بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 139

وَشُرَكاءَكُمْ
«1» . وكقول امرئ القيس: «غشيت ديار الحيّ بالبكرات، البيتين «2» » . لا يقال قوله: فالحبّ «3» سابع؛ لأنا نقول إنه عطف على «عاقل» المجرّد منها، ولعلّ حكمة السّتة أنها أول الأعداد التامة، كما قيل في حكمة خلق السماوات والأرض فيها، وشأن اللسان عجيب.
وقال «4» : سمعت ابن حكم يقول: كتب «5» بعض أدباء فاس إلى صاحب له:
[المجتث]
ابعث إليّ بشيء ... مدار فاس عليه
وليس عندك شيء ... ممّا أشير إليه
فبعث إليه ببطّة من مرّي «6» شرب، يشير بذلك إلى الرّياء.
وحدّثت أن قاضيها أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الملجوم دعي «7» إلى وليمة، وكان كثير البلغم، فوضع بين يديه صهره أبو العباس بن الأشقر غضارا من اللّوز المطبوخ بالمرّي، لمناسبة لمزاجه، فخاف أن يكون قد عرّض له بالرياء. وكان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس، فقدّم «8» له القاضي غضار المقروض، فاستحسن الحاضرون فطنته.
وقال عند ذكر شيخه أبي محمد عبد الله بن عبد الواحد المجاصي: دخلت عليه بالفقيه أبي عبد الله السّطي في أيام عيد، فقدّم لنا طعاما، فقلت: لو أكلت معنا، فرجونا بذلك ما يرفع من حديث «من أكل مع مغفور له، غفر له» فتبسّم، وقال لي: دخلت على سيدي أبي عبد الله الفاسي بالإسكندرية، فقدّم


صفحه 140

لنا «1» طعاما، فسألته عن هذا الحديث فقال: وقع في نفسي «2» شيء، فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فسألته عنه، فقال «3» : لم أقله، وأرجو أن يكون كذلك. وصافحته بمصافحته الشيخ أبا عبد الله زيان، بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي، بمصافحته أبا العباس أحمد الملثّم، بمصافحته المعمّر، بمصافحته رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدّث عن شيخه أبي محمد الدّلاصي، أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد، فكان يخصّه لدينه وعقله، بالنداء باسمه، وإنما كان ينعق «4» بمماليكه: يا ساقي، يا طبّاخ، يا مزين. فناداه «5» ذات يوم: يا فرّاش، فظنّ أن «6» ذلك لموجدة «7» عليه. فلم ير أثر ذلك، وتصوّرت له به خلوة، فسأله عن مخالفته لعادته «8» ، فقال له: لا عليك، كنت يومئذ جنبا، فكرهت أن أذكر «9» اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على تلك الحالة. وقال: أنشدني المجاصي، قال: أنشدني الإمام «10» نجم الدين الواسطي، قال: أنشدني شرف الدين الدمياطي، قال: أنشدني تاج الدين الآمدي «11» ، مؤلف «الحاصل» ، قال: أنشدني الإمام فخر الدين «12» لنفسه:
[الطويل]
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة «13» من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى «14» ووبال «15»


صفحه 141

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال «1»
وكم من رجال قد رأينا ودولة «2» ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فماتوا والجبال جبال «3»
وقال «4» : وقد مرّ من ذكر الشريف القاضي أبي علي حسين بن يوسف بن يحيى الحسني في عداد شيوخه وقال: حدّثني أبو العباس الرّندي عن القاضي أبي العباس بن الغمّاز «5» ، قال: لمّا قدم القاضي أبو العباس بن الغماز من بلنسية، نزل بجاية؛ فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع «6» ، فجاء عبد الحق يوما، وعليه برنس أبيض، وقد حسنت شارته، وكملت هيئته، فلمّا نظر إليه ابن الغماز أنشده:
[الخفيف]
لبس البرنس الفقيه فباهى ... ورأى أنه المليح فتاها «7»
لو زليخا رأته حين تبدّى ... لتمنّته أن يكون فتاها
وقال أيضا: إن ابن الغمّاز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزّيتونة، فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلّوه «8» . وجاء حفيد له صغير، فأخبره أنه أهلّه، فردّهم معه، فأراهم إياه، فقال: ما أشبه الليلة بالبارحة. وقد «9» وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع بن سالم «10» ، فأنشدنا فيه: [الطويل]
توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... وأرخى حجاب الغيم دون محيّاه
فلمّا تصدّى لارتقاب شقيقه ... تبدّى له دون الأنام فحيّاه


صفحه 142

وجرى في ذكر أبي عبد الله بن النجار «1» ، الشيخ التعالمي من أهل تلمسان، فقال «2» : ذكرت يوما قول ابن الحاجب فيما يحرّم من النساء بالقرابة، وهي «أصول وفصول، أول أصوله، وأول فصل من كل أصل وإن علا» ، فقال: إن تركّب لفظ التّسمية العرفية من الطّرفين حلّت، وإلّا حرمت، فتأمّلته، فوجدته كما قال: لأن أقسام هذا الضابط أربعة: التّركيب من الطرفين، كابن العم وابنة العم مقابله كالأب والبنت، والتركيب «3» من قبل الرجل كابنة الأخ والعمّ مقابله كابن الأخت والخالة.
وذكر الشيخ الرئيس أبا محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي. وقال «4» :
كان ينكر إضافة الحول إلى الله عزّ وجلّ، فلا يجيز أن يقال: «بحول الله وقوّته» ، قال: لأنه لم يرد إطلاقه «5» ، والمعنى يقتضي امتناعه؛ لأنّ الحول كالحيلة، أو قريب منها.
وحكى «6» عن شيخه أبي زيد عبد الرحمن الصّنهاجي «7» ، عن القاضي أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدّكالي، أنه اختصم عنده رجلان في شاة، ادّعى أحدهما أنه أودعها الآخر، وادّعى الآخر أنها ضاعت منه، فأوجب اليمين على المودع «8» أنها ضاعت من غير تضييع، فقال: كيف أضيّع، وقد شغلتني حراستها عن الصلاة، حتى خرج وقتها؟ فحكم عليه بالغرم، فقيل له في ذلك، فقال: تأوّلت قول عمر: و «من ضيّعها فهو لما سواها أضيع» .
وحكى عن الشيخ الفقيه رحلة الوقت أبي عبد الله الآبلي، حكاية في باب الضّرب، وقوة الإدراك، قال «9» : كنت يوما مع القاسم بن محمد الصّنهاجي، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها: [السريع]
خيرات ما تحويه مبذولة ... ومطلبي تصحيف مقلوبها


صفحه 143

فقال لي: ما مطلبه؟ فقلت: «نارنج» . ودخل «1» عليه وأنا عنده بتلمسان الشيخ الطبيب «2» أبو عبد الله الدبّاغ المالقي «3» ، فأخبرنا أن أديبا استجدى وزيرا بهذا الشّطر:
«ثمّ حبيب قلّما ينصف» فأخذته وكتبته، ثم قلبته وصحّفته، فإذا به «4» : قصبتا ملفّ شحمي.
وقال: قال «5» شيخنا الآبلي: لما نزلت تازة مع أبي الحسن بن برّي، وأبي عبد الله التّرجالي، فاحتجت إلى النوم، وكرهت قطعهما إلى «6» الكلام، فاستكشفت منهما عن معنى هذا البيت للمعري: [الطويل]
أقول لعبد الله لمّا سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم
فجعلا يفكّران فيه، فنمت حتى أصبحا، ولم يجداه، وسألوني عنه، فقلت:
معناه «أقول لعبد الله لمّا وهي سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس: شم لنا برقا» .
قلت: وفيه نظر «7» . وإن استقصينا مثل هذا، خرجنا عن الغرض.
مولده: نقلت من خطه: كان «8» مولدي بتلمسان أيام أبي حمّو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيّان. وقد وقفت على تاريخ ذلك، ورأيت «9» الصّفح عنه؛ لأن أبا الحسن بن موسى «10» سأل أبا الطاهر السّلفي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا الفتح بن زيّان بن مسعدة «11» عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت «12» محمد بن علي بن محمد اللبّان عن سنّه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت حمزة بن يوسف السّهمي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن علي النفزي «13» عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل التّرمذي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي «14» عن


صفحه 144

سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة إخبار الرجل عن سنّه «1» .
وفاته: توفي بمدينة فاس في أخريات محرم من عام تسعة وخمسين وسبعمائة، وأراه توفي في ذي حجة من العام قبله. ونقل إلى تربة سلفه بمدينة تلمسان حرسها الله.
محمد بن عياض بن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي
من أهل سبتة، حفيد القاضي الإمام أبي الفضل عياض، يكنى أبا عبد الله.
حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: كان من عدول القضاة، وجلّة سراتهم، وأهل النزاهة فيهم، شديد التحري في الأحكام والاحتياط، صابرا على الضعيف فيهم والملهوف، شديد الوطأة على أهل الجاه وذوي السّطوة، فاضلا، وقورا، حسن السّمت، يعرّفه كلامه أبدا، ويزينه ذلك لكثرة وقاره، محبّا في العلم وأهله، مقرّبا لأصاغر الطلبة، ومكرّما لهم، ومعتنيا بهم، معملا جهده في الدّفع عنهم، لما عسى أن يسوءهم؛ ليحبّب إليهم العلم وأهله، ما رأينا بعده في هذا مثله. سكن مالقة مع أبيه عند انتقال أبيه إليها، إلى أن مات أبوه سنة خمس وخمسين وستمائة.
حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، وجرى ذكر إعرابه لفظ من حديثه عن شيوخه، قال: دخلت على القاضي المذكور، فسأل أحدنا عن أبيه، فقال: ابن فلان.
وذكر معرفة مشتركة بين تجّار فاس، فقال: أيهما الذي ينحت في الخشب، والذي يعمل في السلاح؟ فما فطن لقصده لسذاجته. وحدّثني عن ذكر جزالته أنها كانت تقع له مع السلطان مستقضيه، مع كونه مرهوبا، شديد السّطوة، وقائع تنبىء عن تصميمه، وبعده عن الهوادة؛ منها أن السلطان أمر بإطلاق محبوس كان قد سجنه، فأنفذ بين يدي السلطان الأمر للسّجّان بحبسه، وتوعّده إن أطلقه. ومنها إذاعة ثبوت العيد في أخريات يوم كان قد أمل السلطان البروز إلى العيد في صباحه، فنزل عن القلعة ينادي: عبد الله، يا ميمون، أخبر الناس عن عيدهم اليوم، وأمثال ذلك.
مشيخته: قرأ بسبتة، وأسند بها، فأخذ عن أبي الصبر أيوب بن عبد الله الفهري وغيره، ورحل إلى الجزيرة الخضراء، فأخذ بها كتاب سيبويه وغيره تفقيها على النحويّ الجليل أبي القاسم عبد الرحمن بن القاسم القاضي المتفنن. وأخذ بها أيضا كتاب «إيضاح الفارسي» عن الأستاذ أبي الحجاج بن مغرور، وأخذ بإشبيلية وغيرها


صفحه 145

عن آخرين. وقرأ على القاضي أبي القاسم بن بقيّ بن نافحة، وأجاز له. وكتب له من أهل المشرق جماعة كثيرة، منهم أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبي الفتح الصّيدلاني، وأجاز له بأصبهان، وهو سبط حسن بن مندة، أجاز له في شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وتحمل عن أبي علي الحداد، شيخ السّلفي الحافظ عن محمود الصيرفي ونظائرهما، وجماعة من إصبهان كثيرة كتبوا له بالإجازة. وكتب له من غيرها من البلاد نيّف وثمانون رجلا، منهم أحد وستون رجلا كتبوا له مع الشيخ المحدث أبي العباس المغربي، والقاضي أبي عبد الله الأزدي، وقد نصح على جميعهم في برنامجيهما، واستوفى أبو العباس الغربي نصوص الإسترعات، وفيها اسم القاضي أبو عبد الله بن عياض.
من روى عنه: قال الأستاذ أبو جعفر، رحمه الله: أجاز لي مرتين اثنتين «1» .
وقال: حدّثني أبو عبد الله مشافهة بالإذن، أنبأنا أبو الطاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي كتابة من دمشق، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الرّازي، المعروف بابن الحطّاب، بالحاء المهملة، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الوهاب البغدادي بالفسطاط، أخبرنا موسى بن محمد بن عرفة السمسار ببغداد، قال أبو عمرو بن أحمد بن الفضل النّفزي: أخبرنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا عمر بن شاكر عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان، الصّابر منهم على دينه، كالقابض على الجمر» .
هذا الإسناد قريب يعزّ مثله في القرب لأمثالنا، ممن مولده بعد الستمائة، وإسماعيل بن موسى من شيوخ التّرمذي، قد خرّج عنه الحديث المذكور، لم يقع له في مصنّفه ثلاثي غيره.
مولده: بسبتة سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وفاته: توفي بغرناطة يوم الخميس الثامن والعشرين لجمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة.
محمد بن عياض بن موسى بن عياض بن عمر بن موسى ابن عياض اليحصبي
من أهل سبتة، ولد الإمام أبي الفضل، يكنى أبا عبد الله.


صفحه 146

حاله: كان فقيها جليلا، أديبا، كاملا. دخل الأندلس، وقرأ على ابن بشكوال كتاب الصّلة، وولي قضاء غرناطة. قال ابن الزّبير: وقفت على جزء ألّفه في شيء من أخبار أبيه، وحاله في أخذه وعلمه، وما يرجع إلى هذا، أوقفني عليه حفدته بمالقة.
وفاته: توفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد ابن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان ابن عبد السلام بن جبير الكناني «1»
الواصل إلى الأندلس.
أوّليّته: دخل جدّه عبد السلام بن جبير في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري في محرم ثلاث وعشرين ومائة. وكان نزوله بكورة شدونة. وهو من ولد ضمرة بن كنانة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. بلنسي الأصل، ثم غرناطي الاستيطان. شرّق، وغرّب، وعاد إلى غرناطة.
حاله: كان «2» أديبا بارعا، شاعرا مجيدا، سنيّا فاضلا، نزيه المهمة، سريّ النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة في الخط. كتب بسبتة «3» عن أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، وبغرناطة عن غيره من ذوي قرابته، وله فيهم أمداح كثيرة.
ثم نزع عن ذلك، وتوجّه إلى المشرق. وجرت بينه وبين طائفة من أدباء عصره، مخاطبات ظهرت فيها براعته وإجادته. ونظمه فائق، ونثره بديع. وكلامه المرسل، سهل حسن، وأغراضه جليلة، ومحاسنه ضخمة، وذكره شهير، ورحلته نسيجة وحدها، طارت كل مطار، رحمه الله.
رحلته: قال من عني بخبره «4» : رحل ثلاثا من الأندلس إلى المشرق، وحجّ في كل واحدة منها. فصل عن غرناطة أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال، ثمان وسبعين وخمسمائة، صحبة أبي جعفر بن حسان، ثم عاد إلى وطنه