إلى ملك برجلونة «1» ، ثم اتّصل بالدولة النصرية، بين إدالة الغدر، وإيالة الشّرّ، فقلّده الدائل مشيخة الغزاة، ونوّه به، فاستراب معزله يحيى بن عمر، ففرّ إلى أرض الروم حسبما يذكر في اسمه؛ فقام له بهذا الوظيف، ظاهر الشّهرة والأبّهة، مخصوصا منه بالتجلّة، إلى أن كان ما كان من إزمانه وفراره؛ فوفّى له وصحبه ركابه، وقاسمه المنسجة شقّ الأبلة، واستقرّ بعد قتله أسيرا عانيا علق الدهر، لضنانة العدوّ بمثله، إلى أن أفلت من دون الأغلاق، وشدّ الوثاق. ولحق بالمسلمين في خبر لم يشتمل كتاب الفرج بعد الشدّة على مثله، والإغراب منه، يستقرّ في اسمه إلماع به؛ ثم استقرّ بالمغرب معتقلا، ثم مات رحمه الله.
من كان على عهده من الملوك: وأولا بمدينة فاس دار ملك المغرب، السلطان، الخيّر، الكريم الأبوّة، المودود قبل الولاية، الليّن العريكة، الشهير الفضل في الحياة، آية الله في إغراب الصّنع، وإغراب الإدبار، أبو سالم إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، أمير المسلمين، المترجم به في حرف الألف. ولمّا قتل يوم الحادي والعشرين لذي قعدة من عام اثنين وستين، قام بالأمر بعده أخوه المتحيّل أبو عامر تاشفين بن علي إلى أواخر صفر عام ثلاثة وستين؛ ولحق بالبلد الجديد، الأمير أبو محمد زيان بن الأمير أبي عبد الرحمن بن علي بن عثمان المترجم به في بابه، ثم المتولّي من عام ثمانية وستين وسبعمائة السلطان أبو فارس عمّه المؤمّل للمّ الشّعث، وضمّ النّشر، وتجديد الأمر بحول الله، ابن السلطان الكبير المقدّس، أبي الحسن بن سعيد بن يعقوب بن عبد الحق، وهو بعد متّصل الحال إلى اليوم.
وبتلمسان الأمير أبو حمّو، موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان.
وبإفريقية الأمير الخليفة على عرفهم، إبراهيم بن أمير المؤمنين أبي يحيى بن حفص.
وبقشتالة، بطره بن الهنشه بن هرانده بن شانجه المصنوع له، وليّ النعمة منه، ومستوجب الشكر من المسلمين لأجله، بإراحته منهم.
وبرغون، بطره بن شانجه.
وبرندة، مزاحمه بالملك الفخم، أمير المسلمين حقيقة، المرتّب الحقّ، المعقود البيعة، وصاحب الكرّة، ووليّ حسن العاقبة، مجتثّ شجرته الخبيثة، وصارخ إيالته الدّنيّة، أبو عبد الله محمد بن أمير المسلمين أبي الحجاج بن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر.
مولده: مولد هذه النّسمة المشؤومة أول يوم من رجب عام اثنين وثلاثين وسبعمائة.
وفاته: توفي قتيلا ممثّلا به بطيلاطة من ظاهر إشبيلية، في ثاني يوم من رجب عام ثلاثة وستين وسبعمائة، وسيقت رؤوس أشياعه، الغادرين مع رأسه إلى الحضرة فصلبت بها. وفي ذلك قلت: [السريع]
في غير حفظ الله من هامة ... هام بها الشّيطان في كل واد
لا خلّفت ذكرا ولا رحمة ... في فم إنسان ولا في فؤاد
محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف ابن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر الخزرجي «1»
أمير المسلمين بالأندلس بعد أبيه، رحمه الله.
أوّليّته: معروفة.
حاله: كان معدودا في نبلاء الملوك «2» ، صيانة، وعزّا وشهامة، وجمالا، وخصلا؛ عذب الشمائل، حلوا لبقا، لوذعيّا، هشّا، سخيّا؛ المثل المضروب به في الشجاعة المقتحمة حدّ التهوّر حلس ظهور الخيل، وأفرس «3» من جال على ظهورها «4» ، لا تقع العين، وإن غصّت الميادين، على أدرب بركض الجياد منه، مغرما بالصّيد، عارفا بسمات السّقار «5» وشتات الخيل؛ يحبّ الأدب، ويرتاح إلى الشعر، وينبّه على العيون، ويلمّ بالنادرة الحارّة. أخذت له البيعة يوم مهلك أبيه، وهو «6» يوم الثلاثاء السابع والعشرين لرجب
من «1» عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وناله الحجب، واشتملت عليه الكفالة إلى أن شبّ «2» وظهر، وفتك بوزيره المتغلّب على ملكه، وهو غلام لم يبقل خدّه، فهيب شأنه، ورهبت سطوته، وبرز لمباشرة الميادين، وارتياد المطارد، واجتلاء الوجوه، فكان ملء العيون والصدور.
ذكاؤه: حدّثني «3» القائد أبو القاسم ابن الوزير عبد الله بن عيسى وزير جدّه، قال: تذوكر يوما بحضرته تباين قول «4» المتنبي «5» : [المتقارب]
ألا «6» خدّد الله ورد الخدود ... وقدّ قدود الحسان القدود
وقول امرئ القيس «7» : [الطويل]
وإن كنت قد ساءتك منّي خليقة ... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل «8»
وقول إبراهيم بن سهل «9» : [البسيط]
إنّي له من دمي المسفوك معتذر «10» ... أقول حمّلته في «11» سفكه تعبا
فقال، رحمه الله، بديهة «12» : بينهما ما بين نفس ملك عربي وشاعر «13» ، ونفس يهودي تحت الذّمّة، وإنما تتنفّس بقدر همّتها «14» ، أو كلاما هذا معناه. ولما «15» نازل مدينة قبرة ودخل جفنها عنوة «16» ، ونال قصبتها، ورماها بالنّفط، وتغلّب عليها، وهي ما هي عند المسلمين، وعند النصارى «17» ، من الشّهرة والجلالة، بادرناه «18» نهنّئه بما
نسّق «1» له، فزوى «2» وجهه عنّا، وقال: ماذا تهنّونني به، كأنكم رأيتم تلك الخرقة بكذا «3» - يعني العلم الكبير- في منار إشبيلية «4» ، فعجبنا من بعد همّته، ومرمى عزمه «5» .
شجاعته: أقسم أن يغير على باب مدينة بيّانة في عدّة قليلة عيّنها الميمن «6» ، فوقع البهت وتوقّعت الفاقرة، لقرب الصّريخ، ومنعة الحوزة، وكثرة الحامية، واتصال تخوم البلاد، ووفور الفرسان بذلك الصّقع؛ وتنخّل أهل الحفاظ، وهجم «7» على باب الكفّار نهارا، وانتهى إلى باب المدينة، وقد برزت الحامية، وتوقع فرسان الرّوم الكمناء، فأقصروا عن الإحصار، وحمي المسلمون فشدّ عليهم، فأعطوهم الضّمّة ودخلوا أمامهم المدينة؛ ورمى السلطان أحد الرجال النّاشبة بمزراق كان بيده محلّى السّنان رفيع القيمة، وتحامل «8» يريد الباب فمنع الإجهاز «9» عليه، وانتزاع الرّمح الذي كان يجرّه خلفه، وقال: اتركوه يعالج به رمحه «10» إن كان أخطأته المنيّة، وقد أفلت من أنشوطة خطر عظيم.
جهاده ومناقبه: كان له وقائع في الكفّار، على قلّة أيامه، وتحرّك ونال البلاد، وفتح قبرة، ومقدّم جيش العدو الذي بيّت بظاهرها وأثخن فيه، وفتح الله على يده مدينة باغوة، وتغلب المسلمون على حصن قشتالة، ونازل حصن قشرة «11» بنفسه لدى قرطبة، فكاد أن يتغلّب عليه، لولا مدد اتّصل للنصارى به. وأعظم مناقبه تخليص جبل الفتح، وقد أخذ الطاغية بكظمه، ونازله على قرب العهد من تملّك المسلمين إياه، وناخ «12» بكلكله، وهدّ بالمجانيق أسواره، فدارى الطّاغية، واستنزل
عزمه وتحفه «1» ، ولحق في موضع اختلاله، إلى أن صرفه عنه، وعقد له صلحا، ففازت به قداح الإسلام، وتخلّصه من بين ناب العدو وظفره؛ فكان الفتح عظيما لا كفاء له.
بعض الأحداث في دولته: وفي شهر المحرم «2» من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، نشأت بين المتغلّب «3» على دولته، وزيره، وبين شيخ الغزاة وأمير القبائل العدوية، عثمان بن أبي العلاء، الوحشة وألحقت ريحها السعايات، فصبّت على المسلمين شؤبوب فتنة عظم فيهم أثرها «4» معاطبا، وسئم الانصراف عن الأندلس، فلحق «5» بساحل ألمريّة، وأحوزته المذاهب وتحامت جواره الملوك، فداخل «6» أهل حصن أندرش، فدخل في طاعته، ثم استضاف «7» إليه ما يجاوره، فأعضل الدّاء، وتفاقمت اللأواء، وغامت سماء الفتنة «8» ، واستنفد خزائن الأموال المستعدة لدفاع العدو، واستلحق الشيخ أبو سعيد عمّ السلطان، وقد استقرّ بتلمسان، فلحق به، وقام بدعوته في أخريات صفر عام «9» سبعة وعشرين وسبعمائة؛ واغتنم الطاغية فتنة المسلمين فنزل ثغر بيرة «10» ، ركاب الجهاد، وشجى العدو، فتغلّب عليه، واستولى على جملة من الحصون التي تجاوره، فاتّسع نطاق الخوف «11» ، وأعيا داء الشّر، وصرف إلى نظر «12» ملك المغرب، في أخريات العام، رندة ومربلّة وما يليهما «13» ، وتردّدت الرسائل بين السلطان وبين شيخ الغزاة، فأجلت «14» الحال عن مهادنة، ومعاودة للطاعة، فصرف أميرهم أدراجه إلى العدوة، وانتقلوا إلى سكنى وادي آش على رسم الخدمة والحماية على شروط مقرّرة؛ وأوقع السلطان بوزيره، وأعاد الشيخ إلى محلّه من حضرته؛ أوائل عام ثمانية وعشرين بعده، واستقدم القائد الحاجب أبا النعيم رضوان من أعاصم حباليه
قتيله، فقام بأمره أحسن قيام. وعبر البحر بنفسه بعد استقرار ملكه في الرابع والعشرين من شهر ذي حجة من «1» عام اثنين وثلاثين وسبعمائة، فاجتمع مع ملك المغرب السلطان الكبير أبي الحسن بن عثمان، فأكرم نزله، وأصحبه إلى الأندلس، وحباه بما لم يحب به ملك تقدّمه، من مغربيّات «2» الخيل، وخطير الذخيرة، ومستجاد العدّة؛ ونزل «3» الجيش على أثره جبل الفتح؛ وتوجّه الحاجب أبو النعيم بأكبر إخوة السلطان، مظاهرا على سبيل النّيابة، وهيّأ الله فتحه. ثم استنقاذه بلحاق السلطان، ومحاولة أمره كما تقدّم، فتمّ ذلك يوم «4» الثلاثاء الثاني عشر لذي «5» حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة.
وزراء دولته: وزر له وزير أبيه «6» ، وأخذ له البيعة، وهو مثخن «7» بالجراحات التي أصابته يوم الفتك بأبيه السلطان أبي الوليد، ولم ينشب أن أجهز «8» جرح تجاوز عظم الدماغ، بعد مصابرة ألم العلاج الشديد، حسبما يأتي في اسمه، وهو أبو الحسن علي بن مسعود بن يحيى بن مسعود المحاربي. وترقى إلى الوزارة والحجابة وكيل أبيه محمد بن أحمد «9» المحروق، من أهل غرناطة، يوم الاثنين غرّة شهر رمضان من «10» عام خمسة وعشرين وسبعمائة، ويأتي التعريف بهم. ثم اغتيل «11» بأمره، عشيّ ثاني يوم من محرم فاتح تسعة وعشرين وسبعمائة. ثم وزر له القائد «12» أبو عبد الله بن القائد أبي بكر عتيق بن يحيى بن المول من وجوه الدولة، وصدور من يمتّ بوصله، إلى السابع عشر من رجب من العام؛ ثم صرف إلى العدوة. وأقام رسم الوزارة والحجابة والنيابة «13» أبو النعيم مولى أبيه، إلى آخر مدته، بعد أن التأث أمره
لديه، وزاحمه بأحد المماليك المسمى «1» بعصام حسبما يأتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
رئيس كتّابه: كتب له «2» كاتب أبيه قبله، وأخيه بعده، شيخنا نسيج وحده، أبو الحسن علي بن الجيّاب الآتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
قضاته: استمرّت الأحكام لقاضي أبيه، أخي «3» وزيره، الشيخ الفقيه أبي بكر «4» بن مسعود، رحمه الله، إلى عام سبعة وعشرين وسبعمائة، ووجّهه «5» رسولا عنه إلى ملك المغرب، فأدركته «6» وفاته بمدينة سلا، فدفن بمقبرة سلا «7» . رأيت قبره بها، رحمه الله. وتخلّف ابنه «8» أبا يحيى مسعود «9» عام أحد وثلاثين وسبعمائة؛ وتولّى الأحكام الشرعية القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر الأشعري «10» ، خاتمة الفقهاء، وصدر العلماء، رحمه الله، فاستمرّت له الأحكام إلى تمام مدة أخيه بعده.
أمه: روميّة اسمها «علوة» وكانت أحظى لدّاتها عند أبيه، وأمّ بكره، إلى أن نزع عنها في أخريات أمره، لأمر جرّته الدّالّة، وتأخّرت وفاتها عنه إلى مدة أخيه.
من كان على عهده من الملوك بأقطار المسلمين والنصارى:
فبفاس «11» ، السلطان الكبير، الشهير، الجواد، خدن العافية، وحلف السعادة، وبحر الجود، وهضبة الحلم، أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، الذي بذل المعروف، وقرّب الصلحاء والعلماء، وأدنى مكانهم، وأعمل إشارتهم، وأوسع بأعطيته المؤمنين المسترفدين، وعظم قدره، واشتهر في الأقطار صيته، وفشا
معروفه، وعرفت بالكفّ عن الدماء والحرمات عفّته، إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة «1» عام أحد وثلاثين وسبعمائة. ثم صار الأمر إلى ولده السلطان، مقتفي «2» سننه في الفضل والمجد، وضخامة السلطان، مبرّا عليه بالبأس المرهوب، والعزم الغالب، والجدّ الذي لا يشوبه هزل، والاجتهاد الذي لا تتخلّله «3» راحة، الذي بعد مداه، وأذعن لصولته عداه، واتصلت ولايته مدته، ومعظم مدة أخيه الوالي بعده.
وبتلمسان الأمير عبد الرحمن بن موسى «4» بن يغمراسن، من بني عبد الواد، مشيّد القصور، ومروّض الغروس، ومتبنّك التّرف، واتّصل «5» إلى تمام مدته، وصدرا من مدة أخيه بعده.
وبتونس الأمير أبو يحيى، أبو بكر بن الأمير أبي زكريا بن الأمير أبي إسحاق لبنة تمام قومه، وصقر الجوارح «6» من عشّه، وسابق الجياد من حلبته، إلى تمام المدة، وصدرا كبيرا من دولة أخيه بعده.
ومن ملوك النصارى «7» ، ملك على عهده الجفرتين القنيطية والتاكرونية، الطاغية المرهوب الشّبا، المسلط على دين الهدى، ألهنشة بن هراندة بن شانجه بن ألفنش بن هراندة، الذي احتوى على كثير من بلاد المسلمين حتى الجفرتين. واتصلت أيامه إلى أخريات أيام أخيه، وأوقع بالمسلمين على عهده، وتملّك الجزيرة الخضراء وغيرها.
وبرغون، ألفنش بن جايمش بن ألفنش بن بطره «8» بن جايمش الذي استولى على بلنسية، ودام إلى آخر مدته، وصدرا من مدة أخيه. وقد استقصينا من العيون أقصى ما سحّ به الاستقصاء، وما أغفلناه أكثر، ولله الإحاطة.
مولده: في الثامن من شهر المحرم من عام خمسة عشر وسبعمائة.