لديه، وزاحمه بأحد المماليك المسمى «1» بعصام حسبما يأتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
رئيس كتّابه: كتب له «2» كاتب أبيه قبله، وأخيه بعده، شيخنا نسيج وحده، أبو الحسن علي بن الجيّاب الآتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
قضاته: استمرّت الأحكام لقاضي أبيه، أخي «3» وزيره، الشيخ الفقيه أبي بكر «4» بن مسعود، رحمه الله، إلى عام سبعة وعشرين وسبعمائة، ووجّهه «5» رسولا عنه إلى ملك المغرب، فأدركته «6» وفاته بمدينة سلا، فدفن بمقبرة سلا «7» . رأيت قبره بها، رحمه الله. وتخلّف ابنه «8» أبا يحيى مسعود «9» عام أحد وثلاثين وسبعمائة؛ وتولّى الأحكام الشرعية القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر الأشعري «10» ، خاتمة الفقهاء، وصدر العلماء، رحمه الله، فاستمرّت له الأحكام إلى تمام مدة أخيه بعده.
أمه: روميّة اسمها «علوة» وكانت أحظى لدّاتها عند أبيه، وأمّ بكره، إلى أن نزع عنها في أخريات أمره، لأمر جرّته الدّالّة، وتأخّرت وفاتها عنه إلى مدة أخيه.
من كان على عهده من الملوك بأقطار المسلمين والنصارى:
فبفاس «11» ، السلطان الكبير، الشهير، الجواد، خدن العافية، وحلف السعادة، وبحر الجود، وهضبة الحلم، أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، الذي بذل المعروف، وقرّب الصلحاء والعلماء، وأدنى مكانهم، وأعمل إشارتهم، وأوسع بأعطيته المؤمنين المسترفدين، وعظم قدره، واشتهر في الأقطار صيته، وفشا
معروفه، وعرفت بالكفّ عن الدماء والحرمات عفّته، إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة «1» عام أحد وثلاثين وسبعمائة. ثم صار الأمر إلى ولده السلطان، مقتفي «2» سننه في الفضل والمجد، وضخامة السلطان، مبرّا عليه بالبأس المرهوب، والعزم الغالب، والجدّ الذي لا يشوبه هزل، والاجتهاد الذي لا تتخلّله «3» راحة، الذي بعد مداه، وأذعن لصولته عداه، واتصلت ولايته مدته، ومعظم مدة أخيه الوالي بعده.
وبتلمسان الأمير عبد الرحمن بن موسى «4» بن يغمراسن، من بني عبد الواد، مشيّد القصور، ومروّض الغروس، ومتبنّك التّرف، واتّصل «5» إلى تمام مدته، وصدرا من مدة أخيه بعده.
وبتونس الأمير أبو يحيى، أبو بكر بن الأمير أبي زكريا بن الأمير أبي إسحاق لبنة تمام قومه، وصقر الجوارح «6» من عشّه، وسابق الجياد من حلبته، إلى تمام المدة، وصدرا كبيرا من دولة أخيه بعده.
ومن ملوك النصارى «7» ، ملك على عهده الجفرتين القنيطية والتاكرونية، الطاغية المرهوب الشّبا، المسلط على دين الهدى، ألهنشة بن هراندة بن شانجه بن ألفنش بن هراندة، الذي احتوى على كثير من بلاد المسلمين حتى الجفرتين. واتصلت أيامه إلى أخريات أيام أخيه، وأوقع بالمسلمين على عهده، وتملّك الجزيرة الخضراء وغيرها.
وبرغون، ألفنش بن جايمش بن ألفنش بن بطره «8» بن جايمش الذي استولى على بلنسية، ودام إلى آخر مدته، وصدرا من مدة أخيه. وقد استقصينا من العيون أقصى ما سحّ به الاستقصاء، وما أغفلناه أكثر، ولله الإحاطة.
مولده: في الثامن من شهر المحرم من عام خمسة عشر وسبعمائة.
وفاته: وإلى هذا العهد مات؛ وغرت عليه من رؤوس الجند، من قبائل العدوة، الصّدور، وشحنت عليه القلوب غيظا؛ وكان شرها لسانه، غير جزوع ولا هيّاب «1» ، فربما يتكلّم بملء فيه من الوعيد الذي لا يخفى على المعتمد به. وفي ثاني يوم من إقلاع الطاغية من الجبل «2» ، وهو يوم الأربعاء الثاني «3» عشر من ذي حجة، وقد عزم على ركوب البحر من ساحل مربلة «4» ، فهو مع وادي ياروا من ظاهر جبل الفتح، تخفيفا للمؤونة، واستعجالا للصّدور، وقد أخذت على حركته المراصد؛ فلمّا توسّط كمين القوم، ثاروا إليه وهو راكب بغلا أثابه به ملك الروم، فشرعوا في عتبه بكلام غليظ، وتأنيب قبيح، وبدأوا بوكيله فقتلوه، وعجّل بعضهم بطعنه، وترامى عليه مملوك من مماليك أبيه، زنمة «5» من أخابيث العلوج يسمّى زيانا، صونع على مباشرة الإجهاز عليه، فقضى لحينه بسفح «6» الربوة الماثلة، يسرة العابر للوادي ممّن يقصد جبل الفتح «7» ، وتركوه بالعراء «8» بادي البوار، مسلوب البزّة، سييء المصرع، قد عدت عليه نعمه، وأوبقه سلاحه، وأسلمه أنصاره وحماته.
ولمّا فرغ القوم من مبايعة أخيه السلطان «9» أبي الحجاج، صرفت الوجوه يومئذ «10» إلى دار الملك، ونقل القتيل إلى مالقة، فدفن على حاله تلك برياض تجاور منية السّيد، فكانت وفاته ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر لذي «11» حجة من عام ثلاثة «12» وثلاثين وسبعمائة. وأقيمت على قبره «13» بعد حين قبّة، ونوّه بقبره. وهو اليوم «14» ماثل رهن غربة، وجالب عبرة، جعلنا الله للقائه على حذر وأهبة، وبلوح الرخام الماثل عند رأسه مكتوب:
هذا قبر السلطان الأجلّ، الملك الهمام، الأمضى الباسل، الجواد ذي المجد الأثيل، والملك الأصيل، المقدّس، المرحوم، أبي عبد الله محمد بن السلطان الجليل؛ الكبير، الرفيع، الأوحد، المجاهد، الهمام، صاحب الفتوح المسطورة «1» ، والمغازي المشهورة، سلالة أنصار النبي، صلى الله عليه وسلّم، أمير المؤمنين «2» ، وناصر الدين، الشهيد، المقدّس، المرحوم أبي الوليد بن فرج بن نصر، قدّس الله روحه وبرّد ضريحه. كان مولده في الثاني «3» لمحرم عام خمسة عشر وسبعمائة، وبويع في اليوم الذي استشهد فيه والده رضي الله عنه السادس والعشرين لرجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وتوفي رحمه الله في الثالث عشر لذي حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، فسبحان من لا يموت: [الكامل]
يا قبر سلطان الشجاعة والنّدى ... فرع الملوك الصيد أعلام الهدى
وسلالة السّلف الذي آثاره ... وضّاحة لمن اقتدى ومن اهتدى
سلف لأنصار النبيّ نجاره ... قد حلّ منه في المكارم محتدا
متوسّط البيت قد أسّست ... هـ سادة الأملاك أوحد أوحدا
بيت بناه «4» محمّدون ثلاثة ... من آل نصر أورثوه محمّدا
أودعت وجها قد تهلّل حسنه ... بدرا بآفاق الجلالة قد بدا
وندّا يسحّ على العفاة مواهبا ... مثنى الأيادي السابغات وموحدا
يبكيك مذعور بك استعدى على ... أعدائه فسقيتهم كأس الردى
يبكيك محتاج أتاك مؤمّلا ... فغدا وقد شفعت يداك له اليدا
أمّا سماحك فهو أسنى «5» ديّة ... أما جلالك فهو أسمى مصعدا
جادت ثراك من الإله سحابة «6» ... لرضاه عنك تجود هذا المعهدا
[وشرّ ما تبع هذا السلطان تواطؤ قتلته من بني أبي العلاء وأصهارهم وسواهم من شيوخ خدّامه، كالوكيل في مدة أخيه بعد، الشيخ الذهول مسافر بن حركات وسواه، على اكتتاب عقد بعد وفاته، بأمور من القول تقدح في أصل الديانة، وأغراض تقتضي إلى الوهن في الدّين، وهنات تسوّغ إراقة دمه الذي
توفّرت الدواعي على حياطته، والذّبّ عنه، تولّى كبرها شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، مرتكبا منها وصمة محت على غرر فضله إلى كثير من خدّامه ومماليكه، وبعثوا بها إلى ملك المغرب، فاقتطعت جانب التمهيل والتأخير واللبث عن الحكم، والتعليل عن السّماع، وبروز الأغراض، واتّباع السيئة أمثالها. وقد كان، رحمه الله، من الجهاد وإقامة رسم الدين، بحيث تزلّ عن هذه الهنات صفاته، وتنكر هذه المذمّات صفاته، وكان بمكان من العزّ، وإرسال السّجية، ربما عذله الشيخ في بعض الأمر، فيسجم إضجارا وتمليحا بإخراجه؛ ولم يمرّ إلّا الزمان اليسير؛ وأوقع الله بالعصبة المتمالئة عليه من أولاد عبد الله، فسفتهم رياح النّكبات، واستأصلت نعمهم أيدي النّقمات، ولم تقم لهم من بعد ذلك قائمة، والله غالب على أمره] «1» .
وتبعت هذا السلطان نفوس أهل «2» الحرية، ممّن له طبع رقيق، وحسّ لطيف؛ ووفاء كريم، ممّن كان بينه وبين سطوته دفاع؛ وفي جوّ اعتقاده له صفاء؛ فصدرت «3» مراث مؤثرة، وأقاويل للشجون مهيجة، نثبت منها يسيرا على العادة. فمن ذلك ما نظمه الشيخ الكاتب «4» القاضي أبو بكر بن شبرين؛ وكان على «5» فصاحة ظرفه، وجمال روايته، غراب قربه، ونائحة مأتمه، يرثيه ويعرّض ببعض من حمل عليه من «6» ناسه وخدّامه: [مجزوء الرمل]
استقلّا ودعاني ... طائفا بين المغاني
وانعما بالصبر إني ... لا أرى ما تريان
ومن قوله «7» : [الخفيف]
عين بكي لميّت غادروه ... في ثراه ملقى وقد غدروه
دفنوه ولم يصلّ عليه ... أحد منهم ولا غسّلوه
إنما مات يوم «8» مات شهيدا ... فأقاموا رسما ولم يقصدوه
محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد ابن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي «1»
ثالث الملوك من بني نصر، يكنى أبا عبد الله.
أوّليّته: معروفة.
حاله: كان من أعاظم أهل بيته، صيتا وهمّة، أصيل المجد، مليح الصورة، عريق الإمارة، ميمون النّقيبة، سعيد النّصبة، عظيم الإدراك؛ تهنّأ العيش مدة أبيه، وتملّى «2» السياسة في حياته، وباشر الأمور بين يديه، فجاء نسيج وحده إدراكا، ونبلا، وفخارا، وشأوا «3» . ثم تولّى الأمر بعد أبيه فأجراه على ديدنه؛ وتقيّل «4» سيرته، ونسج على منواله. وقد كان الدهر ضايقه في حصّته، ونغّصه ملاذّ الملك بزمانة «5» سدكت «6» بعينيه لمداخلة «7» السّهر، ومباشرة أنوار ضخام الشمع، إذ كانت تتّخذ له منها جذوع في أجسادها مواقيت تخبر بانقضاء ساعات الليل، ومضيّ الرّبع «8» ، وعلى التزامه لكنّه وغيبوبته في كسر بيته، فقد خدمته السّعود، وأمّلت بابه الفتوح، وسالمته الملوك، وكانت أيامه أعيادا. وكان يقرض الشعر ويصغي إليه ويثيب عليه، فيجيز الشعراء، ويرضخ «9» للندماء، ويعرف مقادير «10» العلماء، ويواكل الأشراف والرؤساء، ضاربا في كل إصلاح «11» بسهم، مالئا «12» من كل تجربة وحنكة، حارّ النّادرة، حسن التوقيع، مليح الخطّ، تغلب «13» عليه الفظاظة والقسوة.
شعره: كان «1» له شعر مستظرف من مثله، لا بل يفضل به الكثير ممّن ينتحل الشعر من الملوك. ووقعت «2» على مجموع له، ألّفه بعض خدّامه، فنقلت «3» من مطوّلاته: [السريع]
واعدني وعدا وقد أخلفا ... أقلّ شيء في المليح «4» الوفا
وحال عن عهدي ولم يرعه ... ما ضرّه لو أنّه «5» أنصفا
ما بالها لم تتعطّف على ... صبّ «6» لها ما زال مستعطفا
يستطلع الأنباء من نحوها ... ويرقب البرق إذا ما هفا
خفيت سقما عن عيون الورى ... وبان حبّي بعد ما قد خفا
لله كم من ليلة بتّها ... أدير من ذاك اللّمى قرقفا «7»
متّعتني بالوصل منها وما ... أخلفت وعدا «8» خلت أن يخلفا
ومنها:
ملّكتك القلب وإني امرؤ ... عليّ ملك الأرض قد وقّفا
أوامري في الناس مسموعة ... وليس منّي في الورى أشرفا
يرهف سيفي في الوغى مصلتا «9» ... ويتّقى عزمي إذا ما أرهفا
وترتجى يمناي يوم النّدى ... تخالها السّحب غدت وكفا
نحن ملوك الأرض من مثلنا ... حزنا تليد الفخر والمطرفا
نخاف إقداما ونرجى ندى ... لله ما أرجى وما أخوفا
لي راية في الحرب كم غادرت ... ربع العدا قاعا بها صفصفا
يا ليت شعري والمنى جمّة ... والدّهر يوما هل يرى منصفا
هل يرتجي العبد «10» تدانيكم ... أو يصبح الدهر له مسعفا
مناقبه: وأعظم مناقبه المسجد «1» الجامع بالحمراء، على ما هو عليه، من الظرف والتنجيد، والتّرقيش، وفخامة العمد، وإحكام أتوار «2» الفضة، وإبداع ثراها «3» ، ووقف عليه الحمّام بإزائه، وأنفق فيه مال الجزية «4» ، وأغرمها لمن يليه من الكفّار، فدوا به «5» زرعا، نهد «6» إليه صائفته لانتسافه، وقد أهمّتهم فتنة، فظهر بها منقبة يتيمة، ومعلوّة فذّة، فاق بها من تقدّمه، ومن تأخّره من قومه.
جهاده: أغزى الجيش لأول أمره مدينة المنظر، فاستولى عليها عنوة، وملك «7» من احتوت عليه المدينة، ومن جملتهم الزّعيمة «8» صاحبة المدينة، من أفراد عقائل الروم، فقدمت الحضرة في جملة السّبي «9» ، نبيهة المركب، ظاهرة الملبس، رائقة «10» الجمال، خصّ بها ملك المغرب، فاتّخذها لنفسه، وكان هذا الفتح عظيما، والصّيت «11» بمزايه عظيما بعيدا. أنشدني.
ما نقل عنه من الفظاظة والقسوة «12» :
هجم لأول أمره على طائفة من مماليك أبيه، وكان سيّىء الرأي فيهم، فسجنهم في مطبق الأريّ من حمرائه، وأمسك مفتاح قفله عنده، وتوعّد من يرمقهم بقوت بالقتل، فمكثوا أياما، وصارت أصواتهم تعلو بشكوى الجوع، حتى خفتت ضعفا بعد أن اقتات آخرهم موتا من لحم من سبقه؛ وحملت الشفقة حارسا كان برأس المطبق، على أن طرح لهم خبزا يسيرا، تنقص أكله، مع مباشرة بلواهم، ونمي إليه ذلك، فأمر بذبحه على حافة الجبّ، فسالت عليهم دماؤه؛ وقانا الله مصارع السّوء، وما زالت المقالة عنها شنيعة، والله أعلم بجريرتهم لديه.
وزراؤه: بقي «13» على خطة الوزارة وزير أبيه أبو «14» سلطان عزيز بن علي بن عبد المنعم الداني، الجاري ذكره بحول الله في محلّه، متبرّما، بحياته [إلى أن توفي،