بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 294

أوّليّته: قد مرّ «1»
ما حدث بين أبيه زيري وبين قرابته من ملوك إفريقية، وباديس بن منصور من المشاحنة التي أوجبت مخاطبة المظفر بن أبي عامر في اللّحاق بالأندلس، وإذنه في ذلك، فدخل الأندلس منهم على عهده جماعة وافرة من مساعير الحروب وآثار الحتوف، مع شيخهم هذا وأميرهم، ودخل منهم معه أبناء أخيه ماكسن وحباسة وحبّوس، وقاموا في جملة المظفّر، وزاوي مخصوص باسم الحجابة؛ فلمّا اختلّ بناء الخلافة، بمحمد بن عبد الجبار الملقّب بالمهدي، أذلّهم وتنكّر لهم، وأشاع بينهم وبين أمثالهم من البرابر، المغايرة، فكان ذلك سبب الفتنة التي يسمّيها أهل الأندلس بالبربرية؛ فانحاشوا، ونفروا عهده، وبايعوا سليمان بن الحكم، واستعانوا بالنصارى، وحرّكوا على أهل قرطبة خصوصا، وعلى أهل الأندلس عموما، ما شاء الله من استباحة، وإهلاك النفوس، وغلبوا على ملك الأندلس، وما وراء البيضة، واقتسموا أمّهات الأقطار، وانحازوا إلى بلاد تضمّهم، فانحازت صنهاجة مع رئيسهم المذكور إلى غرناطة، فأووا إليها، واتخذوها ملجأ، وحماها زاوي المذكور، وأقام بها ملكا، وأثّل بها سلطانا لذويه، فهو أوّل من مدّن غرناطة، وبناها وزادها تشييدا ومنعة، واتصل ملكه بها، وارتشحت عروقه، إلى أن كان من ظهوره بها وأحوازها، على عساكر الموالي، الراجعين بإمامهم المرتضى إلى قرطبة، البادين بقتاله، والآخذين بكظمه، بما تقرّر ويتقرّر في اسم المرتضى، من باب المحمّدين.
وكان زاوي كبش الحروب، وكاشف الكروب، خدم قومه شهير الذّكر أصيل المجد، المثل المضروب في الدهاء، والرأي، والشجاعة، والأنفة، والحزم.
قال بعضهم: أحكم التدبير، والدولة تسعده، والمقادر تنجده، وحكيت له في الحروب حكايات عجيبة.
بعض أخباره في الرأي: قال أبو مروان: وقد مرّ ذكر الفتنة البربرية؛ لمّا خلص ملأ القوم، لتشاور أميرهم، وهم فرض في خروجهم من قرطبة، عندما انتهوا إلى فحص هلال، واجتمعوا على التّأسّي، وضرب لهم زعيمهم زاوي بن زيري بن مناد الصّنهاجي، مثلا بأرماح خمسة جمعها مشدودة، ودفعها لأشدّ من حضره منهم، وقال: اجهد نفسك في كسرها كما هي وأغمزها، فعالج ذلك فلم


صفحه 295

يقدر عليه، فقال له: حلّها وعالجها رمحا رمحا، فلم يبعد عليه دقّها، فأقبل على الجماعة، فقال: هذا مثلكم يا برابرة، إن جمعتم لم تطاقوا، وإن تفرّقتم لم تبقوا، والجماعة في طلبكم، فانظروا لأنفسكم وعجّلوا، فقالوا: نأخذ بالوثيقة، ولا نلقي بأيدينا إلى التهلكة، فقال لهم: بايعوا لهذا القرشي سليمان، يرفع عنكم الأنفة في الرياسات، وتستميلون إليه العامّة بالجنسية، ففعلوا، فلمّا تمّت البيعة قال: إن مثل هذا الحال لا يقوى على أهل الاستطالة، فيقيّد له رئيس كل قبيلة منكم، قبيلة يتكفّل السلطان بتقويمهم، وأنا الكفيل بصنهاجة، قال: وامتارت بطون القبائل على أرحامها، وقبائلها إلى أفخاذها وفصائلها، فاجتمع كل فريق منهم على تقديم سيّده، فاجتمعت صنهاجة على كبيرها زاوي، ولم تزل تلك القبائل المتألّفة بالأندلس لطاعة أميرها، المنادين له إلى أن أورثوهم الإمارة.
التوقيع: قالوا «1»
: ولمّا نازله المرتضى الذي أجلب به الموالي العامريين بظاهر غرناطة، خاطبه بكتاب يدعوه فيه إلى طاعته، وأجمل موعده فيه؛ فلما قرىء على زاوي قال لكاتبه: اكتب على ظهر رقعته: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
(1) السورة «2»
. فلمّا بلغت المرتضى أعاد عليه كتابا يعده فيه بوعيده، فلمّا قرىء على زاوي، قال: ردّ عليه: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
(1) «3»
إلى آخرها، فازداد المرتضى غيظا، وناشبه القتال، فكان الظّهور لزاوي.
قال المؤرّخ «4»
: واقتتلت صنهاجه مع أميرهم مستميتين لما دهمهم من بحر العساكر، على انفرادهم وقلّة عددهم، إلى أن انهزم أهل الأندلس، وطاروا على وجوههم، مسلموهم وإفرنجهم، لا يلوون على أحد، فأوقع البرابر «5»
بهم السيف، ونهبوا تلك المحلّات، واحتووا على ما لا كفاء له اتساعا وكثرة؛ ظلّ الفارس يجيء من أتباع المنهزمين ومعه العشرة، ولا تسل عمّا دون ذلك من فاخر النّهب، وخير الفساطيط، ومضارب الأمراء والرؤساء.


صفحه 296

قال ابن حيّان «1»
: فحلّ بهذه الوقيعة على جماعة الأندلس مصيبة «2»
أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم «3»
جمع بعدها وفرّوا بإدبار «4»
، وباؤوا بالصّغار.
منصرفه عن الأندلس:
قال المؤرّخ «5»
: ولهول ما عاينه زاوي من اقتدار أهل الأندلس في أيّام «6»
تلك الحروب وجعاجعهم، وإشرافهم على التغلّب عليه، هان سلطانه عنده بالأندلس، وخرج «7»
عنها نظرا إلى عاقبة أمره، ودعا بجماعة «8»
من قومه لذلك فعصوه، وركب البحر بجيشه وأهله، فلحق بإفريقية وطنه. قال: فكان من أغرب الأخبار في «9» الدولة الحمّودية انزعاج ذلك الشيخ زاوي «10» عن سلطانه بعد ذلك الفتح العظيم الذي ناله على أهل الأندلس، وعبوره البحر بعد أن استأذن ابن عمّه المعز بن باديس، فأذن له.
وحرص بنو عمّه بالقيروان، على رجوعه لهم لحال سنّه، وتقريبهم «11» يومئذ من مثله من مشيختهم لمهلك جميع إخوتهم، وحصوله هو على مقرّر «12» بني مناد، الغريب الشأن «13» ، في أن لا تحجب عنهم نساؤهم وكنّ زهاء ألف امرأة في ذلك الوقت، هنّ ذوات محرم من بنات إخوته وبناتهنّ وبني بنيهنّ. وكان رحيل زاوي عن الأندلس سنة عشر «14» وأربعمائة. قال ابن حيّان «15» : وأخبار هذا الداهية كثيرة، وأفعاله ونوادره مأثورة.
زهير العامريّ، فتى المنصور بن أبي عامر «16»
حاله: كان شهما داهية، سديد المذهب، مؤثرا للأناة، ولي بعد خيران صاحب ألمريّة، وقام بأمره أحمد قيام، سنة تسع «17» عشرة وأربعمائة، يوم الجمعة لثلاث


صفحه 297

خلون من جمادى الأولى. وكان أميرا بمرسية، فوجّه عنه خيران حين أحسّ بالموت، فوصل إليه، وكان عنده إلى أن مات. فخرج زهير مع ابن عباس «1» إلى الناس، فقال لهم: أمّا الخليفة خيران فقد مات، وقد قدّم أخاه زهيرا هذا، فما تقولون؟ فرضي الناس به، فدامت مدة ولايته عشرة أعوام ونصف عام إلى أن قتل.
مناقبه: قال أبو القاسم الغافقي «2» : وكان حسن السّيرة جميلها؛ بنى المسجد في ألمريّة، ودار «3» فيه من جهاته الثلاث، المشرق والمغرب والجوف؛ وبنى مسجدا ببجّانة، وشاور الفقهاء، وعمل بقولهم؛ وملك قرطبة، ودخل قصرها، يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة خمس وعشرين وأربعمائة، ودام سلطانه عليها خمسة عشر شهرا ونصف شهر.
قال ابن عذاري «4» : وأما زهير الفتى فامتدّت «5» أطناب مملكته من ألمريّة إلى قرطبة «6» ونواحيها، وإلى بيّاسة، وإلى الفجّ من أول طليطلة. وقالوا «7» : قرّ ما بينه وبين باديس فأرسل باديس «8» إلى زهير رسوله مكاتبا مستدعيا تجديد المحالفة، فسارع زهير، وأقبل نحوه، وضيّع الحزم، واغترّ بالعجب، ووثق بالكثرة، أشبه شيء بمجيء الأمير الضخم إلى عامل «9» من عمّاله، قد ترك رسم «10» الالتقاء بالنّظراء وغير ذلك من وجوه الحزم، وأعرض عن ذلك كله؛ وأقبل ضاربا بسوطه، حتى تجاوز الحدّ الذي جرت «11» العادة بالوقوف عنده من عمل باديس دون إذنه؛ وصيّر الأوعار والمضايق خلف ظهره، فلا يفكّر فيها، واقتحم البلد، حتى صار «12» إلى باب غرناطة. ولمّا وصل خرج باديس في جمعه، وقد أنكر اقتحامه عليه، وعدّه حاصلا


صفحه 298

في قبضته؛ فبدأه بالجميل والتّكريم، وأوسع عليه وعلى رجاله في «1» العطاء والقرى والتعظيم بما مكّن اغترارهم، وثبّت طمأنينتهم. ووقعت المناظرة بين زهير وباديس «2» ، ومن حضرهما من رجال دولتيهما، فنشأ «3» بينهما عارض الخلاف لأول وهلة، وحمل زهير أمره على التّشطّط، فعزم باديس على اللقاء «4» ووافقه عليه قوم من خدّامه، فأقام المراتب، ونصب الكتائب، وقطع قنطرة لا محيد عنها لزهير، والحائن «5» لا يشعر؛ وغاداه عن تعبئة محكمة، فلم يرعه إلّا رجّة القوم راجعين، فدهش زهير وأصحابه، إلّا أنه أحسن تدبير الثبات لو استتمّه، وقام فنصب الحرب، وثبت في قلب العسكر، وقدّم خليفته هذيلا في وجوه أصحابه إلى الموالي، فلمّا رأتهم صنهاجة، علموا أنهم الحماة والشّوكة «6» ، ومتى حصدوا لم يثبت من وراءهم، فاختلطوا بهم «7» ، واشتدّ القتال، فحكم الله لأقلّ الطائفتين من صنهاجة ليري الله «8» قدرته، فانهزم زهير وأصحابه وتقطّعوا، وعمل السيف فيهم فمزّقوا، وقتل زهير، وجهل مصرعه؛ وغنم رجال باديس من المال والمرافق «9» والأسلحة والحلية والعدّة والغلمان والخيام «10» ، ما لا يحاط بوصفه. وكانت وفاة زهير يوم الجمعة عقب شوّال، سنة تسع وعشرين وأربعمائة بقرية ألفنت خارج غرناطة.
طلحة بن عبد العزيز بن سعيد البطليوسي وأخواه أبو بكر وأبو الحسن بنو القبطرنة «11»
يكنى أبا محمد.


صفحه 299

حالهم: كانوا عيونا من عيون الأدب بالأندلس، ممّن اشتهروا بالظرف، والسّرو والجلالة. وقال أبو الحسن بن بسّام وقد ذكر أبا بكر منهم، فقال «1» : أحد فرسان الكلام «2» ، وحملة السيوف والأقلام، من أسرة أصالة، وبيت جلالة، أخذوا العلم أولا عن آخر، وورثوه كابرا عن كابر. ثلاثة كهقعة الجوزاء، وإن أربوا عن الشهر «3» في السّنا والسناء «4» . كتب أبو محمد عبد العزيز وأخواه عن ملك لمتونة، ودخلوا معه غرناطة. ذكر ذلك غير واحد. واجتزأت بذكر أبي محمد، وأتبعه أخويه اختصارا.
شعره: من شعر أبي محمد، قوله في الاستدعاء «5» : [المتقارب]
هلمّ إلى روضنا يا زهر «6» ... ولح في سماء المنى «7» يا قمر
وفوّق «8» إلى الأنس سهم الإخاء ... فقد عطّلت قوسه والوتر «9»
إذا لم تكن عندنا حاضرا ... فما بغصون «10» الأماني ثمر «11»
وقعت من القلب وقع المنى ... وحزت «12» من العين حسن الحور
قال أبو نصر «13» : بات مع أخويه في أيام صباه، واستطابة جنوب الشّباب وصباه، بالمنية المسمّاة بالبديع، وهي «14» روض كان المتوكل يكلف بموافاته، ويبتهج بحسن صفاته، ويقطف ريحانه «15» وزهره، ويقف «16» عليه إغفاءه وسهره، ويستفزّه الطرب متى ذكره، وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره، ويدير حميّاه على ضفة نهره، ويخلع سرّه فيه لطاعة جهره، ومعه أخواه، فطاردوا اللذّات حتى أنضوها، ولبسوا برود السرور فما «17» نضوها، حتى صرعتهم العقار، وطلّحتهم تلك


صفحه 300

الأوقار «1» ؛ فلمّا همّ رداء الفجر أن يندى، وجبين الصبح أن يتبدّى «2» ، قام الوزير أبو محمد فقال «3» : [الخفيف]
يا شقيقي وافى «4» الصّباح بوجه «5» ... ستر اللّيل نوره وبهاؤه
فاصطبح، واغتنم مسرّة يوم ... لست «6» تدري بما يجيء مساؤه
ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال: [الخفيف]
يا أخي، قم تر النّسيم عليلا ... باكر الرّوض والمدام شمولا «7»
في رياض تعانق الزّهر فيها ... مثل ما عانق الخليل خليلا «8»
لا تنم واغتنم مسرّة يوم ... إنّ تحت التّراب نوما طويلا
ثم استيقظ أخوهما أبو الحسن وقد ذهب «9» من عقله الوسن، فقال: [البسيط]
يا صاحبيّ ذرا لومي ومعتبتي ... قم نصطبح قهوة «10» من خير ما ذخروا
وبادرا غفلة الأيّام واغتنما ... فاليوم خمر ويبدو في غد خبر «11»
وقال أبو بكر في بقرة أخذها له الرنق «12» صاحب قلمورية، وقد أعاد أرضه «13» : [الطويل]


صفحه 301

وأفقدنيها الرّنق أمّا حفيّة ... إذا هي ضفّت «1» ألّفت بين رفدين «2»
تعنّفني أمّي على أن رثيتها ... بشعري «3» وأن أتبعتها الدّم من عيني «4»
لها الفضل عندي أرضعتني أربعا «5» ... وبالرغم ما بلّغتني رأس عامين «6»
محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن نصر
الرئيس المتوثّب على الملك، وحيّ كرسي الإمارة، وعاقد صفقة الخسران المبين، يكنى أبا عبد الله.
أوّليّته: معروفة.
حاله: «من نفاضة الجراب» «7» وغيره: كان شيطانا، ذميم الخلق، حرفوشا، على عرف المشارقة، متراميا للخسائس، مألفا للدّعرة والأجلاف والسّوّار وأولي الريب، خبيثا كثير النّكر، منغمسا في العهن، كلفا بالأحداث، متقلبا عليهم في الطرق، خليع الرّسن، ساقط الحشمة، كثير التّبذّل، قوّاد عصبة كلاب، معالجا لأمراضها، مباشرا للصّيد بها، راجلا في ثياب منتاب الشّعر من الجلود والسوابل والأسمال؛ عقد له السلطان على بنته لوقوع القحط في رجال بيتهم، ونوّههه بالولاية، وأركبه، وأغضى له عن موبقات تقصر به، إلى أن هلك؛ وحاد الأمر عن شقيق زوجه، واستقرّ في أخيه، وثقل على الدولة، لكراهة طلعته، وسوء الأحدوثة به، فأمر بترك المباشرة، والدخول للقلعة، وأذن له في التّصرف في البلد والفحص، وأبقيت عليه النعمة، فداخل أمّ زوجه، وضمن لها تمام الأمر لولدها، وأمدّته بالمال، فنظر من المساعير شيعة، من كسرة الأغلاق، وقتلة الزقاق، ومختلسي البضائع، ومخيفي السّابلة، واستضاف من أسافلة الدولة، من آسفته بإقصار قصد، أو مطل وعد، أو حطّ رتبة، أو عزل عن ولاية، فاستظهر منهم بعدد ولا، كالشّقيّ الدّليل الموروري، الغريب الطّور، وإبراهيم بن أبي الفتح المنبوذ بالإضليع، قريع الجهل، ومستور العظيمة، وارتادوا عورة القلعة فاهتدوا منها إلى ما شاؤوا وتألّفوا بخارج. ثم تسلّلوا