بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 238

بلكّين بن باديس بن حبّوس بن ماكسن بن زيري ابن مناد الصّنهاجي «1»
الأمير الملقّب بسيف الدولة، صاحب أمر والده والمرشح للولاية بعده.
حاله: قال المؤرّخ «2» : كان زيري بن مناد، ممّن ظهر في حرب ابن يزيد بإفريقية، واتّسم هو وقومه بطاعة العبيديين أمراء الشيعة، فكانوا حربا لأضدادهم من زناتة الموالين لأملاك المراونة «3» لتحقّق جدّهم خزر بولايته عثمان بن عفان، رضي الله عنه؛ فلمّا صار الأمر إلى بني مناد بعد انتقال ملك الشيعة إلى المشرق، وولّي الأمر باديس بن منصور بن بلكّين بن زيري، ذهب أعمامه وأعمام أبيه إلى استضعافه، فلم يعطهم ذلك من نفسه، ووقعت بينهم الحرب التي قتل فيها عمّ أبيه ماكسن بن زيري، فرهب الباقون منهم صولة باديس، وخافوا عاديته على أنفسهم، على صغر سنّه؛ فخاطب شيخ بيته يومئذ زاوي بن زيري ومعه أبناء أخيه، المظفّر بن أبي عامر ليجوز إليه إلى الأندلس رغبة في الجهاد، فألفى همّة بعيدة، وملكا شامخا، يذهب إلى استخدام الأشراف واصطناع الملوك، فأذن في ذلك؛ فدخل منهم جماعة الأندلس مع أميرهم زاوي بن زيري، ومعه أبناء أخيه حباسة وحبّوس وماكسن؛ فأنزلهم المظفّر وأكرمهم، إلّا أنهم كابدوا مشقّة من دهرهم الذي أصارهم يخدمون بأبواب الملوك من أعدائهم غيرهم؛ فلمّا انهدمت الإمامة، وانشقّت عصا الجماعة، سعوا في الفتنة سعي غيرهم؛ من سائر قبائل البرابرة، عند تشديد أهل الأندلس للبربر؛ وانحازوا عند ظهورهم على أهل الأندلس، بملوك بني حمّود، إلى بلاد تضمّهم، فانحازت صنهاجة مع شيخهم ورئيسهم زاوي بن زيري إلى مدينة غرناطة. ثم آثر زاوي العودة إلى وطنه إفريقية، فخرج عن الأندلس حسبما يتفسر في موضعه. والتفّ قومه على ابن أخيه حبّوس بن ماكسن، في جماعة عظيمة تحمي حوزته، وأقام بها ملكا؛ وغلب على ما اتصل بمدينته من الكور، فتملّك قبرة «4» ، وجيّان «5» ، واتّسع نظره، وحمى وطنه ورعيّته ممّن جاوره من البرابر؛ وكان داهية شجاعا، فدامت رئاسته، واتصل ملكه،


صفحه 239

إلى أن هلك. فولى بعده ابنه باديس، وسيأتي التعريف به؛ وولد له ابنه بلكّين هذا المترجم به، فرشّحه إلى ملكه، وأخذ له بيعة قومه، وأهّله للأمر من بعده. قال المؤرّخ «1» : ونشأ لباديس بن حبّوس، ولد اسمه بلكّين، وكان عاقلا نبيلا، فرشّحه للأمر من بعده؛ وسمّاه سيف الدولة؛ وقال: ولّي مالقة في حياة أبيه، وكان نبيلا جليلا؛ ووقعت على كتاب بخطه نصّه بعد البسملة:
«هذا ما التزمه واعتقد العمل به، بلكّين بن باديس، للوزير القاضي أبي عبد الله بن الحسن الجذامي سلّمه الله. اعتقد به إقراره على خطّة الوزارة، والقضاء في جميع كوره «2» ، وأن يجري من الترفيع والإكرام له إلى أقصى غاية، وأن يحمل «3» على الجراية في جميع أملاكه بالكور «4» المذكورة، حاضرتها وباديتها، الموروثة منها، والمكتسبة، القديمة الاكتساب والحديثة، وما ابتاع منها من العالي «5» ، رحمه الله وغيره، لا يلزمها وظيف بوجه، ولا يكلّف منها كلفة، على كل حال، وأن يجري في قرابته، وخوله وحاشيته وعامري ضيعه، على المحافظة والبرّ والحرية. وأقسم على ذلك كلّه بلكّين بن باديس بالله العظيم، والقرآن «6» الحكيم، وأشهد الله على نفسه وعلى التزامه له، وكفى بالله شهيدا. وكتب بخطّ يده مستهل شهر رمضان العظيم سنة ثمان «7» وأربعين وأربعمائة، والله المستعان» . ولا شكّ أن هذا المقدار يدلّ على نبل، ويعرف عن كفاية.
سبب وفاته: قال صاحب البيان المغرب وغيره «8» : وأمضى باديس كاتب أبيه ووزيره «9» إسماعيل بن نغرالة «10» اليهودي على وزارته وكتابته وسائر أعماله، ورفعه


صفحه 240

فوق كل منزلة؛ وكان لولده بلكّين «1» خاصّة من المسلمين يخدمونه، وكان مبغضا في اليهودي «2» ، فبلغه أنه تكلّم في «3» ذلك لأبيه، فبلغ منه كلّ مبلغ؛ فدبّر «4» الحيلة، فذكروا أنه دخل عليه يوما فقبّل الأرض بين يديه، فقال له الغلام: ولم ذلك؟ فقال:
يرغب العبد «5» أن تدخل داره مع من أحببت من عبيدك ورجالك، فدخل إليه بعد ذلك، فقدّم له ولرجاله طعاما وشرابا، ثم جعل السّم في الكأس لابن باديس، فرام القيء، فلم يقدر عليه، فحمل إلى قصره وقضى «6» نحبه في يومه؛ وبلغ الخبر إلى أبيه ولم يعلم السبب، فقرّر اليهوديّ عنده أنّ أصحابه وبعض جواريه سمّوه، فقتل باديس جواري «7» ولده، ومن فتيانه وبني عمّه جماعة كبيرة، وخافه سائرهم ففرّوا عنه. وكانت وفاته سنة ست وخمسين وأربعمائة. وبعده قتل اليهودي في سنة تسع وخمسين.
باديس بن حبّوس بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «8»
كنيته أبو مناد، ولقبه الحاجب المظفّر بالله، الناصر لدين الله.
أوّليّته: قد تقدّم الإلماع بذلك عند ذكر ابنه بلكّين.
حاله: كان رئيسا يبسا، طاغية، جبّارا، شجاعا، داهية، حازما، جلدا، شديد الأمر، سديد الرأي، بعيد الهمّة، مأثور الإقدام، شره السيف، واري زناد الشرّ، جمّاعة للمال؛ ضخمت به الدولة، ونبهت الألقاب، وأمنت لحمايته الرعايا، وطمّ


صفحه 241

تحت جناح سيفه العمران، واتّسع بطاعته المرهبة الجوانب ببأسه النظر، وانفسخ الملك، وكان ميمون الطائر، مطعم الظّفر «1» ، مصنوعا له في الأعداء، يقنع أقتاله بسلمه، ولا يطمع أعداؤه في حربه. قال ابن عسكر «2» : يكنى أبا مسعود، وكان من أهل الحزم وحماية الجانب، وكان يخطب ويدعو للعلويّين بمالقة «3» ، فلمّا توفي إدريس بن يحيى العالي «4» ، ملك مالقة سنة ثمان وأربعين وأربعمائة «5» .
وقال الفتح في قلائده «6» : «كان باديس بن حبّوس بغرناطة عاتيا في فريقه، عادلا عن سنن العدل وطريقه؛ يجترئ على الله غير مراقب، ويسري «7» إلى ما شاء غير ملتفت للعواقب؛ قد حجب سنانه لسانه، وسبقت إساءته إحسانه؛ ناهيك من رجل لم يبت من ذنب على ندم، ولم «8» يشرب الماء إلّا من قليب دم؛ أحزم من كاد ومكر، وأجرم من راح وابتكر؛ وما زال متّقدا في مناحيه، متفقّدا لنواحيه، لا يرام بريث ولا عجل، ولا يبيت له جار إلّا على وجل» .
أخباره في وقائعه: ينظر إيقاعه بزهير العامري ومن معه في اسم زهير، فقد ثبت منه هنالك نبذة، وإيقاعه بجيش ابن عبّاد بمالقة عندما طرق مالقة وتملّكها، واستصرخ من استمسك بقصبتها من أساودتها، وغير ذلك مما هو معلوم، وشهرته مغنية عن الإطالة.
ومن أخباره في الجبرية والقسوة، قال ابن حيّان: عندما استوعب الفتكة بأبي نصر بن أبي نور اليفرني أمير رندة المنتزي بها وقتله، ورجوعها إلى ابن عباد؛ حكى أبو بكر الوسنشاني الفقيه عن ثقة عنده من أصادقة التّجّار، أنه حضر مدينة غرناطة، حضرة باديس بن حبّوس الجبار، أيام حدث على أبي نصر، صاحب تاكرنّا، ما حدث، وأن أميرها باديس قام للحادثة وقعد، وهاج من داء عصبيّته ما قد سكن، وشقّ أثوابه، وأعلن أعواله، وهجر شرابه الذي لا صبر له عنه، وجفا ملاذّه؛ وأوهمته


صفحه 242

نفسه الخبيثة تمالؤ رعيّته من أهل الأندلس، على الذي دهى أبا نصر، فسوّلت له نفسه حمل السيف على أهل حضرته جميعا، مستحضرا لهم، وكيما ينبرهم، ويخلص برابرته وعبيده فيريح نفسه، ودبر أن يأتي ذلك إليهم عند اجتماعهم بمسجدهم الجامع الأقرب أيام الجمعة، من قوة همومه؛ وشاور وزيره اليهودي يوسف بن إسماعيل، مدبّر دولته الذي لا يقطع أمرا دونه، مستخليا مستكتما بسرّه، مصمّما في عزمه، إن هو لم يوافقه عليه؛ فنهاه عن ذلك وخطّأ رأيه فيه، وسأله الأناة ومحض الرويّة، وقال له: هبك وصلت إلى إرادتك ممّن بحضرتك، على ما في استباحتهم من الخطر، فأنّى تقدر على الإحاطة بجميعهم من أهل حضرتك، وبسائط أعمالك؟ أتراهم يطمئنون إلى الذّهول عن مصائبهم، والاستقرار في موضعهم؟ ما أراهم إلّا سيوفا ينتظمون عليك في جموع، يغرقونك في لججها أنت وجندك؛ فردّ نصيحته، وأخذ الكتمان عليه، وتقدّم إلى عارضه باعتراض الجند في السلاح، والتّعبئة لركوبه يوم الفتكة، يوم تلك الجمعة، فارتجّ البلد. وذكر أن اليهودي دسّ نسوانا إلى معارف لهنّ من زعماء المسلمين بغرناطة، ينهاهم عن حضور المسجد يومهم، ويأمرهم بإخفاء أنفسهم؛ وفشا الخبر فتخلّف الناس عن شهود الجمعة؛ ولم يأته إلّا نفر من عامّتهم، اقتدوا بمن أتاه من مشيخة البربر وأغفال القادمين؛ وجاء إلى باديس الخبر، والجيش في السلاح حوالي قصره، فساءه وفتّ في عضده، ولم يشكّ في فشوّ سرّه، وأحضر وزيره وقلّده البوح بسرّه فأنكر ما قرفه به؛ وقال: ومن أين ينكر على الناس الحذر، وأنت قد استركبت جندك وجميع جيشك في التّعبئة، لا لسفر ذكرته، ولا لعدوّ وثب إليك، فمن هناك حدس القوم على أنك تريدهم، وقد أجمل الله لك الصّنع في نفارهم، وقادك إصارهم، فأعد نظرك يا سيدي، فسوف تحمد عاقبة رأيي وغبطة نصحي. فنصّح وزيره شيخ من موالي صنهاجته، فانعطف لذلك بعد لأي، وشرح الله صدره. ويجري التعريف بشيء من أمور وزيره.
قال ابن عذاري المراكشي في كتابه المسمى ب «البيان المغرب» «1» : أمضى باديس كاتب أبيه ووزيره ابن نغرالة اليهودي «2» ، وعمالا متصرّفين من أهل ملّته، فاكتسبوا الجاه في أيامه واستطالوا على المسلمين. قال ابن حيّان: وكان هذا اللعين في ذاته، على ما زوى الله عنه من هدايته، من أكمل الرجال علما وحلما وفهما، وذكاء، ودماثة، وركانة، ودهاء، ومكرا، وملكا لنفسه، وبسطا من خلقه، ومعرفة


صفحه 243

بزمانه، ومداراة لعدوّه، واستسلالا لحقودهم بحلمه؛ ناهيك من رجل كتب بالقلمين، واعتنى بالعلمين، وشغف باللسان العربي، ونظر فيه، وقرأ كتبه، وطالع أصوله؛ فانطلقت يده ولسانه، وصار يكتب عنه وعن صاحبه بالعربي، فيما احتاج إليه من فصول التحميد لله تعالى، والصلاة على رسوله، صلى الله عليه وسلم، والتزكية لدين الإسلام، وذكر فضائله، ما يريده، ولا يقصر فيما ينشئه عن أوسط كتّاب الإسلام؛ فجمع لذلك «السّجيج في علوم الأوائل الرياضية» وتقدم منتحليها بالتدقيق للمعرفة النّجومية؛ ويشارك في الهندسة والمنطق، ويفوق في الجدل كلّ مستول منه على غاية؛ قليل الكلام مع ذكائه، ماقتا للسباب، دائم التفكّر، جمّاعة للكتب. هلك في العشر الثاني لمحرم سنة تسع وخمسين وأربعمائة «1» ، فجلّل اليهود نعشه، ونكّسوا لها أعناقهم خاضعين، وتعاقدوه جازعين، وبكوه معلنين؛ وكان قد حمل ولده يوسف المكنّى بأبي حسين على مطالعة الكتب، وجمع إليه المعلمين والأدباء من كل ناحية، يعلّمونه ويدارسونه، وأعلقه بصناعة الكتابة، ورشّحه لأول حركته، لكتابة ابن مخدومه بلكّين برتبة المترشّح لمكانه، تمهيدا لقواعد خدمته؛ فلما هلك إسماعيل في هذا الوقت، أدناه باديس إليه، وأظهر الاغتباط به، والاستعاضة بخدمته عن أبيه.
ذكر مقتل اليهودي يوسف بن إسماعيل بن نغرالة الإسرائيلي:
قال صاحب البيان «2» : وترك ابنا له يسمى «3» يوسف لم يعرف ذلّ «4» الذّمّة، ولا قذر اليهودية. وكان جميل الوجه، حادّ الذّهن، فأخذ «5» في الاجتهاد في الأحوال، وجمع «6» المال، واستخراج الأموال، واستعمال «7» اليهود على الأعمال، فزادت منزلته عند أميره «8» ، وكانت له عليه «9» عيون في قصره من نساء وفتيان، يشملهم «10» بالإحسان، فلا يكاد باديس يتنفس، إلّا وهو يعلم ذلك «11» . ووقع ما تقدم ذكره، في


صفحه 244

ذكر بلكّين من اتّهامه بسمّه، وتولّيه التهمة به عند أبيه، للكثير من جواريه وخدّامه، وفتك هذا بقريب له، تلو له في الخدمة والوجاهة، يدعى بالقائد، شعر منه بمزاحمته إياه فتكة شهيرة؛ واستهدف للناس فشغلت به ألسنتهم، وملئت غيظا عليه صدورهم، وذاعت قصيدة الزاهد أبي إسحاق الإلبيري، في الإغراء بهم، واتفق أن أغارت على غرناطة بعوث صمادحية تقول إنها باستدعائه، ليصير الأمر الصّنهاجيّ إلى مجهزها الأمير بمدينة ألمريّة. وباديس في هذه الحال منغمس في بطالته، عاكف على شرابه.
ونمي هذا الأمر إلى رهطه من صنهاجة، فراحوا إلى دار اليهودي مع العامّة، فدخلوا عليه، فاختفى، زعموا في بيت فحم، وسوّد وجهه، يروم التنكير فقتلوه لمّا عرفوه، وصلبوه على باب مدينة غرناطة، وقتل من اليهود في يومه، مقتلة عظيمة، ونهبت دورهم، وذلك سنة تسع وخمسين وأربعمائة «1» . وقبره اليوم وقبر أبيه يعرف أصلا من اليهود ينقلونه بتواتر عندهم، أمام باب إلبيرة، على غلوة، يعترض الطريق، على لحده حجارة كدان جافية الجرم؛ ومكانه من الترفّه والتّرف والظّرف والأدب معروف؛ وإنما أتينا ببعض أخباره لكونه ممّن لا يمنع ذكره في أعلام الأدباء والأفراد إلا نحلته.
مكان باديس من الذكاء وتولّعه بالقضايا الآتية:
قال ابن الصّيرفي: حدّثني أبو الفضل جعفر الفتى، وكان له صدق، وفي نفسه عزّة وشهامة وكرم، وأثنى عليه، وعرّف به، حسبما يأتي في اسم جعفر المذكور، قال: خاض باديس مع أصحابه في المجلس العلي، من دار الشّراب بقصره، واصطفّت الصّقاليب «2» والعبيد بالبرطل «3» المتصل به لتخدم إرادته، فورد عليه نبأ قام لتعرّفه عن مجلسه، ثم عاد إلى موضعه وقد تجهّم وجهه، وخبثت نفسه، فحذر ندماؤه على أنفسهم، وتخيّلوا وقوع الشّرّ بهم، ثم قال: أعلمتم ما حدث؟ قالوا: لا، والله يطلع على خير، قال: دخل المرابط «4» الدّمنة، فسري عن القوم، وانطلقت ألسنتهم بالدعاء بنصره، وفسحة عمره، ودوام دولته، ثم وجموا لوجومه، فلمّا رأى


صفحه 245

تكدّر صفوهم، قال: أقبلوا على شأنكم، ما نحن وذاك، اليوم خمر وغدا أمر «1» ، بيننا وبينه أمداد الفجو، والنّشور الجبال وأمواج البحار، ولكن لا بدّ له أن يتملّك بلدي، ويقعد منه مقعدي، وهذا أمر لا يلحقه أحد منّا، وإنما يشقى أحفادنا. قال جعفر: فلمّا دخل الأمير القصر، عند خلعه حفيد باديس برحبة مؤمّل «2» ، طاف بكل ركن ومكان منه، وأنا في جملته حتى انتهى إلى ذلك المجلس، فبسط له ما قعد عليه، فتذكرت قول باديس، وتعجبت منه تعجّبا ظهر عليّ، فالتفت إليّ أمير المسلمين منكرا، وسألني ما بي، فأخبرته وصدقته، وقصصت عليه قول باديس، فتعجّب، وقام إلى المسجد بمن معه، فصلّى فيه ركعات، وأقبل يترحّم على قبره.
وفاته: قال أبو القاسم بن خلف: توفي باديس ليلة الأحد الموفي عشرين من شوّال سنة خمس وستين وأربعمائة «3» ، ودفن بمسجد القصر. قلت: وقد ذهب أثر المسجد، وبقي القبر يحفّ به حلق له باب، كل ذلك على سبيل من الخمول، وجدث القبر رخام، إلى جانب قبر الأمير المجاهد أبي زكريا يحيى بن غانية، المدفون في دولة الموحّدين به.
وقد أدال اعتقاد الخليفة في باديس بعد وفاته، قدم العهد بتعرّف أخبار جبروته وعتوّه على الله سبحانه، لما جبلهم عليه من الانقياد للأوهام والانصياع للأضاليل، فعلى حفرته اليوم من الازدحام بطلاب الحوائج والمستشفين من الأسقام، حتى أولو الدّواب الوجيعة، ما ليس على قبر معروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي.
ومن أغرب ما وقفت عليه رقعة رفعها إلى السلطان على يدي رجل من أهل الخبر مكتّب «4» يؤمّ في مسجد القصبة القدمى من دار باديس، يعرف بابن باق، وهو يتوسّل إلى السلطان ويسأل منه الإذن في دفنه مجاورا لقبره. وعفو الله أوسع من أن يضيق على مثله، ممّن أسرف على نفسه، وضيّع حقّ ربّه. ودائره اليوم طلول قد