حالها: قال أبو القاسم: نبيلة، شاعرة، كاتبة؛ ومن شعرها وهو مشهور «1» :
[الوافر]
أباح الدّمع أسراري بوادي ... له في الحسن «2» آثار بوادي
فمن نهر «3» يطوف بكلّ روض ... ومن روض يطوف بكل وادي
ومن بين الظّباء مهاة إنس ... سبت لبّي وقد سلبت فؤادي «4»
لها لحظ ترقّده لأمر ... وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في جنح السّواد «5»
كأنّ الصّبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل في الحداد «6»
ومن غرائبها «7» : [الطويل]
ولمّا أبى الواشون إلّا قتالنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار «8»
وشنّوا على آذاننا «1» كلّ غارة ... وقلّت حماتي عند ذاك وأنصاري
رميتهم «2» من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسّيف والسّيل والنار
وقال أبو الحسن بن سعيد في حمدة وأختها زينب «3» : شاعرتان، أديبتان، من أهل الجمال، والمال، والمعارف والصّون، إلّا أن حبّ الأدب كان يحملهما على مخالطة أهله، مع صيانة مشهورة، ونزاهة موثّق بها.
حفصة بنت الحاج الرّكوني «4»
من أهل غرناطة، فريدة الزمان في الحسن، والظّرف، والأدب، واللّوذعيّة؛ قال أبو القاسم: كانت أديبة، نبيلة، جيّدة البديهة، سريعة الشعر.
بعض أخبارها: قال الوزير أبو بكر بن يحيى بن محمد بن عمر الهمداني:
رغبت أختي إلى حفصة أن تكتب شيئا بخطها فكتبت «5» : [البسيط]
يا ربّة الحسن، بل يا ربّة الكرم ... غضّي جفونك عمّا خطّه قلمي «6»
تصفّحيه بلحظ الودّ منعمة ... لا تحفلي بقبيح «7» الخطّ والكلم
قال أبو الحسن بن سعيد، وقد ذكر أنهما باتا بحوز مؤمّل «8» في جنّة له هنالك على ما يبيت عليه أهل الظّرف والأدب، قال «9» : [الطويل]
رعى الله ليلا لم يرع بمذمّم ... رعانا ووارانا بحوز مؤمّل «1»
وقد نفحت «2» من نحو نجد أريجة «3» ... إذا نفحت هبّت بريح «4» القرنفل
وغرّد قمريّ على الدّوح وانثنى ... قضيب من الرّيحان «5» من فوق جدول
يرى «6» الرّوض مسرورا بما قد بدا له: ... عناق وضمّ وارتشاف مقبّل
فقالت: [الطويل]
لعمرك ما سرّ الرياض وصالنا «7» ... ولكنه أبدى لنا الغلّ والحسد
ولا صفّق النّهر ارتياحا لقربنا ... ولا صدح «8» القمريّ إلّا لما وجد «9»
فلا تحسن «10» الظّنّ الذي أنت أهله ... فما هو في كل المواطن بالرّشد
فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... لأمر سوى كي ما تكون «11» لنا رصد
قال أبو الحسن بن سعيد: وبالله ما أبدع ما كتبت به إليه وقد بلغها أنه علق بجارية سوداء أسعت له من بعض القصور، فاعتكف معها أياما وليالي، بظاهر غرناطة، في ظلّ ممدود، وطيب هوى مقصور وممدود «12» : [مخلع البسيط]
يا أظرف الناس قبل حال ... أوقعه نحوه «13» القدر
عشقت سوداء مثل ليل ... بدائع الحسن قد ستر
لا يظهر البشر في دجاها ... كلّا ولا يبصر الخفر
بالله قل لي وأنت أدرى ... بكلّ من هام في الصّور
من الذي هام في جنان «1» ... لا نور «2» فيه ولا زهر؟
فكتب إليها بأظرف اعتذار، وألطف أنوار: [مخلع البسيط]
لا حكم إلّا لأمر ناه ... له من الذنب يعتذر «3»
له محيّا به حياتي ... أعيذ مجلاه «4» بالسّور
كضحوة «5» العيد في ابتهاج ... وطلعة الشّمس والقمر
بسعده «6» لم أمل إليه إلّا ... اطّرافا «7» له خبر
عدمت صبحي فاسودّ عشقي «8» ... وانعكس الفكر والنّظر
إن لم تلح يا نعيم روحي ... فكيف لا تفسد الفكر؟
قال: وبلغنا أنه خلا مع حاتم وغيره من أقاربهم، لهم طرب ولهو، فمرّت على الباب مستترة، وأعطت البوّاب بطاقة فيها مكتوب «9» : [الخفيف]
زائر قد أتى بجيد غزال ... طامع من محبّه بالوصال «10»
أتراكم بإذنكم مسعفيه ... أم لكم شاغل من الأشغال؟ «11»
فلمّا وصلت الرّقعة إليه، قال: وربّ الكعبة، ما صاحب هذه الرّقعة إلّا الرّقيعة حفصة؛ ثم طلبت فلم توجد، فكتب إليها راغبا في الوصال والأنس
الموصول «1» : [الخفيف]
أيّ شغل عن الحبيب «2» يعوق ... يا صباحا «3» قد آن منه الشّروق
صل وواصل فأنت أشهى إلينا ... من جميع «4» المنى فكم ذا نشوق
بحياة الرّضى يطيب صبوح ... عرفا إن جفوتنا أو غبوق «5»
لا وذلّ الهوى «6» وعزّ التلاقي ... واجتماع إليه عزّ الطريق
وذكرها الأستاذ في «صلته» ، فقال: وكانت أستاذة وقتها، وانتهت إلى أن علّمت النساء في دار المنصور؛ وسألها يوما أن تنشده ارتجالا فقالت «7» :
[المجتث]
امنن عليّ بصكّ «8» ... يكون للدّهر «9» عدّه
تخطّ يمناك فيه: ... الحمد لله وحده «10»
قال: فمنّ عليها، وحرّز لها ما كان لها من ملك.
وفاتها: قالوا: توفيت بحضرة مرّاكش في آخر سنة ثمانين أو إحدى وثمانين وخمسمائة «11» .
الخضر بن أحمد بن الخضر بن أبي العافية «1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» «2» : كان، رحمه الله، صدرا من صدور القضاة، من أهل النظر والتقييد، والعكوف على الطّلب، مضطلعا «3» بالمسائل، مسائل الأحكام؛ مهتديا «4» لمظنّات النّصوص، نسخ بيده الكثير، وقيّد على الكثير من المسائل، حتى عرف فضله، واستشاره الناس «5» في المشكلات. وكان بصيرا بعقد الشروط، ظريف الخطاب «6» ، بارع الأدب، شاعرا مكثرا، مصيبا غرض الإجادة.
وتصرّف في الكتابة السلطانية، ثم في القضاء، وانتقل في الولايات الرفيعة النّبيهة.
وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه «7» :
«فارس في ميدان البيان، وليس الخبر كالعيان؛ وحامل لواء الإحسان، لأهل هذا الشّان «8» ؛ رفل في حلل «9» البدائع فسحب أذيالها، وشعشع أكواس «10» العجائب فأدار جريالها «11» ، واقتحم على الفحول «12» أغيالها «13» ، وطمح إلى الغاية البعيدة فنالها، وتذوكرت المعضلات «14» فقال: أنا لها. عكف واجتهد، وبرز إلى مقارعة المشكلات ونهد، فعلّم وحصّل، وبلغ الغاية وتوصّل؛ وتولّى القضاء، فاضطلع بأحكام الشّرع، وبرع في معرفة الأصل والفرع، وتميّز في المسائل بطول الباع، وسعة الذّراع؛ فأصبح صدرا في مصره، وغرّة في صفحة عصره. وسيمرّ في بديع كلامه، وهثّات «15» أقلامه، وغرر إبداعه، ودرر اختراعه، ما يستنير «16» لعلم الحليم، وتلقي له البلغاء يد التسليم» .
شعره: قال في غرض الحكمة والأمثال «1» : [الكامل]
عزّ «2» الهوى نقصان والرأي الذي ... ينجيك منه، إذا ارتأيت مروما «3»
فإذا رأيت الرأي يتّبع الهوى ... خالف وفاقهما تعدّ حكيما
وكيف تخاف من الحليم مداجيا «4» ... خف من نصيحك ذي «5» السّفاهة شوما
واحذر معاداة الرجال توقّيا ... منهم ظلوما كنت أو مظلوما
فالناس «6» إما جاهل لا يتّقي ... عارا ولا يخشى العقوبة لوما
أو عاقل يرمي بسهم مكيدة ... كالقوس ترسل سهمها مسموما
فاحلم عن القسمين تسلم منهما ... وتسد فتدعى سيّدا وحليما «7»
ودع المعاداة «8» التي من شأنها ... أن لا تديم على الصّفاء قديما «9»
أبت المغالبة الوداد فلا تكن ... ممّن يغالب ما حييت نديما «10»
وإذا منيت بقربه «11» فاخفض جنا ... ح «12» الذّلّ واخضع ظاعنا ومقيما
إنّ الغريب لكالقضيب محاير «13» ... إن لم يمل للريح عاد رميما
وارع «14» الكفاف ولا تجاوز حدّه ... ما بعده يجني عليك هموما
وابسط يديك متى غنيت ولا تكن ... فيما «15» يكون به المديح ذميما
وإذا بذلت فلا تبذّر إنّ ذا ال ... تبذير يومئذ أخوه رجيما «16»
وعف الورود إذا تزاحم مورد ... واحسب ورود الماء منه حميما
واصحب كريم الأصل ذا فضل فمن ... يصحب لئيم الأصل عدّ لئيما
فالفضل من لبس الكرام فمن عرى ... عنه فليس لما «17» يقول كريما
(إنّ المقارن بالمقارن يفتدي) «1» ... مثل جرى جري الرياح قديما
وجماع كلّ الخير في التّقوى فلا ... تعدم حلى التّقوى تعدّ عديما
وقال يصف الشّيب من قصيدة، وهي طويلة؛ أولها «2» : [الكامل]
لاح الصباح، صباح شيب المفرق ... فاحمد سراك نجوت ممّا تتّقي
هي شيبة الإسلام فاقدر قدرها ... قد أعتقتك وحقّ قدر المعتق
خطّت بفودك أبيضا في أسود ... بالعكس من معهود خطّ مهرق «3»
كالبرق راع بسيفه «4» طرف الدّجى ... فأعار «5» دهمته شتات «6» الأبلق
كالفجر يرسل في الدّجنّة خيطه ... ويجرّ «7» ثوب ضيائه بالمشرق
كالماء يستره بقعر «8» طحلب ... فتراه بين خلاله كالزّئبق
كالحيّة الرقشاء إلّا أنه ... لا يبرأ الملسوع منه إذا رقي
كالنّجم عدّ لرجم شيطان الصّبا ... يا ليت شيطان الصّبا لم يحرق
كالزّهر إلّا أنه لم يستنم «9» ... إلّا بغصن «10» ذابل لم يورق
كتبسّم الزّنجيّ إلّا أنه ... يبكي العيون بدمعه «11» المترقرق
وكذا البياض قذى العيون ولا ترى ... للعين أبكى «12» من بياض المفرق
ما للغواني وهو لون خدودها ... يجزعن من لألائه المتألّق
وأخلته لمع السّيوف ومن يشم ... لمع السّيوف على المفارق يفرق
هو ليس ذاك ولا الذي أنكرته «13» ... كن «14» خائفا ما خفن منه واتّق
داء يعزّ على «15» الطبيب دواؤه ... ويضيع خسرا فيه مال المنفق