بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 206

بعده، فعادت جذعة، وكانت ثورة الأشياخ في غرناطة في رمضان من العام المذكور هاتفين بخلعان السلطان، وطاعة مخلوعهم، وطالبين منه إسلام وزيره خدن الروم، المتهم على الإسلام أبي عبد الله «1» بن الحاجّ. ثم لحق زعماؤهم بمالقة عند اختلال ما أبرموه، فكانت الحركة الثانية لغرناطة بعد أمور اختصرتها، من استبداد السلطان أبي الوليد بأمره «2» ، والانحطاط في القبض على أبيه، إلى هوى جنده، والتصميم في طلب حقّه، فاتصل سيره، واحتلّ بلوشة سرار شوال فتملّكها. ورحل قافلا إلى وطنه، طريد كلب الشتاء، وافر الخزانة، واقتضى الرأي الفائل ممّن له النظر الجاش من زعيم شيوخ جندها، اتّهاما له بالطاغية، فسجنه. ثم بدا له في أمره، ثم سرّحه بعد استدعاء يمينه، فوغرت صدور حاشيته، وتبعهم من كان على مثل رأيهم، وهو شوكة حادّة، فصرفوا الوجوه إلى السلطان المقبل الحظ، المحبوب إليه هوى الملك، بما راعه، ثانيا من عنانه بأحواز أرجدونة، إلّا تثويب داعيهم، فكرّ إلى المدينة وبرز إليه جيشها، ملتفّا على عبد الحق بن عثمان، فأبلى»
، وصدق الحملة، فكادت تكون الدائرة؛ فلولا ثبوت السلطان لما استقبلت بأسفلهم الحملة، فولّوا منهزمين، وتبعهم إلى سور المدينة، وقد خفت اللّفيف والغوغاء النّاعقون «4» بالخلعان، الشّرهون إلى تبديل الدّعوات، وإلى «5» تسنّم المآذن والمنارات «6» والرّبا. وبرز أهل ربض البيّازين، الهافّون إلى مثل هذه البوارق، إلى شرف ربوتهم «7» ، كلّ يشير مستدعيا إعلانا بسوء الجوار، وملل الإيالات، والانحطاط، وبعد التلوّن والتقلّب، وسآمة العافية؛ شنشنة معروفة في الخلق مألوفة. وبودر غلق باب إلبيرة، ففضّ «8» قفله، ودخلت المدينة، وجاء «9» السلطان إلى معقل الحمراء بأهله وذخيرته وخاصّته، وبرز السلطان أبو الوليد بالقصبة القدمى تجاهها، بالدار الكبرى المنسوبة لابن المول، ينفذ الصكوك، ويذيع العفو، ويؤلف الشّارد، وضعفت بصائر المحصورين، وفشلوا على وجود الطعمة، ووفور المال، وتمكّن المنعة، فالتمسوا لهم ولسلطانهم عهدا نزلوا به، منتقلين إلى مدينة وادي آش، في سبيل العوض بمال معروف، وذخيرة موصوفة؛ وتمّ ذلك، وخرج السلطان رحمه الله مخلوعا، ساء به القرار، جانيا على ملكه الأخابيث والأغمار، ليلة الثامن والعشرين من شوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، واستقرّ بها


صفحه 207

موادعا مرة، ومحاربا أخرى، إلى أن هلك حسبما يأتي ذكره. وخلا للسلطان «1» الجوّ، وصرفت «2» إليه المقادة، وأطاعه القاصي والدّاني، ولم يختلف عليه اثنان، والبقاء الخلص لله وحده.
مناقبه: اشتدّ «3» ، رحمه الله، على أهل البدع، وقصر الخوض على ما تضطر إليه الملّة. ولقد تذوكر بين يديه أهل البيت، فبذل في فدية بعضهم ما يعزّ بذله، ونقل منهم بعضا من حرف خبيثة، فزعموا أنه رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في النوم، فشكر «4» له ذلك. واشتدّ في إقامة الحدود، وإراقة المسكرات، وحظر تجلّي القينات للرجال في الولائم، وقصر طربهنّ على أجناسهنّ من الناس، وأخذ يهود الذمّة بالتزام سمة تشهرهم، وشارة تميّزهم، وليوفّى «5» حقّهم من المعاملة التي أمر بها الشّارع في الخطاب والطّرق «6» ، وهي شواشي صفر.
ولقد حدّث من يخفّ حديثه، من الشيوخ أولي المجانة والدّعابة، قال: كنّا عاكفين على راح، وبرأسي شاشيّة ملف حمراء، فحاول أصحابي إنامتي، حتى أمكن ذلك، وبادروا إلى رقاع من ثوب أصفر، فصنعوا منها شاشية، ووضعوها في رأسي، مكان شاشيتي، وأيقظوني، فقمت لشأني، وقد هيّئوا ثمنا لشراء بقل وفاكهة، وجهّزوني لشرائه، فخرجت حتى أتيت دكان السوق، فساومته، فلمّا نظر إليّ قال لصاحبه: جزى الله هذا السلطان خيرا، والله لقد كنت أبادر هذا اللّعين بالسلام عند لقائه، أظنّه مسلما، وبصق عليّ؛ فهممت أن أوقع به، ثم فطنت للحلية، فانتزعتها، وبادرت فأوسعتهم ذمّا، وعظم خجلي، وسبقني إليهم عين لهم عليّ، فكاد الضحك يهلكهم عند دخولي. ومناقبه كثيرة.
جهاده وبعض الأحداث في مدته: والتأثت «7» الأمور، لأول مدته، فجرت على جيشه بمظاهرة جيش المخلوع لجيش الرّوم، الهزيمة الشنيعة، بوادي فرتونة؛ أوقع بهم الطاغية بطره، كافل ملك الروم، المملك صغيرا على عهد أبيه، وعمّه الذّابّ عنه، ففشا في الأعلام القتل، وذلك في صفر من عام ستة عشر وسبعمائة، وظهر العدوّ بعدها فغلب على حصن شتمانس «8» وحصن بجيج «9» ، وحصن طشكر،


صفحه 208

وثغر «1» روط. ثم صرفت المطامع عزمه إلى الحضرة، فقصد مرجها، وكفّ الله عاديته، وقمعه، ونصر الإسلام عليه، ودالت للدين عليه الهزيمة العظمى بالمرج من ظاهر غرناطة على بريد منها، واستولى على محلّته «2» النّهب، وعلى فرسانه ورجاله القتل، وعظم الفتح، وبهر الصنع وطار الذكر، وثاب السّعد. وكانت الوقيعة سادس جمادى الأولى من عام تسعة عشر وسبعمائة، وفي ذلك يقول كاتبه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب:
الحمد حقّ الحمد للرحمن ... كافي العدو وناصر الإيمان
ومكيّف الصنع الكريم ودافع ال ... خطب العظيم وواهب الإحسان
في كل أمر للمهيمن حكمة ... أعيت على الأفكار والأذهان
واستقرّ ملكهم القتيل بأيدي المسلمين بعد فرارهم، فجعل في تابوت خشب، ونصب بالسور المنازل من الحمراء يسار الداخل بباب يعقوب من أبوابها، إذاعة للشّهرة، وتثبّتا لتخليد الفخر.
ومن الغريب أنني في هذه الأيام بعد خمسين سنة تماما «3» ، تفقدت ذلك المكان في بعض ما أباشره، أيام نيابتي عن السلطان بدار ملكه على عادتي، فألفيته قد علا عليه كوم من الحجارة، رجم الصبيان إياه، فظهر لي تجديد الإشادة به، والاستفتاح بوقوع مثله، ولمّا كشف عن الرّمة لتنقل إلى وعاء ثان، ألفي بعظم القطن «4» العريض منها سنان مرهب ثبت في العظم، انتزع منه، وقد غالبتني الرقّة والإجهاش، وقلت اللهمّ ادّخر رضوانك لمن أودع في هذه الرّمّة الطاغية، سنان جهادك إلى اليوم، وأثبه وارفع درجته، إنك أهل لذلك.
رجع «5» : واستقامت الأيام، وهلك المخلوع، فصفا الجو، واتّحدت الكلمة، وأمكن الجهاد، فتحرّك في شهر «6» رجب من عام أربعة وعشرين وسبعمائة، وأعمل القصد «7»
إلى بلاد العدو، ونازل حصن إشكر «8» ، الشّجى المعترض «9» في حلق


صفحه 209

بسطة، فأخذ بمخنّقه «1» ، ونشر الحرب عليه «2» ، ورمى بالآلة العظمى المتخذة بالنفط كرة حديد محماة طاق «3» البرج المنيع من معقله، فاندفعت يتطاير شررها، واستقرّت بين محصوريه، فعاثت عياث الصواعق السموية، فألقى الله الرعب في قلوبهم، وأتوا بأيديهم، ونزلوا قسرا على حكمه في الرابع والعشرين من الشهر، وأقام بظاهره، فصيّره دار جهاد، وعمل في خندقه بيده، وانصرف، فكانت غزاة جمّة البركة عظمت بها على الشرق الجدوى، وأنشد الشعراء في هذه الوجهة قصائد أشادت بفضلها، وشهرت من ذكرها، فمن ذلك عن كاتب سرّه «4» قوله «5» : [الكامل]
أمّا مداك فغاية لم تلحق «6» ... أعيت على غرّ الجياد السّبق «7»
ورفع إليه شيخنا الحكيم أبو زكريا بن هذيل، قصيدة أولها «8» : [الطويل]
بحيث القباب «9» الحمر والأسد الورد ... كتائب سكان السماء لها جند
أنشدني منها في وصف النفط قوله:
وظنّوا بأنّ الصّعق «10» والرّعد في السما ... فحاق بهم من دونها الصّعق والرّعد
غرائب أشكال سما هرمس بها ... مهنّدة «11» تأتي الجبال فتنهدّ
ألا إنها الدنيا تريك عجائبا ... وما في القوى منها فلا بدّ أن يبدو
وفي «12» العاشر لشهر رجب من عام خمسة وعشرين وسبعمائة، تحرّك للغزو «13» بعد أخذ الأهبة والاستكثار والاجتهاد للمطوعة، وقصد مدينة مرتش العظيمة الساحة، الطيبة البقعة، فأضرب بها المحلّات وكان القصد «14» إجمام الناس، فصوّب «15» الحشود ووجّهها إلى ما بها من بحر «16» الكروم والملتفّات، وأدواح


صفحه 210

الأشجار، فأمعنوا في إفسادها، وبرز حاميتها، فناشبت الناس القتال، فحميت النفوس، وأريد منع الناس، فأعيا أمرهم وسال منهم البحر، فتعلّقوا بالأسوار، وقيل للسلطان: بادر بالركوب، فقد دخل الرّبض «1» ، فركب ووقف بإزائها، فدخل البلد «2» عنوة، واعتصم أهله بالقصبة، فدخلت أيضا القصبة عنوة، وانطلقت أيدي الغوغاء على من بها من ذكر وأنثى كبيرا أو صغيرا «3» ، فساءت القتلة، وقبحت الأحدوثة، ورفعت من الغد آكام من الجثث صعد ذراها المؤذّنون، وقفل إلى غرناطة بنصر لا كفاء «4» له، فكان «5» دخوله من هذه الغزاة في الرابع والعشرين لرجب المذكور.
وفاته: ولما «6» فصل من مرتش نقم على أحد الرؤساء من قرابته، وهر ابن عمّه محمد بن إسماعيل، المعروف بصاحب الجزيرة، أمرا تقرّعه عليه، وبالغ في الإهمال له «7» ، وتوعّده بما أثار حفيظته، فأقدم عليه بالفتكة الشّنعاء التي ارتكبها منه بباب قصره، بين عبيده وأرباب دولته «8» ، آمن ما كان سربا، وأعزّ سلطانا «9» وجندا؛ وذلك يوم الاثنين ثالث يوم من دخوله من مرتش، بعد أن عاهد في الأمر جملة من القرابة والخدّام، فوثب به، وهو مجتاز بين السّماطين من ناسه إلى مجلس «10» كان يجلس فيه للناس، فاعتنقه وانتضى «11» خنجرا كان ملصقا في ذراعه، فأصابه بجراحات ثلاث؛ إحداهنّ في عنقه، بأعلى ترقوته، فخرّ صريعا. وصاح بكر وزيره، فعمّته سيوف الحاضرين من أصحاب الفاتك، ووقعت الرّجّة، وسلّت السيوف، وتشاغل كلّ بمن يليه، واستخلص السلطان من يديه، وحيل بينه وبينه؛ وحين تشاغل القوم بالوزير، رفع السلطان وظنّ أنه قد أفلت جريحا، فوقع البهت، وبادروا الفرار، فسدّت المذاهب، فقتلوا حيث وجدوا. وأخذت الظّنّة قوما من أبريائهم، فامتحنوا «12» ، ونهب «13» الغوغاء دورهم، وعلّقت بالجدران أشلاؤهم، وكان يوما عصيبا، وموقفا صعبا، واحتمل السلطان إلى بعض دور قصره، وبه صبابة روح، أشبه


صفحه 211

شيء بالعدم، للزوق العمامة بفوهة شريانه المبتور، ففاض لحينه بنفس زوال العمامة، رحمه الله.
وكان من أخذ البيعة لولده الأمير أبي عبد الله من بعده، ما هو معروف في موضعه. ودفن غلس ليلة «1» الثلاثاء، ثاني يوم وفاته، بروضة الجنة «2» من قصره، إلى جانب جدّه؛ وتنوهي الاحتفال بقبره نقشا، وتخريما «3» ، وإحكاما، وحليا، وتمويها، يشقّ «4» على الوصف، وكتب بإزاء رأسه في لوح الرخام ما نصّه، من كلام شيخنا، بعد سطر الافتتاح:
«هذا قبر السلطان الشهيد، فتّاح الأمصار، وناصر ملّة المصطفى المختار، ومحيي سبيل آبائه الأنصار، الإمام العادل، الهمام الباسل، صاحب الحرب والمحراب، الطاهر الأنساب والأثواب، أسعد الملوك دولة، وأمضاهم في ذات الله صولة، سيف الجهاد، ونور البلاد الحسام «5» المسلول في نصرة الإيمان، والفؤاد المعمور بخشية الرحمن، المجاهد في سبيل الله، المنصور بفضل الله، أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن الهمام الأعلى الطاهر الذات والفخار «6» ، الكريم المآثر والآثار، كبير الإمامة النّصرية، وعماد الدولة الغالبية، المقدّس، المرحوم أبي سعيد فرج، ابن علم الأعلام، وحامي حمى الإسلام، صنو الإمام الغالب، وظهيره «7» العليّ المراتب، المقدّس، المرحوم أبي الوليد إسماعيل بن نصر، قدّس الله روحه الطيّب، وأفاض عليها «8» غيث رحمته الصيّب، ونفعه بالجهاد والشهادة، وحباه «9» بالحسنى والزيادة، جاهد في سبيل الله حقّ الجهاد، وصنع له في فتح البلاد، وقتل كبار الأعاد «10» ، ما يجده مذخورا يوم التناد، إلى أن قضى الله بحضور أجله، فختم عمره بخير عمله، وقبضه إلى ما أعدّ له من كرامته وثوابه، وغبار الجهاد طيّ أثوابه، فاستشهد «11» رحمه الله شهادة أثبتت له في الشّهداء من الملوك قدما، ورفعت له في أعلام السعادة علما.


صفحه 212

«ولد رضي الله عنه، في الساعة المباركة بين يدي الصبح من يوم الجمعة سابع عشر شوّال «1» عام سبعة وسبعين وستمائة، وبويع يوم الخميس السابع والعشرين لشوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، واستشهد في يوم الاثنين السادس والعشرين لشهر رجب «2» عام خمسة وعشرين وسبعمائة. فسبحان الملك الحق، الباقي بعد فناء الخلق» .
وبعده من جهة اللوح الأخير «3» : [البسيط]
تخصّ قبرك يا خير السلاطين ... تحيّة كالصّبا مرّت بدارين
قبر به من بني نصر إمام هدى ... عالي المراتب في الدنيا وفي الدين
أبو الوليد، وما أدراك من ملك ... مستنصر واثق بالله مأمون
سلطان عدل وبأس غالب وندى ... وفضل تقوى وأخلاق ميامين
لله ما قد طواه الموت من شرف ... وسرّ مجد بهذا اللحد مدفون
ومن لسان بذكر الله منطلق ... ومن فؤاد بحبّ الله مسكون
أما الجهاد فقد أحيا معالمه ... وقام منه بمفروض ومسنون
فكم فتوح له تزهى «4» المنابر من ... عجب بهنّ وأوراق الدواوين
مجاهد نال من فضل الشهادة ما ... يجبي عليه بأجر غير ممنون
قضى كعثمان في الشهر الحرام ضحى ... وفاة مستشهد في الدار مطعون
في عارضيه غبار الغزو تمسحه ... في جنّة الخلد أيدي حورها العين
يسقى بها عين تسنيم «5» ، وقاتله ... مردّد بين زقّوم وغسلين
تبكي البلاد عليه والعباد معا ... فالخلق ما بين أحزان أفانين
لكنه حكم ربّ لا مردّ له ... فأمره الجزم بين الكاف والنون
فرحمة الله ربّ العالمين على ... سلطان عدل بهذا القبر مدفون
بعض ما رثي به: وعظمت «6» فيه فجيعة المسلمين لما ثكلوا من جهاده وعزمه، وبلوه من سعده وعزّ «7» نصره، فكثرت فيه المراثي، وتراهنت «8» في شجوه القرائح، وبكاه الغادي والرائح. فمن المراثي التي أنشدت على قبره، قول كاتبه شيخنا


صفحه 213

أبي الحسن بن الجيّاب «1» : [الطويل]
أيا عبرة العين امزجي الدّمع بالدّم ... ويا زفرة الحزن احكمي وتحكّمي
ويا قلب ذب وجدا وغمّا ولوعة ... فإنّ الأسى فرض على كل مسلم
ويا سلوة الأيّام لا كنت فابعدي ... إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
وصح بأناة الصبر سحقا تأخري ... وقل لشكاة الحزن أهلا تقدّمي
ولم لا وشمس الملك والمجد والهدى ... وفتّاح أبواب النّدى والتكرّم
ثوى بين أطباق الثرى رهن غربة ... وحيدا وأصمته الليالي بأسهم
على ملك الإسلام فاسمح بزفرة ... تساقط درّا بين فذّ وتوأم
على علم الأعلام والقمر الذي ... تجلّى بوجه العصر غرّة أدهم
على أوحد الأملاك غير منازع ... أصالة أعراق وفضل تقدّم
ومن مثل إسماعيل نور لمهتد ... وبشرى لمكروب وعفو لمجرم
وما مثل إسماعيل للبأس والندى ... لإصراخ مذعور وإغناء معدم
وما مثل إسماعيل للحرب يجتنى ... به الفتح من غرس القنا المتحطّم
وما مثل إسماعيل سهم سعادة ... أصاب به الإسلام شاكلة الدم
شهيد سعيد صبّحته شهادة ... تبوّأ منها في الخلود التنعم
أتت وغبار الغزو طيّ ثيابه ... ظهير أمان من دخان جهنّم
فتبّا لدار لا يدوم نعيمها ... فما عرسها إلّا طليعة مأتم
ولا أنسها إلا رهين بوحشة ... ولا شهدها إلّا مشوب بعلقم
فيا من يرى الدنيا مجاجة نحلة ... ألا فاعتبرها فهي نبتة أرقم
فمن شام منها اليوم برق تبسّم ... ففي الغد تلقاه بوجه جهنّم
فضاحكها باك وجذلانها شج ... وطالعها هاو ومبصرها عم
وسرّاؤها تفنى وضرّاؤها معا ... فكلتاهما طيف الخيال المسلّم
سطت بملوك الأرض من بعد آدم ... تبدّد منهم كلّ شمل منظم
فكم من قصير قصّرت شأو عمره ... فخرّ صريعا لليدين وللفم
وكم كسرت كسرى وفضّت جيوشه ... فلم تحمه منها كتائب رستم
ولو أنها ترعى إمام هداية لأعفت ... عليّا من حسام ابن ملجم «2»