بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 267

ولحق بغرناطة، ومدح السلطان بها، ونجحت لديه مشاركة الرئيس بألمريّة.
فجبر الله حاله، وخلّص أسره.
ومما جمع فيه بين نثره ونظمه ما كتبه لمّا كتب إليه الأديب الطبيب صالح بن شريف بهاتين القصيدتين اللتين تنازع فيهما الأقوام، واتفقوا على أن يحكم بينهما الأحلام، وعبّر عن ذلك الأقلام، ولينظرهما من تشوّق إليهما بغير هذا الموضع.
تواليفه: وأوضاعه غريبة، واختراعاته عجيبة، تعرّفت أنه اخترع في سفرة الشطرنج شكلا مستديرا. وله الكتاب الكبير في التاريخ، والتلخيص المسمّى ب «ميزان العمل» وهو من أظرف الموضوعات، وأحسنها شهرة.
وفاته: كان حيّا عام أربعة وسبعين وستمائة.
حبّوس بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «1»
يكنى أبا مسعود، ملك إلبيرة وغرناطة؛ وما والاها.
حاله وأوّليّته: أما أوّليّته، فقد مرّ ذلك بما فيه كفاية عند ذكر بلكّين. ولمّا دخل زاوي بن زيري على الأندلس غبّ إيقاعه بالمرتضى الذي نصبته الجماعة، واستيلائه على محلّته بظاهر غرناطة، خاف «2» تمالؤ الأندلس عليه، ونظر للعاقبة، فأسند الأمر إلى ابن أخيه، حبّوس بن ماكسن، وكان بحصن آشر «3» ، فلمّا ركب البحر من المنكّب، وودّعه به زعيم البلدة وكبير فقهائها أبو عبد الله بن أبي زمنين، ذهب إلى ابن أخيه المذكور واستقدمه، وجرت بينه وبين ابن عمّه المتخلّف على غرناطة من قبل والده، محاورة انجلت عن رحيله تبعا لأبيه؛ حبّوس، فاستبدّ بالملك، ورأب الصّدع سنة إحدى «4» عشرة وأربعمائة. قال ابن عذاري في تاريخه «5» : فانحازت «6» صنهاجة مع شيخهم ورئيسهم حبّوس بن ماكسن، وقد كان أخوه حباسة هلك في


صفحه 268

الفتنة، وبقي منهم معه بعد انصراف زاوي إلى إفريقية، جماعة عظيمة، فانحازوا إلى مدينة غرناطة، وأقام حبّوس بها ملكا عظيما، وحامى «1» رعيّته ممّن جاوره من سائر البرابرة «2» المنتشرين حوله، فدامت رئاسته.
وفاته: توفي بغرناطة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة «3» .
الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية «4»
صفته وحاله: كان أصهب العين، أسمر، أقنى، معسّل اللحية، جهير الصوت، طويل الصّلب، قصير الساقين، عظيم السّاعد، أفصم، وكان ملكا «5» جليلا، عظيم الصّيت، رفيع القدر، عالي الهمّة، فقيها بالمذهب، عالما بالأنساب، حافظا للتاريخ، جمّاعا للكتب، محبّا في العلم والعلماء، مشيرا للرجال من كل بلد، جمع العلماء من كل قطر، ولم يكن في بني أمية أعظم همّة، ولا أجلّ رتبة في العلم وغوامض الفنون منه. واشتهر بهمّته بالجهاد، وتحدّث بصدقاته في المحلول، وأملته الجبابرة والملوك.
دخوله إلبيرة: قال ابن الفيّاض: كتب إليه من الثغر الجنوبي أن عظيم الفرنجة من النصارى حشدوا إليه وسألوه الممرة «6» بطول المحاصرة، فاحتسب شخوصه بنفسه إلى ألمرية في رجب سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، في جحفل لجب من نجدة الأولياء وأهل المراتب. ولما أحلّ إلبيرة ورد عليه كتاب أحمد بن يعلى من طرطوشة بنصر الله العزيز وصنعه الكريم على الرّوم. ووافى ألمريّة، وأشرف على أمورها، ونظر إلى أسطولها وجدّده، وعدّته يومئذ ثلاثمائة قطعة، وانصرف إلى قرطبة.


صفحه 269

مولده: لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثمائة.
وفاته: لأربع «1» خلون من صفر سنة ستّ وستين وثلاثمائة، وعمره نحو من ثلاث وستين سنة، وهو خاتمة العظماء من بني أمية.
الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن أمية «2»
كنيته أبو العاصي.
صفته: آدم، شديد الأدمة «3» ، طويل، أشمّ، نحيف، لم يخضب. بنوه تسعة عشر من الذكور، منهم عبد الرحمن وليّ عهده.
بناته: إحدى وعشرون «4» ، أمّه أمّ ولد اسمها زخرف.
وزراؤه وقوّاده: خمسة، منهم إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد، وفطيس بن سليمان، وسعيد بن حسّان.
قضاته: مصعب بن عمران، وعمر «5» بن بشر، والفرج بن كنانة. وبشر بن قطن، وعبد «6» الله بن موسى، ومحمد بن تليد، وحامد بن محمد بن يحيى.
كتابه: فطيس بن سليمان، وعطاف «7» بن زيد، وحجّاج بن العقيلي «8» .
حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث.
حاله: كان الحكم شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتّقى. وكان حسن التدبير في سلطانه، وتولية أهل الفضل، والعدل في رعيّته، مبسوط اليد بالعطاء الكثير، وكان فصيحا، بليغا، شاعرا مجيدا، أديبا، نحويّا.


صفحه 270

قال ابن عذاري «1» : كانت فيه بطالة، إلّا أنه كان شجاعا «2» ، مبسوط اليد، عظيم العفو، وكان يسلّط قضاته وحكّامه على نفسه، فضلا عن ولده وخاصّته. وهو الذي جرت على يده الفتكة العظيمة بأهل ربض قرطبة «3» ، الذين هاجوا به وهتفوا بخلعانه، فأظهره الله عليهم، في خبر شهير. وهو الذي أوقع بأهل طليطلة أيضا، فأبادهم بحيلة الدّعاء إلى الطعام بما هو معلوم.
دخوله غرناطة: قالوا: وبإلبيرة وأحوازها تلاقى مع عمّه أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن، فهزمه وقتله حسبما ثبت في اسم أبي أيوب.
شعره: قالوا: وكان له خمس جوار قد استخلصهنّ لنفسه، وملّكهنّ أمره، فذهب يوما إلى الدخول عليهنّ، فتأبّين عليه، وأعرضن عنه، وكان لا يصبر عنهنّ، فقال «4» : [البسيط]
قضب من البان ماست فوق كثبان ... ولّين «5» عنّي وقد أزمعن هجراني
ناشدتهنّ بحقّي فاعتزمن على ال ... عصيان «6» حتى خلا منهنّ همياني
ملكنني ملك من ذلّت عزيمته ... للحبّ ذلّ أسير موثّق عاني
من لي بمغتصبات «7» الرّوح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزّي وسلطاني
ثم عطفن عليه بالوصال فقال «8» : [الخفيف]
نلت كلّ «9» الوصال بعد البعاد ... فكأنّي ملكت كلّ العباد
وتناهى السرور إذ نلت ما لم ... يغن عنه تكاثف الأجناد


صفحه 271

مناقبة: أنهى «1» إليه عباس بن ناصح وقد عاد من الثغر أن امرأة من ناحية وادي الحجارة سمعها تقول: وا غوثاه، يا حكم، ضيّعتنا، وأسلمتنا، واشتغلت عنّا، حتى استأسد العدوّ علينا، ورفع إليه شعر في هذا المعنى والغرض، فخرج من قرطبة كاتما وجهته، وأوغل في بلاد الشّرك، ففتح الحصون، وهدّم المنازل، وقتل وسبى «2» ، وقفل بالغنائم على الناحية التي فيها تلك المرأة، فأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم يفدون به أسراهم «3» ، ويصلحون به أحوالهم، وخصّ المرأة وآثرها، وأعطاها عددا من الأسرى، وقال لها: هل أغاثك الحكم؟ قالت: إي والله، أغاثنا وما غفل عنّا، أعانه الله وأعزّ نصره.
وفاته: توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة ست ومائتين، وكان عمره اثنتين»
وخمسين سنة. وجرى ذكره في الرجز من نظمي في تاريخ دول الإسلام «5» بما نصّه:
[الرجز]
حتى إذا الدهر عليه احتكما ... قام بها ابنه المسمّى حكما
واستشعر الثورة فيها وانقبض ... مستوحشا كاللّيث أقعى وربض
حتى إذا فرصته لاحت تفض ... فأفحش الوقعة في أهل الرّبض
وكان جبّارا بعيد الهمّه ... لم يرع من آل بها أو ذمّه
حكم بن أحمد بن رجا الأنصاري
من أهل غرناطة، يكنى أبا العاصي.
حاله: كان من قرّائها ونبهائها، وكان من أهل الفضل والطلب، وإليه ينسب مسجد أبي العاصي، وحمام أبي العاصي ودربه بغرناطة، وكفى بذلك دليلا على الأصالة والتأثّل. ذكره أبو القاسم ولم يذكر من أمره مزيدا على ذلك.


صفحه 272

حاتم بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله ابن سعيد بن الحسين بن عثمان بن سعيد بن عبد الملك ابن سعيد بن عمّار بن ياسر «1»
أوّليّته: قد مرّ بعض ذلك، وسيأتي بحول الله.
حاله: قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه الموضوع في مآثر القلعة «2» : كان صاحب سيف وقلم وعلم، ودخل في الفتنة المردنيشيّة «3» ، حسبما مرّ ذلك عند ذكر أخيه أبي جعفر، فصار من جلساء الأمير أبي عبد الله محمد بن سعد بن مردنيش بمرسية، وأرباب آرائه، وذوي الخاصّة من وزرائه، وكان مشهورا بالفروسية والشجاعة والرأي.
حكاياته ونوادره: قال: كان التّندير والهزل قد غلبا عليه، وعرف بذلك، فصار يحمل منه ما لا يحمل من غيره. قالوا: فحضر يوما مع الأمير محمد بن سعد، يوم الجلاب «4» من حروبه، وقد صبر الأمير صبرا جميلا. ووالى الكرّ المرّة بعد المرة.
وذلك بمرأى من حاتم؛ فردّ رأسه إليه، وقال: يا قائدا أبا الكرم، كيف رأيت؟ فقال له حاتم: لو رآك السّلطان اليوم لزاد في مرتّبك، فضحك ابن مردنيش، وعلم أنه أراد بذلك: لا تليق به المخاطرة، وإنما هو للثّبات والتدبير. وقال له يوما وقد جرى ذكر الجنّات: جنّ اليوم يا أبا الكرم على بستانك بالزّنقات. وأردت أن أكون من ضيافتك، فقال عبد الرحمن بن عبد الملك، وهو إذ ذاك وزير الأمير وبيده المجابي والأعمال:
لعل الأمير اغترّ بسماع اسمه حاتم، ما فيه من الكرم إلّا الاسم، فقال الحاتم: ولعلّ الأمير اغترّ بسماع أمانة عبد الرحمن، فقدّمه على وزرائه، وما عنده من الأمانة إلّا الاسم، فقال ابن مردنيش وقد ضحك: الأولى فهمت، ولم أفهم الثانية، فقال له كاتبه أبو محمد السلمي: إنما أشار إلى قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، أمير هذه الأمة، وأمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض؛ فطرب ابن مردنيش، وجعل يقول: أحسنتما.


صفحه 273

شعره: قال أبو الحسن: ولم أحفظ من شعر حاتم ما أورده في هذا المكان إلّا قوله يخاطب حفصة الرّكّونية الشاعرة، التي يأتي ذكرها، حين فرّ إلى مرسية، وتركها بغرناطة: [الوافر]
أحنّ إلى ديارك يا حياتي ... وأبصر ذو وهد سيل الظّبات «1»
وأهوى أن أعود إليك لكن ... خفوق البند «2» عاق عن القنات
وكيف إلى جنابك من سبيل ... وليس يحلّه إلّا عداتي!
مولده: في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وقال أبو القاسم الغافقي فيه عند ذكره: كان طالبا نبيها، جميلا، سريّا، تامّ المروءة، جميل العشرة.
وفاته: قال: مات بغرناطة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة «3» .
حباسة بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «4»
كان شهما هيّبا، بهمة من البهم، كريما في قومه، أبيّا في نفسه، صدرا من صدور صنهاجة؛ وكان أشجع من أخيه حبّوس.
وفاته: قال أبو مروان «5» عند ذكر وقعة «رمداي» بطرف قرطبة في حروب البرابرة لأهلها في شوّال عام اثنين وأربعمائة، قال «6» : واستلحم حباسة بن ماكسن الصنهاجي ابن أخي زاوي بن زيري، وهو فارس صنهاجة طرّا وفتاها؛ وكان قد تقدّم إلى هذه الناحية، زعموا لمّا بلغه اشتداد الأمر فيها، فرمى بنفسه على طلّابها، واتّفق أن ركب بسرج طري العمل متفتح اللّبد، وخانه مقعده عند المجاولة، لتقلّبه على الصّهوة؛ وقيل إنه كان منتبذا على ذلك، فتطارح على من بإزائه، ومضى قدما بسكرى


صفحه 274

شجاعته ونشوته، يصافح البيوت بصفحته، ويستقبل القنا بلبّاته، لا يعرض له شيء إلّا حطّه، إلى أن مال به سرجه، فأتيح حمامه لاشتغاله بذلك، بطعنة من يد المسمّى النّبيه النصراني، أحد فرسان الموالي العامريين؛ فسقط لفيه، وانتظمته رماح الموالي فأبادته؛ وحامى أخوه حبّوس، وبنو عمّه، وغيرهم من أنجاد البرابرة على جثته، فلم يقدروا على استنقاذها بعد جلاد طويل، وغلب عليه الموالي فاحتزّوا رأسه، وعجّلوا به إلى قصر السلطان، وأسلموا جسده للعامّة؛ فركبوه بكل عظيمة، واجتمعوا إليه اجتماع البغاث على كبير الصّقورة، فجرّوه في الطرق وطافوا به الأسواق، وقطعوا بعض أعضائه، وأبدوا شواره وكبده بكل مكروه من أنواع الأذى، بأعظم ما ركب ميت، فلمّا سئموا تجراره، أوقدوا له نارا فحرقوه بها جريا على ذميم عادتهم، في قبح المثلة، ولؤم القدرة. وانجلت الحروب في هذا اليوم لمصابه، عن أمر عظيم، وبلغ من جميع البرابرة الحزن عليه مناله، ورأت أن دماء أهل قرطبة جميعا لا تعدله.
من الكتاب «المتين» .
حبيب بن محمد بن حبيب
من أهل النّجش «1» ، من وادي المنصورة «2» أخوه مالك النّجشي، دباب الحلقات، ومراد أذناب المقرّبين.
حاله: كان على سجيّة غريبة من الانقباض المشوب بالاسترسال، والأمانة مع الحاجة، بادي الزّي واللسان، يحفظ الغريب من اللغة، ويحرّك شعرا لا غاية وراءه في الرّكاكة، وله قيام على الفقه وحفظ القرآن، ونغمة حسنة عند التّلاوة. قدم الحضرة غير ما مرة وكان الأستاذ، إمام الجماعة، وسيبويه الصناعة، أبو عبد الله بن الفخّار، المعروف بإلبيري، أبا مثواه ومحطّ طيّته، يطلب منه مشاركته بباب السلطان في جراية يرغب في تسميتها، وحال يروم إصلاحها، فقصدني مصحبا منه رقعة تتضمن الشّفاعة، وعرض عليّ قصيدة من شعره يروم إيصالها إلى السلطان، فراجعت الأستاذ برقعة أثبتها على جهة الإحماض وهي:
«يا سيدي الذي أتشرّف، وبالانتماء إلى معارفه أتميّز، وصل إليّ عميد حصن النجش، وناهض أفراخ ذلك العشّ، تلوح عليه مخايل أخيه المسمّى بمالك، ويترجّج به الحكم في الغاية في أمثال تلك المسالك، أشبه من الغراب بالغراب، وإنها لمن