ويبكي الأيامى ويبكي اليتامى ... ويحكي الحمام ذوات الشّجن
ويشكو إلى الله شكوى شج ... ويدعوه في السّرّ ثم العلن
وكانت رباطا لأهل التّقى ... فعادت مناطا لأهل الوثن
وكانت معاذا لأهل التّقى ... فصارت ملاذا لمن لم يدن
وكانت شجى في حلوق العدا ... فأضحى لهم مالها محتجن
وهي طويلة، ولديّ خلاف فيمن أفرط في استحسانها. وشعره عندي وسط.
ومن شعره وهو حجّة في عمره عند الخلاف في ميلاده ووفاته، قال: [الطويل]
ثمانون «1» مع ستّ عمرت وليتني ... أرقت دموعي بالبكاء على ذنب
فلا الدّمع في محو الخطيئة غنية ... إذا هاج من قلب منيب إلى الرّبّ
فيا سامع الأصوات رحماك أرتجي ... فهب «2» إنسكاب الدّمع من رقّة القلب
وزكّ الذي تدريه من شيمة ... تعلّق بالمظلوم من شدّة الكرب
وزكّ مثابي في العقود وكتبها ... لوجهك لم أقبل ثوابا على كتب
ولا تحرمني أجر ما كنت فاعلا ... فحقّ اليتامى عندي من لذي صعب
ولا تخزني يوم الحساب وهو له ... إذا جئت مذعورا من الهول والرّعب
مولده: حسبما نقل من خط ابنه أبي جعفر، ولد، يعني أباه سنة أربع وثمانين وأربعمائة» .
وفاته: بعد صلاة المغرب من ليلة الثلاثاء الثامن عشر من محرم عام اثنين وسبعين وخمسمائة. ونقل غير ذلك.
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبيدس بن محمود النفزي
أبّذي «4» الأصل، غرناطي الاستقرار، ويكنى أبا إسحاق.
حاله: خاتمة الرّحّال بالأندلس، وشيخ المجاهدات وأرباب المعاملات، صادق الأحوال، شريف المقامات، مأثور الإخلاص مشهور الكرامات، أصبر الناس على
مجاهداته، وأدومهم على عمل وذكر وصلاة وصوم، لا يفتر عن ذلك ولا ينام، آية الله في الإيثار، لا يدّخر شيئا لغد، ولا يتحرّف بشيء، وكان فقيها حافظا، ذاكرا للغة والأدب، نحويّا ماهرا، درس ذلك كلّه أول أمره، كريم الأخلاق، غلب عليه التصوّف فشهر به، وبمعرفة طريقه الذي ندّ فيها أهل زمانه، وصنّف فيها التصانيف المفيدة.
ترتيب زمانه: كان يجلس إثر صلاة الصبح لمن يقصده من الصالحين، فيتكلم لهم بما يجريه الله على لسانه، وييسّر من تفسير، وحديث وعظة، إلى طلوع الشمس؛ فيتنفّل صلاة الضّحى، وينفصل إلى منزله، ويأخذ في أوراده، من قراءة القرآن والذّكر والصلاة إلى صلاة الظهر، فيبكّر فى رواحه، ويوالي التنفّل إلى إقامة الصلاة، ثم كذلك في كل صلاة، ويصل ما بين العشاءين بالتنفّل، هذا دأبه أبدا.
وكان أمره في التوكّل عجبا، لا يلوي على سبب، وكانت تجبى إليه ثمرات كلّ شيء، فيدفع ذلك بجملته، وربما كان الطعام بين يديه، وهو محتاج، فيعرض من يسأله، فيدفعه جملة، ويبقى طاويا، فكان الضعفاء والمساكين له لياذا ينسلون من كل حدب، فلا يردّ أحدا منهم خائبا، ونفع الله بخدمته وصحبته، واستخرج بين يديه عالما كثيرا.
مشيخته: أخذ القراءة عن أبي عبد الله الحضرمي، وأبي الكوم جودي بن عبد الرحمن، والحديث عن أبي الحسن بن عمر الوادي آشي، وأبي محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله، والنحو واللغة عن ابن يربوع وغيره. ورحل وحجّ، وجاور وتكرّر. ولقي هناك غير واحد، من صدور العلماء وأكابر الصوفية، فأخذ صحيح البخاري سماعا منه سنة خمس وستمائة عن الشّريف أبي محمد بن يونس، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن المغرباني، ونصر بن أبي الفرج الحضرمي، وسنن أبي داود وجامع التّرمذي على أبي الحسن بن أبي المكارم نصر بن أبي المكارم البغدادي، أحد السامعين على أبي الفتح الكروخي، وأبي عبد الله محمد بن مستري الحمة، وأبي المعالي بن وهب بن البنا، وببجاية عن أبي الحسن علي بن عمر بن عطيّة.
من روى عنه: روى عنه خلق لا يحصون كثرة؛ منهم أحمد بن عبد المجيد بن هذيل الغسّاني، وأبو جعفر بن الزبير، وغيره.
تواليفه: صنّف في طريقة التصوّف وغيرها تصانيف مفيدة؛ منها «مواهب العقول وحقائق المعقول» ، و «الغيرة المذهلة، عن الحيرة والتّفرقة والجمع» ، و «الرحلة العنوية» ، ومنها «الرسائل في الفقه والمسائل» ، وغير ذلك.
شعره: له أشعار في التصوّف بارعة، فمن ذلك ما نقلته من خط الكاتب أبي إسحاق بن زكريا في مجموع جمع فيه الكثير من القول: [الوافر]
يضيق عليّ من وجدي الفضاء ... ويقلقني من الناس العناء
وأرض الله واسعة ولكن ... أبت نفسي تحيط بها السماء
رأينا العرش والكرسيّ أعلى ... فواليناهما حرم الولاء «1»
فأين الأين منّا أو زمان ... بحيث لنا على الكلّ استواء
شهدنا للإله بكلّ حكم ... فغاب القلب وانكشف الغطاء
ويدعوني الإله إليه حقّا ... فيؤنسني من الخوف الرّجاء
ويقبضني ويبسطني ويقضي ... بتفريقي وجمعي ما يشاء
ويعي في وجود الخلق نحوا ... ينعت من تولّاه الفناء
فكم أخفي وجودي وقت فقدي ... كأن الفقد والإحيا سواء
فسكر ثم صحو ثم سكر ... كذاك الدهر ليس له انقضاء
فوصفي حال من وصفي ولكن ... ظهور الحقّ ليس له خفاء
إذا شمس النهار بدت تولّت ... نجوم الليل ليس لها انجلاء
ومن شعره: [البسيط]
كم عارف سرحت في العلم همّته ... فعقله لحجاب العقل هتّاك
كساه نور الهدى بردا وقلّده ... درّا ففي قلبه للعلم أسلاك
كسب ابن آدم في التحقيق كسوته ... إنّ القلوب لأنوار وأحلاك
كلّف فؤادك ما يبدي عجائبه ... إنّ ابن آدم للأسرار درّاك
كيف وكم ومتى والأين منسلب ... عن وصف باريها والجهل تبّاك
كبّر وقدّس ونزّه ما أطقت فلم ... يصل إلى ملك الأملاك أملاك
كرسيه ذلّ والعرش استكان له ... ونزه الله أملاك وأفلاك
كلّ يقرّ بأنّ العجز قيّده ... والعجز عن درك الإدراك درّاك
وقال: وهو ما اشتهر عنه، وأنشدها بعض المشارقة في رحلته في غرض اقتضى ذلك، يقتضي ذكره طولا: [البسيط]
يا من أنامله كالمزن هامية ... وجود كفّيه أجرى من يجاريها
بحقّ من خلق الإنسان من علق ... انظر إلى رقعتي وافهم معانيها
أني فقير ومسكين بلا سبب ... سوى حروف من القرآن أتلوها
سفينة الفقر في بحر الرّجا غرقت ... فامنن عليها بريح منك يجريها
لا يعرف الشوق إلّا من يكابده ... ولا الصّبابة إلّا من يعانيها
وقال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك، وقد ذكره: على الجملة فبه ختم جلّة أهل هذا الشأن بصقع الأندلس، نفعه الله ونفع به.
مولده: ولد بجيّان سنة اثنتين وستين وخمسمائة أو ثلاث وستين.
إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر التّسوليّ «1»
من أهل تازيّ، يكنى أبا سالم، ويعرف بابن أبي يحيى.
حاله: من أهل «الكتاب المؤتمن» «2» : كان «3» هذا الرجل قيّما على «التّهذيب» ، و «رسالة ابن أبي زيد» ، حسن الإقراء لهما؛ وله عليهما تقييدان نبيلان، قيّدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصّغير، حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس، ولم أر في متصدّري بلده أحسن تدريبا «4» منه. كان فصيح اللسان، سهل الألفاظ، موفيا حقوقها، وذلك لمشاركته الحضر فيما في أيديهم «5» من الأدوات؛ وكان مجلسه وقفا على «التهذيب» و «الرسالة» ؛ وكان مع ذلك شيخا «6» فاضلا، حسن اللقاء، على خلق بائنة من «7» أخلاق أهل مصره. امتحن بصحبة السلطان، فصار يستعمله في الرسائل، فمرّ في ذلك حظّ كبير من عمره ضائعا، لا في راحة دنيا، ولا في نصيب «8» آخرة. ثم قال: هذه «9» سنّة الله فيمن خدم الملوك، ملتفتا إلى ما يعطونه، لا إلى ما يأخذون من عمره وراحته، أن يبوؤا «10» بالصّفقة الخاسرة، لطف الله بمن ابتلي بذلك، وخلّصنا خلاصا جميلا.
ومن كتاب «عائد الصلة» «1» : الشيخ، الحافظ، الفقيه، القاضي، من صدور المغرب، مشاركا «2» في العلم، متبحّرا «3» في الفقه، كان وجيها عند الملوك، صحبهم، وحضر مجالسهم، واستعمل في السفارة، فلقيناه بغرناطة، وأخذنا بها عنه؛ تامّ السّراوة «4» ، حسن العهد، مليح المجالس، أنيق المحاضرة، كريم الطبع، صحيح المذهب.
تصانيفه: قيّد «5» على «المدوّنة» بمجلس شيخه القاضي «6» أبي الحسن كتابا مفيدا وضمّ أجوبته على المسائل في سفر، وشرح كتاب «الرسالة» شرحا عظيم الفائدة.
مشيخته: لازم «7» أبا الحسن الصغير، وهو كان قارىء كتب الفقه عليه، وجلّ انتفاعه في التفقّه به. وروى عن أبي زكريا بن أبي ياسين «8» ، قرأ عليه كتاب «الموطّأ» ، إلّا كتاب «المكاتب» ، وكتاب «المدبّر» ، فإنه سمعه بقراءة الغير، وعن أبي عبد الله بن رشيد، قرأ عليه «الموطأ» ، و «شفاء» عياض، وعن أبي الحسن بن عبد الجليل السّداري «9»
، قرأ عليه «الأحكام الصغرى» لعبد الحق، وأبي الحسن بن سليمان، قرأ عليه «رسالة ابن أبي زيد» ، وعن غيرهم.
وفاته: فلج بآخرة، فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان فمن «10» دونه، وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة «11» .
إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد ابن أبي العاصي التّنوخي «12»
أصله من جزيرة طريف، ونشأ بغرناطة واشتهر.
حاله: من «عائد الصلة» : كان نسيج وحده حياء، وصدقة، وتخلّقا، ومشاركة، وإيثارا. رحل عند استيلاء العدو على جزيرة طريف، عام أحد وسبعين وستمائة، متحوّلا إلى مدينة سبتة، فقرأ بها واستفاد. وورد الأندلس، فاستوطن مدينة غرناطة، وكتب في الجملة عن سلطانها، وترقى معارج الرّتب، حالّا محالا، من غير اختلاف على فضله، ولا نزاع في استحقاقه، وأقرأ فنونا من العلم، بعد مهلك أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزبير، بإشارة منه به؛ وولّي الخطابة والإمامة بجامعها منتصف صفر عام ستة عشر وسبعمائة، وجمع بين القراءة والتدريس، فكان مقرئا للقرآن، مبرّزا في تجويده، مدرّسا للعربية والفقه، آخذا في الأدب، متكلّما في التفسير، ظريف الخط، ثبتا محققا لما ينقله. وألقى الله عليه من المحبة والقبول، وتعظيم الخلق له، ما لا عهد بمثله لأحد؛ بلغ من ذلك مبلغا عظيما، حتى كان أحبّ إلى الجمهور من أوصل أهلهم وآبائهم، يتزاحمون عليه في طريقه، يتمسّحون به، ويسعون بين يديه، ومن خلفه، ويتزاحم مساكينهم على بابه، قد عوّدهم طلاقة وجهه، ومواساته لهم بقوته، يفرّقه عليهم متى وجدوه، وربما أعجلوه قبل استواء خبزه، فيفرّقه عليهم عجينا، له في ذلك أخبار غريبة. وكان صادعا بالحق، غيورا على الدين، مخالفا لأهل البدع، ملازما للسّنّة، كثير الخشوع والتخلّق على علوّ الهمّة، مبذول المشاركة للناس والجدّ في حاجاتهم، مبتليا «1» بوسواس في وضوئه، يتحمل الناس من أجله مضضا في تأخير الصلوات ومضايقة أوقاتها.
مشيخته: قرأ ببلده على الخطيب القاضي المقرئ أبي الحسن عبيد الله بن عبد العزيز القرشي، المعروف بابن القارئ، من أهل إشبيلية، وقرأ بسبتة على الأستاذ إمام المقرئين لكتاب الله، أبي القاسم محمد بن عبد الرحمن بن الطيّب بن زرقون القيسي الضرير، نزيل سبتة، والأستاذ أبي إسحاق الغافقي المريوني، وقرأ على الشيخ الوزير أبي الحكم بن منظور القيسي الإشبيلي، وعلى الشيخ الراوية الحاج أبي عبد الله محمد بن الكتامي التلمساني بن الخضّار، وقرأ بغرناطة على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وأخذ عن أبي الحسن بن مستقور.
شعره: كان يقرض شعرا وسطا، قريبا من الانحطاط. قال شيخنا أبو بكر بن الحكيم «2» في كتابه المسمّى ب «الفوائد المنتخبة، والموارد المستعذبة» : كتب إليه
شيخنا وبركتنا أبو جعفر بن الزيّات في شأن شخص من أهل البيت النبوي بما نصّه:
[الخفيف]
رجل يدّعي القرابة للبي ... ت وإنّ الثريّا منه بمعزل
سال «1» مني خطابكم وهو هذا ... ولكم في القلوب أرفع منزل
فهبوه دعاءكم وامنحوني ... منه حظّا ينمي الثواب ويجزل
وعليكم تحيّة الله مادا ... م أمير الهدى يولّي ويعزل
فأجابه: [الخفيف]
يا إمامي ومن به قطركم ذا ... ك وحادي البلاد أطيب منزل
لم أضع ما نظمتم من يدي حتى ... أنيل الشّريف تحفة منزل
وحباه بكلّ منح جزيل ... من غدا يمنح الثّواب ويجزل
دمتم تنشرون علما ثواب الله فيه لكم أعزّ وأجزل
تذكرون الله ذكرا كثيرا ... وعليكم سكينة الله تنزل
وطلبتم منّي الدّعاء وإنّي ... عند نفسي من الشروط بمعزل
لكن ادعو ولتدع لي برضا الله وأبدى فهم ذكر قد أنزل
وحديث الرسول صلّى عليه ... كل وقت وربّ لنا الغيث ينزل
وعليكم تحيّتي كل حين ... ما اطمأنّت بمكة أمّ معزل
قال: ومما أنشدني من نظمه أيضا في معرض الوصيّة للطلبة «2» : [الكامل]
اعمل بعلمك تؤت علما إنما ... عدوى علوم المرء منح الأقوم «3»
وإذا الفتى قد نال علما ثم لم ... يعمل به فكأنما «4» لم يعلم
وقال موطئا على البيت الأخير «1» : [المتقارب]
أمولاي أنت الغفور الكريم ... لبذل النّوال مع المعذره «2»
عليّ ذنوب وتصحيفها ... ومن عندك الجود والمغفره
إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن محمد ابن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر بن قيس الأنصاري الخزرجي «3»
أمير المؤمنين «4» بالأندلس، رحمه الله.
أوّليّته: تقرّر عند ذكر الملوك من قومه في اسم صنو جدّه، أمير المسلمين أبي عبد الله الغالب بالله.
حاله: من كتاب «طرفة العصر في تاريخ دولة بني نصر» من تصنيفنا «5» :
«كان، رحمه الله، حسن «6» الخلق، جميل «7» الرّواء، رجل جدّ، سليم الصدر، كثير الحياء، صحيح العقل «8» ، ثبتا في المواقف، عفيف الإزار، ناشئا في حجر الطهارة، بعيدا عن «9» الصّبوة، بريئا من المعاقرة. نشأ مشتغلا بشأنه، متبنّكا «10» نعمة أبيه، مختصّا بإيثار السلطان جدّه أبي أمّه، وابن عمّ والده، منقطعا إلى الصّيد، مصروف «11» اللّذّة إلى استجادة سلاحه، وانتقاء مراكبه، واستفراه جوارحه، إلى أن أفضى إليه الأمر، وساعدته الأيام، وخدمه الجدّ، وتنقّل «12» إلى بيته الملك به، وثوى في عقبه الذّكر، فبذل العدل في رعيّته، واقتصد في جبايته، واجتهد في مدافعة