؛ ولولا أنّ الدعاء مأمول، وهو يظهر الغيب مقبول، والزيادة من فضل الله لا تنتهي، والنّعم قد توافيك، فوق ما تشتهي، لأريت أن ذلك أمر كفي، وأمر ظهر فيه ما خفي: [البسيط]
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربّي فهو قد فعلا
إيه يا سيدي، ما هذه الكلمات السّحريّة والأنفاس النّفيسة الشّجرية، والألفاظ التي أنالت المرغوب وخالطت بشاشتها القلوب، والنّزعات الرّائقة، والأساليب الفائقة، والفصاحة التي سلبت العقول، والبلاغة التي أوجبت الذّهول؛ والبيان الذي لا يضيق صحيفه، ولا يبلغ أحد مدّه ونصيفه؛ يمينا بما احتوى من المحاسن، واللطائف التي لم يكن ماؤها بالآسن، وقسما ببراعتك التي هي الواسي المطاع، وطرسك الذي أبهجت به الأبصار والأسماع؛ لقد عاد لي بكتابتك عيد الشّوق، وجاد لي بخطابك جدّ التّوق، ولعهدي بنفسي رهن أشجاني، غير محلولة عقدة لساني، أشدّ من الصخرة جلدا، وأغلظ من الإبل كبدا؛ حتى إذا بدت حقيدة القلب وهبّ نسيمه الرّطب، وأفيح مورده العذب، وأضاء بنوره الشّرق والغرب، ولم يبق لي بثّ ولا شجن، ولا شاقني أهل ولا وطن؛ ومضى سيف اللسان بعد النبوّ، ونهض طرف الفكر بعد البكر، وهزّني الطّرب المثير للأفراح، ومشى الجذل في أطرافي وأعطافي مشي الرّاح؛ بيد أني خجلت ولا خجلة ربّة الخدر، وتضاءلت نفسي لجلالة ذلك القدر؛ وقلت ما لي بشربة من كأس بيانه، وقطرة من بحور إحسانه؛ حتى أؤدّي ولو بعض حقّك، وأكتب عقد ملك رقيّ لرقك، إنني على ما وليت من الصّدقة والصّداقة وبعد طلاقك؛ لكني أقوم في حقك مستغفرا، ولا أرضى أن أكون لذمّة المخدوم خفرا؛ على أنني أقول، قد كتبت فلم يردّ جوابي، وجرمت فهاج الجوى بي، ولعمري قد لزمت فيه خطّة الأدب، ولم أر التّثقيل على المولى الرّفيع الرّتب؛ فأما وقد نفقت عندك بضاعتي المزجاة، وشملني من لدنك الحلم والإناة، وشرّفتني بالخطاب الكريم، والرسالة التي عرفت في وجهها نضرة النعيم؛ فما أبغي إلّا إيرادها عليك وكلها خراج، ولبردها في الإجادة إنهاج؛ ولعلّك ترضى التّخريج من مدوّنة الأخبار، والمبسوطة والواضحة، لكن من الأعذار. وأمّا الولاية التي يقنع بسببها من الودّ بالعشر، أو بحبّة من المدّ إلى يوم النّشر، فلا بدّ أن يكون القانع محتاجا للوالي، ومفتقرا إلى التفقّد المتوالي؛ وأما إذا كان القانع هو الذي تولّى الخطّة، وأكسب الهرّ