قال: وكثيرا «1» ما يطنب على دمشق، ويصف محاسنها، فما انفصل «2» عني إلّا وقد امتلأ خاطري من شكلها، فأتمنّى أن أحلّ مواطنها، إلى أن أبلغ «3» الأمل قبل المنون: [الوافر]
ولو أني «4» نظرت بألف عين ... لما استوفت محاسنها العيون
دخوله غرناطة: دخلها غير ما مرّة لسماع الحديث، وتحقيق النبات؛ ونقر عن عيون النبات بجبالها، أحد خزائن الأدوية، ومظان الفوائد الغريبة، يجري ذلك في تواليفه بما لا يفتقر إلى شاهد.
مولده: في محرم سنة إحدى وستين وخمسمائة.
وفاته: توفي بإشبيلية عند مغيب الشفق من ليلة الاثنين مستهل ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة «5» . وكان ممّا رثي، قال ابن الزّبير: ورثاه جماعة من تلامذته كأبي محمد الحرّار، وأبي أمية إسماعيل بن عفير، وأبي الأصبغ عبد العزيز الكبتوري «6» وأبي بكر محمد بن محمد بن جابر السقطي، وأبي العباس بن سليمان؛ ذكر جميعهم الحرار المذكور في كتاب ألّفه في فضائل الشيخ أبي العباس، رحمه الله.
أحمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمّار بن ياسر صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم «7»
أوّليّته: بيت بني سعيد العنسي، بيت مشهور في الأندلس بقلعة يحصب، نزلها جدّهم الأعلى، عبد الله بن سعيد بن عمّار بن ياسر؛ وكان له حظوة
لمكانه من اليمانيّة بقرطبة؛ وداره بقرب قنطرتها، كانت معروفة؛ وهو بيت القيادة والوزارة، والقضاء، والكتابة، والعمل، وفيما يأتي، وما مرّ كفاية من التنبيه عليه.
حاله: قال الملّاحي: كان من جلّة الطلبة، ونبهائهم؛ وله حظّ بارع من الأدب، وكتابة مفيدة، وشعر مدوّن. قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه المسمّى ب «الطالع» «1» : نشأ محبّا في الأدب، حافظا للشعر، وذاكرا لنظم الشريف الرّضي، ومهيار، وابن خفاجة، وابن الزّقاق، فرقّت طباعه، وكثر اختراعه وإبداعه؛ ونشأت معه حفصة بنت الحاجّ الرّكوني؛ أديبة زمانها، وشاعرة أوانها، فاشتدّ بها غرامه، وطال حبّه وهيامه؛ وكانت بينهما منادمات ومغازلات أربت على ما كان بين علوة وأبي عبادة؛ يمرّ من ذلك إلمام في شعر حفصة، إن شاء الله.
نباهته وحظوته: ولمّا وفدت الأندلس، على صاحب أمر الموحّدين في ذلك الأوان، وهو محتلّ بجبل الفتح «2» ، واحتفل شعراؤها في القصائد، وخطباؤها في الخطب بين يديه، كان في وفد غرناطة، أبو جعفر هذا المترجم به، وهو حدث السنّ في جملة أبيه وإخوته وقومه، فدخل معهم على الخليفة، وأنشده قصيدة؛ قال أبو الحسن بن سعيد، كتبت منها من خط والده قوله «3» : [الطويل]
تكلّم فقد أصغى إلى قولك الدّهر ... وما لسواك اليوم «4» نهي ولا أمر
ورم كلّ ما قد شئته فهو كائن ... وحاول فلا برّ يفوت ولا بحر
وحسبك هذا البحر فألا «5» فإنه ... يقبّل تربا داسه جيشك الغمر «6»
وما صوته «7» إلّا سلام مردّد ... عليك وعن بشر بقربك يفتر «8»
بجيش لكي يلقى أمامك من غدا ... يعاند أمرا لا يقوم له أمر
أطلّ «1» على أرض الجزيرة سعدها ... وجدّد فيها ذلك الخبر الخبر «2»
فما طارق إلّا لذلك مطرق ... ولا ابن نصير لم يكن ذلك النّصر
هما مهّداها كي تحلّ بأفقها ... كما حلّ عند التّمّ بالهالة البدر
قال: فلمّا أتمّها أثنى عليه الخليفة، وقال لعبد الملك أبيه: أيّهما خير عندك في ابنيك؛ فقال يا سيّدنا: محمد دخل إليكم مع أبطال الأندلس وقوّادها، وهذ مع الشعر، فانظروا ما يجب أن يكون خيرا عندي، فقال الخليفة: كلّ ميسّر لما خلق له، وإذا كان الإنسان متقدّما في صناعة فلا يؤسف عليه، إنما يؤسف على متأخّر القدر، محروم الحظ. ثم أنشد فحول الشعراء والأكابر. ثم لمّا ولّي غرناطة ولده السيد أبو سعيد، استوزر أبا جعفر المذكور، واتصلت حظوته إلى أن كان ما يذكر من نكبته.
محنته: قال قريبه وغيره: فسد ما ببنه وبين السيد أبي سعيد لأجل حفصة الشاعرة، إذ كانت محلّ هواه، ثم اتصلت بالسيّد، وكان له بها علاقة، فكان كلّ منهما على مثل الرّضف «3» للآخر، ووجد حسّاده السبيل، إلى إغراء السيّد به، فكان مما نمي به عنه، أن قال لحفصة يوما: وما هذا الغرام الشديد به، يعني السيد، وكان شديد الأدمة «4» ، وأنا أقدر أن أشتري لك من المعرض أسودا خيرا منه بعشرين دينارا؛ فجعل السيد يتوسّد له المهالك، وأبو جعفر يتحفّظ كل التحفّظ. وفي حالته تلك يقول: [الكامل]
من يشتري مني الحياة وطيبها ... ووزارتي وتأدّبي وتهذّبي
بمحلّ راع في ذرى ملمومة ... زويت عن الدنيا بأقصى مرتب
لا حكم يأخذه بها إلّا لمن ... يعفو ويرؤف دائما بالمذنب
فلقد سئمت من الحياة مع امرئ ... متغضّب متغلّب مترتّب
الموت يلحظني إذا لا حظته ... ويقوم في فكري أوان تجنّبي
لا أهتدي مع طول ما حاولته ... لرضاه في الدنيا ولا للمهرب
وأخذ في أمره مع أبيه وإخوته، وفتنة ابن مردنيش «1» مضطربة؛ فقال له أخوه محمد وأبوه: إن حركنا حركة كنا سببا لهلاك هذا البيت، ما بقيت دولة هؤلاء القوم، والصبر عاقبته حميدة، وقد كنّا ننهاك عن الممارجة «2» ، فلم تركب إلّا هواك؛ وأخذ مع أخيه عبد الرحمن، واتفقا على أن يثورا في القلعة باسم ابن مردنيش، وساعدهما قريبهما على ذلك حاتم بن حاتم بن سعيد، وخاطبوا ابن مردنيش، وصدر لهم جوابه بالمبادرة، ووصلت منه خيل ضاربة، وتهيّأ لدخول القلعة؛ وتهيّأ الحصول في القلعة، وخافوا من ظهور الأمر؛ فبادر حاتم وعبد الرحمن إلى القلعة، وتمّ لهما المراد؛ وأخّر الجبن أبا جعفر ففاتاه، وتوقّع الطلب في الطريق إلى القلعة، فصار متخفّيا إلى مالقة، ليركب منها البحر إلى جهة ابن مردنيش؛ ووضع السيّد عليه العيون في كل جهة، فقبض عليه بمالقة، وطولع بأمره فأمر بقتله صبرا، رحمه الله.
جزالته وصبره: قال أبو الحسن بن سعيد: حدّثني الحسين بن دويرة، قال:
كنت بمالقة لمّا قبض على أبي جعفر، وتوصّلت إلى الاجتماع به، ريثما استؤذن السيد في أمره حين حبس، فدمعت عيني لما رأيته مكبولا؛ قال: أعليّ تبكي بعد ما بلغت من الدنيا أطايب لذّاتها؟ فأكلت صدور الدجاج، وشربت في الزّجاج، وركبت كل هملاج «3» ، ونمت في الديباج، وتمتعت بالسّراري والأزواج، واستعملت من الشمع السّراج الوهّاج، وهأنا في يد الحجّاج، منتظرا محنة الحلّاج؛ قادم على غافر، لا يحوج إلى اعتذار ولا احتجاج. فقلت: ألا أبكي على من ينطق بمثل هذا؟ ثم تفقّد، فقمت عنه، فما رأيته إلّا مصلوبا، رحمه الله.
شعره «4» : [الطويل]
أتاني كتاب منك يحسده الدّهر ... أما حبره ليل، أما طرسه فجر؟
به جمع الله الأمانيّ لناظري ... وسمعي وفكري فهو سحر ولا سحر
ولا غرو أن أبدى العجائب ربّه ... وفي ثوبه برّ، وفي كفّه بحر
ولا عجب إن أينع الزّهر طيّه ... فما زال صوب القطر يبدو به الزّهر
ومن شعره ما يجري مجرى المرقص، وقد حضر مع الرّصافي والكتندي ومعهم مغنّ بروطة «1» : [مجزوء الكامل]
لله يوم مسرّة ... أضوى وأقصر من ذباله
لما نصبنا للمنى ... فيه من أوتار حباله
ظل «2» النهار بها كمر ... تاع، وأجفلت الغزاله
وشعره مدوّن كما قلنا، وهذا القدر عنوان على نبله.
غريبة في أمره مع حفصة
قال حاتم بن سعيد: وكان قد أجرى الله على لسانه، إذا حرّكت الكأس بها غرامه، أن يقول: والله لا يقتلني أحد سواك؛ وكان يعني بالحبّ، والقدر موكل بالمنطق، قد فرغ من قتله بغيره من أجلها. قال: ولمّا بلغ حفصة قتله لبست الحداد، وجهرت بالحزن، فتوعّدت بالقتل، فقالت في ذلك: [الخفيف]
هدّدوني من أجل لبس الحداد ... لحبيب أردوه لي بالحداد
رحم الله من يجود بدمع ... أو ينوح على قتيل الأعادي
وسقته بمثل جود يديه ... حيث أضحى من البلاد الغوادي
ولم ينتفع بعد بها، ثم لحقت به بعد قليل.
وفاته: توفي على حسب ما ذكر، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
أحمد بن سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد القرشي، المعروف بابن فركون «3»
يكنى أبا جعفر.
أوّليّته: قد مرّ ذلك في اسم جدّه قاضي الجماعة «4» ، وسيأتي في اسم والده.
حاله: شعلة من شعل الذكاء والإدراك، ومجموع خلال حميدة على الحداثة، طالب نبيل، مدرك، نجيب، بذّ أقرانه كفاية، وسما إلى المراتب، فقرأ، وأعرب، وتمر «1» ، وتدرّب، واستجاز له والده شيوخ بلده فمن دونهم، ونظم الشعر، وقيّد كثيرا، وسبق أهل زمانه في حسن الخط سبقا أفرده بالغاية القصوى؛ فيراعه اليوم المشار إليه بالظّرف والإتقان، والحوا، والإسراح؛ اقتضى ذلك كله ارتقاؤه إلى الكتابة السلطانية. ومزية الشّفوف بها، بالخلع والاستعمال؛ واختصّ بي، وتأدب بما انفرد به من أشياخ تواليفي، فآثرته بفوائد جمّة، وبطن حوضه من تحلّمه، وترشّح إلى الاستيلاء على الغاية.
شعره: أنشد له بين يدي السلطان في الميلاد الكريم: [الكامل]
حيّ المعاهد بالكثيب وجادها ... غيث يروي حيّها وجمادها
مولده: في ربيع الآخر من عام سبعة وأربعين وسبعمائة.
أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان
من أهل مالقة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن صفوان «2» .
حاله: بقيّة الأعلام، أديب من أدباء هذا القطر، وصدر من صدور كتّابه، ومشيخة طلبته، ناظم، ناثر، عارف، ثاقب الذهن، قويّ الإدراك، أصيل النظر، إمام الفرائض والحساب والأدب والتّوثيق، ذاكر للتاريخ واللغة، مشارك في الفلسفة والتصوّف، كلف بالعلوم الإلهية، آية الله في فكّ المعمّى، لا يجاريه في ذلك أحد ممّن تقدّمه، شأنه عجب، يفكّ من المعمّيات والمستنبطات، مفصولا وغير مفصول؛ شديد التعصّب لذي ودّ، وبالعكس، تامّ الرّجولة، قليل التّهيّب، مقتحم حمى أهل الجاه والحمد والمضايقة، إذا دعاه لذلك داع حبل نقده على غاربه، راض بالخمول، متبلّغ بما تيسّر، كثير الدؤوب والنظر، والتقييد والتصنيف، على كلال الجوارح، وعائق الكبرة «3» ، متقارب نمطي الشعر والكتابة، مجيد فيهما، ولنظمه شفوف على نثره.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي، أستاذ الجملة من أهل بلده، ومولى النّعمة عليهم، لازمه وانتفع به؛ ورحل إلى العدوة، فلقي جملة، كالقاضي
المؤرّخ أبي عبد الله بن عبد الملك، والأستاذ التعالمي أبي العباس بن البنّاء «1» ، وقرأ عليهم بمرّاكش.
نباهته: استدعاه السلطان، ثاني الملوك من بني نصر «2» ، إلى الكتابة عنه مع الجلّة، ببابه، وقد نما عشّه، وعلا كعبه، واشتهر ذكاؤه وإدراكه. ثم جنح إلى العودة لبلده. ولمّا ولّي الملك السلطان أبو الوليد، ودعاه إلى نفسه، ببلده مالقة، استكتبه رئيسا مستحقّا، إذ لم يكن ببلده. فأقام به واقتصر على كتب الشروط، معروف القدر، بمكان من القضاة ورعيهم، صدرا في مجالس الشّورى؛ وإلى الآن يجعل إلى زيارة غرناطة، حظّا من فصول بعض السنين، فينصب بها العدالة، ثم يعود إلى بلده في الفصل الذي لا يصلح لذلك. وهو الآن بقيد الحياة، قد علقته أشراك الهرم، وفيه بعد مستمتع، بديع، كبير.
تصانيفه: من تواليفه، «مطلع الأنوار الإلهية» ؛ و «بغية المستفيد» ؛ و «شرح كتاب القرشي في الفرائض» ، لا نظير له. وأما تقاييده على أقوال يعترضها، وموضوعات ينتقدها، فكثيرة.
شعره: قال في غرض التّصوّف: وبلغني أنه نظمها بإشارة من الخطيب، وليّ الله، أبي عبد الله الطّنجالي، كلف بها القوّالون والمسمّعون بين يديه «3» : [الكامل]
بان الحميم فما الحمى والبان ... بشفاء من عنه الأحبّة بانوا
لم ينقضوا عهدا بينهم ولا ... أنساهم ميثاقك الحدثان
لكن جنحت لغيرهم فأزالهم ... عن أنسهم بك موحش غيران
لو صحّ حبّك ما فقدتهم ولا ... سارت بهم عن حبّك الأظعان
تشتاقهم، وحشاك هالة بدرهم ... والسّرّ منك لخلّهم «4» ميدان
ما هكذا أحوال أرباب الهوى ... نسخ الغرام بقلبك السّلوان
لا يشتكي ألم البعاد متيّم ... أحبابه في قلبه سكّان
ما عندهم إلّا الكمال وإنما ... غطّى على مرآتك «5» النّقصان
شغلتك بالأغيار عنهم مقلة ... إنسانها عن لمحهم وسنان
غمّض جفونك عن سواهم معرضا ... إنّ الصّوارم حجبها الأجفان
واصرف إليهم لحظ فكرك شاخصا ... ترهم «1» بقلبك حيث «2» كنت وكانوا
ما بان «3» عن مغناك من ألطافه ... يهمي عليها سحابها الهتّان
وجياد أنعمه ببابك ترتمي ... تسري إليك بركبها الأكوان
جعلوا دليلا فيك «4» منك عليهم ... فبدا على تقصيرك البرهان
يا لا محا سرّ الوجود بعينه ... السّرّ فيك بأسره والشّان
ارجع لذاتك إن أردت تنزّها ... فيها لعيني ذي الحجا بستان
هي روضة مطلولة بل جنّة ... فيها المنى والرّوح والرّيحان
كم حكمة صارت تلوح لناظر ... حارت لباهر صنعها الأذهان
حجبت بشمسك «5» عن عيانك شمسها ... شمس محاسن ذكرها التّبيان «6»
لولاك ما خفيت عليك آياتها «7» ... والجوّ من أنوارها ملآن
أنت الحجاب لما تؤمّل منهم ... ففناؤك الأقصى لهم وجدان
فاخرج إليهم عنك مفتقرا لهم ... إنّ الملوك بالافتقار تدان
واخضع لعزّهم ولذ بهم «8» يلح ... منهم عليك تعطّف «9» وحنان
هم رشّحوك إلى الوصول إليهم ... وهم على طلب الوصال عوان «10»
عطفوا جمالهم على أجمالهم ... فحلى «11» المشوق الحسن والإحسان
يا ملبسين عبيدهم حلل الضّنى ... جسمي بما تكسونه يزدان
لا سخط عندي للذي ترضونه ... قلبي بذاك مفرح «12» جذلان
فبقربكم عين الغنا وببعدكم ... محض الفنا ومحبّكم ولهان «13»