فقال: كذا شهد عليك الفقيه، وأشار إلى جاره. ومثل ذلك كثير. ولّي القضاء بأماكن عديدة كلوشة، وبسطة، والمسند، وبرجة، وأرجبة، وغير ذلك.
مشيخته: يحمل عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب الصالح أبي عبد الله بن فضيلة، وأبي محمد بن سماك، وأبي الحسن بن مستقور.
مولده: عام سبعين وستمائة. توفي قاضيا ببرجة بعد علّة سدكت «1» به في السادس عشر من شعبان من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة، وانتقل منها في وعاء خشب.
ودفن بمقبرة إلبيرة، تجاوز الله عنه ورحمه.
أحمد بن محمد بن سعيد بن زيد الغافقي
من أهل غرناطة، وجلّة بيوتها، ويأتي من ذكر ذلك ما فيه كفاية.
حاله: هذا الرجل ممّن صرفت إلى الله رجعاه، وخلصت له معاملته، وخلص إليه انقطاعه. نازع في ذلك نفسا جامحة في الحزم، عريقة في الغفلة، فكتب الله له النصر عليها دفعة، فشمّر وفوّت الأصول للحضرة في باب الصّدقة، ونبذ الشواغل، وحفظ كتاب الله على الكبرة، واستقبل المحراب، ملغيا سواه، درأ به، فاتّفق على فضله، وغبط في حسن فيئته. وله ديوان نبيل يتضمّن كثيرا من فقه النفس والبدن، دلّ على نبله، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد. نفعه الله تعالى.
مولده: بغرناطة عام تسعين وستمائة.
أحمد بن أبي سهل بن سعيد بن أبي سهل الخزرجي
من أهل الحمّة «2» ، يكنى أبا جعفر.
حاله: من أهل الخير والعفاف والطهارة والانقباض، والصحة والسّلامة، أصيل البيت، معروف القدم ببلده، حرّ النادرة، قرأ بالحضرة، واجتهد، وحصّل؛ ولازم الأستاذ أبا عبد الله الفخّار وغيره من أهل عصره. وولّي القضاء ببلدة الحمّة، ثم بغربي مالقة. وهو الآن قاض بها، مشكور السّيرة.
أحمد بن عمر بن يوسف بن إدريس بن عبد الله ابن ورد التميمي
من أهل ألمريّة. يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن ورد.
حاله: قال الملّاحي: كان من جلّة الفقهاء المحدّثين. قال ابن الزّبير كذلك، وزاد: موفور الحظّ من الأدب والنحو والتاريخ، متقدّما في علم الأصول والتّفسير، حافظا متقنا، ويقال إن علم المالكيّة انتهت إليه الرياسة فيه، وإلى القاضي أبي بكر بن العربي، في وقتهما، لم يتقدّمهما في الأندلس أحد بعد وفاة أبي الوليد بن رشد.
قال: أخبرني الثّقة أبو عبد الله بن جوبر عن أبي عمر بن عات، قال: حديث ابن العربي، اجتمع بابن ورد، وتبايتا ليلة، وأخذا في التّناظر والتذاكر، فكانا عجبا. يتكلّم أبو بكر فيظن السامع أنه ما ترك شيئا إلّا أتى به، ثم يجيبه أبو القاسم بأبدع جواب ينسي السامعين ما سمعوا قبله. وكانا أعجوبتي دهرهما. وكان له مجلس يتكلّم فيه على الصّحيحين، ويخصّ الأخمسة بالتفسير.
حلوله غرناطة: قال المؤرّخون: ولّي قضاء غرناطة سنة عشرين، فعدل وأحسن السّيرة، وبه تفقّه طلبتها إذ ذاك.
مشيخته: روي عن أبي علي الغسّاني، وأبي الحسن بن سراج، وأكثر عنه، وأبي بكر بن سابق الصقيلي، وأبي محمد بن عبد الله بن فرج، المعروف بالعسّال الزّاهد، ولازمه، وهو آخر من روى عنه. ورحل إلى سجلماسة، وناظر عند ابن العوّاد. وروي أيضا عن أبي الحسن المبارك، المعروف بالخشّاب، وكان الخشّاب يحمل عن أبي بكر بن ثابت الخطيب وغيره.
من روى عنه: وروى عنه جماعة كأبي جعفر بن الباذش، وأبي عبيد الله، وابن رفاعة، وابن عبد الرحيم، وابن حكيم وغيرهم. وآخر من روى عنه، أبو القاسم بن عمران الخزرجي بفاس.
وفاته: توفي بألمريّة في الثاني عشر لرمضان سنة أربعين وخمسمائة.
أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن علي الأموي «1»
يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن برطال، أصله من قرية تعرف بحارة البحر من وادي طرّش نصر، حصن منتماس من شرقي مالقة، من بيت خير وأصالة،
وانتقل سلفه إلى مالقة، فتوشّجت لهم بها عروق، وصاهروا إلى بيوتات نبيهة.
حاله: كان من أهل الخير، وكان على طريقة مثلى من الصّمت، والسّمت، والانقباض، والذكاء، والعدالة والتخصّص، محوّلا في الخير، ظاهر المروءة، معروف الأصالة، خالص الطّعمة، كثير العفّة، مشهور الوقار والعفاف، تحرّف بصناعة التوثيق على انقباض.
دخوله غرناطة: تقدّم قاضيا بغرناطة، بعد ولاية القضاء ببلده، وانتقل إليها، وقام بالرّسم المضاف إلى ذلك، وهو الإمامة بالمسجد الأعظم منها، والخطابة بجامع قلعتها الحمراء؛ واستقلّ بذلك إلى تاسع جمادى الثانية من عام أحد وأربعين وسبعمائة، على قصور في المعارف، وضعف في الأداة، وكلال في الجدّ، ولذلك يقول شيخنا أبو البركات بن الحاج «1» : [الرمل]
إنّ تقديم ابن برطال دعا ... طالب «2» العلم إلى ترك الطّلب
حسبوا الأشياء عن «3» أسبابها ... فإذا الأشياء عن غير سبب
إلّا أنه أعانته «4» الدربة والحنكة على تنفيذ الأحكام، فلم تؤثر عنه فيها أحدوثة، واستظهر بجزالة أمضت حكمه، وانقباض عافاه عن الهوادة، فرضيت سيرته، واستقامت طريقته.
مشيخته: لقي والده، شيخ القضاة، وبقيّة المحدّثين، وله الرواية العالية، والدرجة الرفيعة، حسبما يأتي في اسمه، ولم يؤخذ عنه شيء فيما أعلم.
شعره: أنشدني الوزير أبو بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، قال: أنشدني القاضي أبو جعفر بن برطال لنفسه، مودّعا في بعض الأسفار «5» :
[الكامل]
أستودع اللهمّ «6» من لوداعهم ... قلبي وروحي إذ دنى لوداعي «7»
بانوا وطرفي «1» والفؤاد ومقولي ... باك ومسلوب العزاء وداع
فتولّ يا مولاي حفظهم ولا ... تجعل تفرّقنا فراق وداع
وفاته: توفي، رحمه الله وعفا عنه، أيام الطاعون الغريب «2» بمالقة، في منتصف ليلة الجمعة خامس صفر عام خمسين وسبعمائة «3» ، وخرجت جنازته في اليوم التالي، ليلة وفاته في ركب من الأموات، يناهز الألف، وينيف بمائتين، واستمرّ ذلك مدة، وكان مولده عام تسعة وثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى.
أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن عميرة المخزومي «4»
بلنسي شقوري الأصل، يكنى أبا مطرّف.
أوّليّته: لم يكن من بيت نباهة؛ ووقع لابن عبد الملك في ذلك نقل، كان حقه التجافي عنه، لو وفّق.
حاله: قال ابن عبد الملك «5» : كان أوّل طلبه العلم شديد العناية بشأن الرواية، فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله، وتفنّن «6» في العلوم، ونظر في العقليّات «7» وأصول الفقه، ومال إلى الأدب «8» فبرع فيه «9» براعة عدّ بها من كبار مجيدي النّظم. وأما «10» الكتابة، فهو «11» علمها المشهور، وواحدها الذي «12» عجزت عن ثانيه «13» الدّهور، ولا سيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أمد الإحسان، وله المطوّلات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يملح كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التاريخ «14» ، ويودعه إلماعات بالمسائل «15» العلمية
منوّعة المقصد «1» . قلت: وعلى الجملة، فذات أبي المطرّف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده، إدراكا وتفنّنا، بصيرا بالعلوم، محدّثا، مكثرا، راوية ثبتا، سجرا في التاريخ والأخبار، ريّان، مضطلعا بالأصلين، قائما على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطّلاوة، جمّ العيون، غزير المعاني والمحاسن، وافد أرواح المعاني، شفّاف اللفظ، حرّ المعنى، ثاني بديع الزمان، في شكوى الحرفة، وسوء الحظ، ورونق الكلام، ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم، والقصور في السّلطانيات.
مشيخته: روى عن أبي الخطاب بن واجب، وأبي الربيع بن سالم، وأبي عبد الله بن فرج وأبي علي الشّلوبين، وأبي عمر بن عات، وأبي محمد بن حوط الله، لقيهم، وقرأ عليهم، وسمع منهم، وأجازوا له؛ وأجاز له من أهل المشرق أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج وغيره.
من روى عنه: روى عنه ابنه القاسم، وأبو بكر بن خطّاب، وأبو إسحاق البلقيني الحفيد، والحسن بن طاهر بن الشّقوري، وأبو عبد الله البرّي. وحدّث عنه أبو جعفر بن الزّبير، وابن شقيف، وابن ربيع، وغيرهم مما يطول ذكره.
نباهته: صحب أبا عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن خطّاب قبل توليته ما تولّى من رياسة بلده، وانتفع به كثيرا؛ وكتب عن الرئيس أبي جميل زيّان بن سعد وغيره من أمراء شرق الأندلس. ثم انتقل إلى العدوة «2» ، واستكتبه الرشيد أبو محمد عبد الواحد بمراكش، مدة يسيرة؛ ثم صرفه عن الكتابة وولّاه قضاء مليانة من نظر مرّاكش الشرقي، فتولّاه قليلا، ثم نقله إلى أقصى رباط الفتح. وتوفي الرشيد، فأقرّه على ذلك الوالي بعده، أبو الحسن المعتضد أخوه؛ ثم نقله إلى قضاء مكناسة الزّيتون؛ ثم لمّا قتل المعتضد لحق بسبتة، وجرى عليه بطريقها ما يذكر في محنته. ثم ركب البحر منها متوجّها إلى إفريقية، فقدم بجاية على الأمير أبي زكريا يحيى بن الأمير أبي زكريا. ثم توجّه إلى تونس فنجحت بها وسائله، وولّي قضاء مدينة الأرش. ثم انتقل إلى قابس، وبها طالت مدة ولايته؛ واستدعاه المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا، ولطف محلّه منه، حتى كان يحضر مجالس أنسه، وداخله بما قرفته الألسن بسببه حسبما يذكر في وصمته.
مناقبه: وهي الكتابة والشعر؛ كان يذكر أنه رأى في منامه النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فناوله أقلاما، فكان يروى له أن تأويل تلك الرّؤيا، ما أدرك من التّبريز في الكتابة، وشياع الذكر، والله أعلم.
ومن بديع ما صدر عنه، فيما كتب في غرض التّورية، قطعة من رسالة، أجاب بها العبّاس بن أمية، وقد أعلمه باستيلاء الروم على بلنسية، فقال:
«بالله أيّ نحو ننحو، أو مسطور نثبت أو نمحو؛ وقد حذف الأصل والزّائد، وذهبت الصّلة والعائد؛ وباب التعجّب طال، وحال اليأس لا تخشى الانتقال؛ وذهبت علامة الرّفع، وفقدت نون الجمع؛ والمعتلّ أعدى الصّحيح والمثلّث أردى الفصيح؛ وامتنعت الجموع من الصّرف، وأمنت زيادتها من الحذف؛ ومالت قواعد الملّة، وصرنا جمع القلّة؛ وظهرت علامة الخفض، وجاء بدل الكلّ من البعض» .
ومن شعره في المقطوعات التي ورّى فيها بالعلوم قوله «1» : [الخفيف]
قد عكفنا على الكتابة حينا ... وأتت «2» خطّة القضاء تليها
وبكلّ لم يبق للجهد إلّا ... منزلا نابيا وعيشا كريها
نسبة بدّلت ولم تتغيّر ... مثل ما يزعم المهندس فيها
وكقوله مما افتتح به رسالة «3» : [البسيط]
يا غائبا سلبتني الأنس غيبته ... فكيف صبري وقد كابدت بينهما؟
دعواي أنّك في قلبي فعارضها «4» ... شوقي إليك فكيف الجمع بينهما؟
وفي مثل ذلك استفتاح رسالته أيضا «5» : [الكامل]
إن «6» الكتاب أتى وساحة طرسه ... روح «7» موشّى بالبديع مرتّع «8»
وله حقوق ضاق وقت وجوبها ... ومن الوجوب مضيّق «9» وموسّع
وفي مثل ذلك في استفتاح رسالة أيضا «1» : [الكامل]
كبّرت بالبشرى «2» أتت وسماعها ... عيدي الذي لشهوده تكبيري
وكذلك الأعياد سنّة يومها ... مختصّة بزيادة التّكبير
وفي أغراض أخر «3» : [الخفيف]
بايعونا مودّة هي عندي ... كالمرآة «4» بيعها بالخداع
فسأقضي بردّها ثم أقضي ... بعدها «5» من مدامعي ألف صاع
وله في معنى آخر «6» : [الطويل]
شرّطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل
فلمّا أردت الأخذ بالشّرط أعرضوا ... وقالوا يصحّ البيع والشّرط باطل
تصانيفه: له تأليف في كائنة ميرقة «7» وتغلّب الرّوم عليها، نحى فيه منحى العماد الأصفهاني، في الفتح القدسي «8» ؛ وكتابه في تعقيبه على فخر الدين بن الخطيب الرّازي في كتاب المعالم في أصول الفقه منه؛ وردّه على كمال الدين أبي محمد بن عبد الكريم السّماكي في كتابه المسمّى بالتّبيان في علم البيان؛ واقتضابه النبيل في ثورة المريدين «9» ، إلى غير ذلك من التعاليق والمقالات، ودوّن الأستاذ أبو عبد الله بن هانىء السّبتي كتابته وما يتخلّلها من الشّعر في سفرين بديعين أتقن ترتيبهما، وسمّى ذلك «بغية المستطرف، وغنية المتطرّف، من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرّف» .
دخوله غرناطة: قال شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: عمير أخبر بذلك من شيوخه، والرجل ممّن يركن إليه في أخباره فيما أحقّوا على سبيل الرواية والإخبار، من شرّق الأندلس إلى غرناطة، إلى غربها إلى غير ذلك، عند رحلته، وهو الأقرب، وقال: قال المخبر: عهدي به طويلا، نحيف الجسم، مصفرّا، أقنى الأنف؛ أصيب
بمالقة ما أحوج ما كان إليه، وقد استقبل الكبرة «1» ، ونازعه سوء الحظّ. قال الشيخ أبو الحسن الرّعيني: إنه كتب إليه يعلمه بهذه الحادثة عليه، وأن المنهوب من ماله يعدل أربعة آلاف دينار عشرية، وكان ورقا وعينا وحليّا وذلك أنه لمّا قتل المعتضد، اغتنم الفطرة، وفصل عن مكناسة، قاصدا سبته، فلقي الرفقة التي كان فيها جمع من بني مرين، سلبوه وكلّ من كان معه.
مولده: بجزيرة شقر «2» ، وقيل ببلنسية، في رمضان اثنتين وثمانين وخمسمائة.
وفاته: توفي بتونس ليلة الجمعة الموفية عشرين ذي الحجة عام ستة وخمسين وستمائة «3» . قال ابن عبد الملك «4» : ووهم ابن الزبير في وفاته، إذ جعلها في حدود الخمسين وستمائة أو بعدها.
أحمد بن عبد الحق بن محمد بن يحيى ابن عبد الحق الجدلي «5»
من أهل مالقة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن عبد الحق.
حاله: من «6» صدور أهل العلم والتفنّن في هذا الصّقع الأندلسي، نسيج وحده في الوقار والحصافة، والتزام مثلى الطريقة، جمّ التّحصيل، سديد النظر، كثير التخصّص، محافظ على الرسم، مقبوض العنان في التّطفيف في إيجاب الحقوق لأهلها، قريب من الاعتدال في معاملة أبناء جنسه، مقتصد مع ثروته، مؤثر للترتيب في كافّة أمره، متوقّد الفكرة مع سكون، ليّن العريكة مع مضاء؛ مجموع خصال حميدة مما يفيد التجريب والحنكة؛ مضطلع بصناعة العربية، حائز قصب السّبق فيها، عارف بالفروع والأحكام، مشارك في فنون من أصول، وطبّ، وأدب، قائم على