بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 185

حاله: كان فتى حسن السّمت، ظاهر السكون، بادي التّصوّن والعفّة، دمث الأخلاق، قليل الكلام، كثير الحياء، مليح الخط، ظريفه، بادي النّجابة. أبوه وجدّه من تجار سوق العطر، نبهاء السوق. نظم الشعر، فجاء منه بعجب، استرسالا وسهولة، واقتدارا، ونفوذا في المطوّلات، فأنفت له من الإغفال، وجذبته إلى الدار السلطانية، واشتدّت براعته، فكاد يستولي على الأمر لولا أن المنية اخترمته شابا، فثكل منه الشعر، قريع إجادة، وبارع ثنيّة شهرة، لو انفسح له الأمد.
مولده: في ذي الحجة عام أحد وثلاثين وسبعمائة.
وفاته: توفي مبطونا على أيام قريبة من إسراعه بغرناطة، عن سنّ قريبة من العشرين، في عام خمسة وخمسين وسبعمائة. وأبوه أمين العطارين.
محمد بن علي بن العابد الأنصاري
يكنى أبا عبد الله، أصله من مدينة فاس.
حاله: من خطّ القاضي أبي جعفر بن مسعدة، علم كتّاب دار الإمارة النّصرية الغالبيّة، الذي بنوره يستصبحون، وسراجهم الذي بإشراقه وبهجته ونهج محدته يهتدون. رفع لواء الحمد، وارتدى بالفهم والعلم والحلم. كان، رحمه الله، إماما في الكتابة، والأدب، واللغة، والإعراب، والتاريخ والفرائض والحساب، والبرهان عليه، عارفا بالسّجلات والتّوثيق، أربى على الموثّقين من الفحول المبرّزين في حفظ الشعر ونظمه، ونسبته إلى قائله حافظا مبرّزا. درس الحديث، وحفظ الأحكام لعبد الحق الإشبيلي، ونسخ الدواوين الكبار، وضبط كتب اللغة، وقيّد على كتب الحديث، واختصر التّفسير للزمخشري، وأزال عنه الاعتزال، لم يفتر قطّ من قراءة أو درس أو نسخ أو مطالعة، ليله ونهاره. لم يكن في وقته مثله.
مشيخته: أخذ بفاس عن أبي العباس أحمد بن قاسم بن البقّال الأصولي، وأبي عبد الله بن البيوت المقرّي، وعن الزاهد أبي الحسن بن أبي الموالي، وغيرهم.
شعره: ومنه قوله: [الكامل]
طرقت تتيه على الصّباح الأبلج ... حسناء تختال اختيال تبرّج
في ليلة قد ألبست بظلامها ... فضفاض برد بالنجوم مدبّج
وشعره مدوّن كثير.
وفاته: توفي بحضرة غرناطة عام اثنين وستين وسبعمائة في ذي القعدة منه.


صفحه 186

محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأزدي الإلبيري الغرناطي «1»
من أهل قرية سكون، يكنى أبا القاسم، ويعرف بالأندلسي، وكأنها تفرقة بينه وبين الحكمي أبي نواس.
أوّليّته: قال غير واحد من المؤرخين «2» : هو من ذرية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، وقيل: من ولد أخيه روح بن حاتم.
حاله: كان من فحول الشعراء، وأمثال النظم، وبرهان البلاغة، لا يدرك شأوه، ولا يشقّ غباره، مع المشاركة في العلوم، والنفوذ في فكّ المعمّى. خرج من الأندلس ابن سبع وعشرين سنة، فلقي جوهرا المعروف بالكاتب مولى المعزّ بن المنصور العبيدي، صاحب المغرب، وامتدحه، وكان لئيما، فأعطاه مائتي درهم، فوجد لذلك، وقال: أههنا كريم يقصد؟ فقيل: بلى، جعفر بن يحيى بن علي بن فلاح بن أبي مروان، وأبو علي بن حمدون، فامتدحهما، ثم اختصّ بجعفر بن يحيى وأبي علي، فبالغا في إكرامه، وأفاضا عليه من النعم والإحسان ما لم يمرّ بباله، وسارت أشعاره فيهما، حتى أنشدت للمعزّ العبيدي، فوجهه جعفر بن علي إليه في جملة طرف وتحف بعث بها إليه، كان أبو القاسم أفضلها عنده، فامتدح المعز لدين الله، وبلغ المعزّ من إكرامه الغاية. ثم عاد إلى إفريقية، ثم توجه إلى مصر، فتوفي ببرقة.
وجرى ذكره في «تخليص الذهب» من تأليفنا بما نصّه: «العقاب الكاسرة، والصّمصامة الباترة، والشّوارد التي تهادتها الآفاق، والغايات التي أعجز عنها السّباق» .
وصمته: وذكره ابن شرف في مقاماته، قال: وأما ابن هاني محمد، فهو نجدي الكلام، سردي النظام، إلّا أنه إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق،


صفحه 187

لا يؤثر في النّفيق. وله غزل معرّي، لا عذري، لا يقنع بالطّيف، ولا يصفع بغير السيف، وقد قدّه به الذات، وعظم شأنه فاحتمل الثواب، وكان يقف دولته في أعلى منزلته، ناهيك من رجل يستعين على صلاح دنياه، بفساد أخراه، لرداءة دينه، وضعف يقينه. ولو عقل ما ضاقت عليه معاني الشّعر، حتى يستعين عليه بالكفر.
شعره: كان أول ما مدح به جعفر بن علي قوله «1» : [الكامل]
أحبب بتيّاك القباب قبابا ... لا بالحداة ولا الرّكاب ركابا «2»
فيها قلوب العاشقين تخالها ... عنما بأيدي البيض والعنّابا «3»
وقال يمدح جعفر بن علي من القصيدة الشهيرة «4» : [الطويل]
أليلتنا إذا أرسلت واردا وحفا «5» ... وبانت «6» لنا الجوزاء في أذنها شنفا «7»
وبات لنا ساق يقوم «8» على الدّجى ... بشمعة صبح «9» لا تقطّ «10» ولا تطفا
أغنّ غضيض خفّف «11» اللّين قدّه ... وأثقلت «12» الصّهباء أجفانه الوطفا «13»
ولم يبق إرعاش المدام له يدا ... ولم يبق إعنات «14» التّثنّي له عطفا
نزيف قضاه السّكر إلّا ارتجاجة ... إذا كلّ عنها «15» الخصر حمّلها الرّدفا


صفحه 188

يقولون حقف فوقه «1» خيزرانة ... أما يعرفون الخيزرانة والحقفا؟
جعلنا حشايانا «2» ثياب مدامنا ... وقدّت لنا الظّلماء من جلدها لحفا
فمن كبد تدني إلى كبد هوى ... ومن شفة توحي إلى شفة رشفا
بعيشك نبّه كأسه وجفونه ... فقد نبّه الإبريق من بعد ما أغفا
وقد فكّت الظلماء بعض قيودنا ... وقد قام جيش الليل للصبح فاصطفّا «3»
وولّت نجوم للثّريّا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
ومرّ على آثارها دبرانها ... كصاحب ردء «4» كمّنت خيله خلفا
وأقبلت الشّعرى العبور ملمّة «5» ... بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا «6»
وقد قبّلتها «7» أختها من ورائها ... لتخرق من ثنيي مجرّتها سجفا»
تخاف زئير الليث قدّم «9» نثرة ... وبربر في الظّلماء ينسفها نسفا «10»
كأنّ معلّى قطبها «11» فارس له ... لواءان مركوزان قد كره الزّحفا
كأن السّماكين اللذين تظاهرا ... على لبّتيه «12» ضامنان له الحتفا «13»
فذا رامح يهوي إليه سنانه ... وذا أعزل قد عضّ أنمله لهفا
كأنّ قدامى النّسر والنّسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافي له ضعفا «14»
كأن أخاه حين دوّم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النّصفا
كأن رقيب الليل «15» أجدل مرقب ... يقلّب تحت الليل في ريشه طرفا


صفحه 189

كأنّ بني نعش ونعش «1» مطافل ... بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا «2»
كأنّ سهاها «3» عاشق بين عوّد ... فآونة يبدو وآونة يخفى
كأنّ سهيلا «4» في مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأنّ الهزيع الآبنوسيّ موهنا «5» ... سرى بالنسيج الخسروانيّ ملتفّا «6»
كأن ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا
كأن نجوم الصّبح خاقان معشر «7» ... من التّرك نادى بالنّجاشيّ فاستخفى «8»
كأن لواء الشمس غرّة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا «9»
وقد جاشت الظلماء «10» بيضا صوارما ... ومركوزة «11» سمرا وفضفاضة زعفا «12»
وجاءت عتاق الخيل تردي كأنها ... تخطّ لنا أقلام آذانها صحفا
هنالك تلقى جعفرا خير «13» جعفر ... وقد بدّلت يمناه من لينها «14» عنفا
وكائن «15» تراه في الكريهة جاعلا «16» ... عزيمته برقا وصولته خطفا
وشعره كثير مدوّن، ومقامه شهير. وفيما أوردناه كفاية. وهو من إلبيرة الأصيلة.
وفاته: قالوا: لمّا توجّه إلى مصر، شرب ببرقة وسكر ونام عريانا، وكان البرد شديدا فأفلج، وتوفي في سنة إحدى وستين وثلاثمائة «17» ، وهو ابن


صفحه 190

اثنتين «1» وأربعين سنة. ولما بلغت المعزّ وفاته، تأسّف عليه وقال: هذا رجل كنا نطمع أن نفاخر به أهل المشرق.
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم ابن علي الغسّاني البرجي الغرناطي «2»
يكنى أبا القاسم، من أهل غرناطة.
حاله: فاضل «3» مجمع على فضله، صالح الأبوّة، طاهر النشأة، بادي الصّيانة والعفّة، طرف في الخير والحشمة، صدر في الأدب، جمّ المشاركة، ثاقب الذهن «4» ، جميل العشرة، ممتع المجالسة، حسن الخطّ «5» والشعر والكتابة، فذّ في الانطباع، صنيع «6» اليدين، يحكم على «7» الكثير من الآلات العلمية، ويجيد تفسير الكتاب «8» .
رحل إلى العدوة «9» ، وتوسّل إلى ملكها، مجدّد الرسم، ومقام «10» الجلّة، وعلم دست الشعر والكتابة، أمير المسلمين أبي عنان فارس «11» ، فاشتمل عليه، ونوّه به، وملأ بالخير يده، فاقتنى جدة وحظوة وشهرة وذكرا «12» ، وانقبض مع استرسال الملك «13» ، وآثر الراحة، وجهد في التماس الرّحلة الحجازية، ونبذ الكلّ، وسلا الخطّة، فأسعفه سلطانه بغرضه، وجعل حبله «14» على غاربه، وأصحبه رسالة إلى النبيّ الكريم من إنشائه، متصلة بقصيدة من نظمه، وكلاهما تعلن «15» في الخلفاء بعد شأوه، ورسوخ قدم علمه، وعراقة البلاغة، في نسب خصله، حسبما تضمّنه الكتاب


صفحه 191

المسمى ب «مساجلة البيان» . ولما هلك وولّي ابنه، قدّمه قاضيا بمدينة ملكه، وضاعف التّنويه به، فأجرى الخطّة، على سبيل من السّداد والنزاهة. ثم لمّا ولّي السلطان أبو سالم عمّه، أجراه على الرسم المذكور، وهو الآن بحاله الموصوفة، مفخر من مفاخر ذلك الباب السلطاني على تعدّد مفاخره، يحظى بكل اعتبار.
شعره: ثبتّ «1» في كتاب «نفاضة الجراب» من تأليفنا، عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب، ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر من أنشد ليلتئذ من الشّعراء ما نصّه:
وتلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضي، جملة «2» السّذاجة، وكرم الخلق، وطيب النفس، وخدن العافية، وابن الصّلاح والعبادة، ونشأة القرآن، المتحيّز إلى حزب السلامة، المنقبض عن الغمار، العزوف عن فضول القول والعمل، جامع المحاسن، من عقل رصين، وطلب ممتع، وأدب نقّادة «3» ، ويد صناع، أبو القاسم بن أبي زكريا البرجي، فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة «4» : [البسيط]
أصغى إلى الوجد لمّا جدّ عاتبه ... صبّ له شغل عمّن يعاتبه
لم يعط للصبر من بعد الفراق يدا ... فضلّ من ظلّ إرشادا يخاطبه
لولا النّوى لم يبت حرّان «5» مكتئبا ... يغالب الوجد كتما وهو غالبه
يستودع «6» الليل أسرار الغرام وما ... تمليه أشجانه فالدّمع كاتبه
لله عصر بشرقيّ الحمى سمحت ... بالوصل أوقاته لو عاد ذاهبه
يا جيرة أودعوا إذ ودّعوا حرقا ... يصلى بها من صميم القلب ذائبه «7»
يا هل ترى تجمع «8» الأيّام فرقتنا ... كعهدنا أو يردّ القلب ساكبه؟
ويا أهيل ودادي، والنّوى قذف ... والقرب قد أبهمت دوني مذاهبه
هل ناقض العهد بعد البعد حافظه ... وصادع الشّمل يوم الشّعب شاعبه؟


صفحه 192

ويا ربوع الحمى لا زلت ناعمة ... يبكي عهودك مضنى الجسم شاحبه
يا من لقلب مع الأهواء منعطف ... في كل أوب له شوق يجاذبه
يسمو إلى طلب الباقي بهمّته ... والنفس بالميل للفاني تطالبه
وفتنة المرء بالمألوف معضلة ... والأنس بالإلف نحو الإلف جاذبه
أبكي لعهد الصّبا والشّيب يضحك بي «1» ... يا للرّجال سبت جدّي ملاعبه
ولن ترى كالهوى أشجاه سالفه ... ولا كوعد المنى أحلاه كاذبه
وهمّة المرء تغليه وترخصه ... من عزّ نفسا لقد عزّت مطالبه
ما هان كسب المعالي أو تناولها ... بل هان في ذاك ما يلقاه طالبه
لولا سرى الفلك السّامي لما ظهرت ... آثاره ولما لاحت كواكبه
في ذمّة الله ركب للعلا ركبوا ... ظهر السّرى فأجابتهم نجائبه
يرمون عرض الفلا بالسّير عن عرض «2» ... طيّ السّجلّ إذا ما جدّ كاتبه
كأنهم في فؤاد «3» الليل سرّ هوى ... لولا الضّرام لما خفّت جوانبه
شدّوا على لهب الرّمضاء وطأتهم ... فغاص في لجّة الظّلماء راسبه
وكلّفوا الليل من طول السّرى شططا ... فخلّفوه وقد شابت ذوائبه
حتى إذا أبصروا الأعلام ماثلة «4» ... بجانب الحرم المحميّ جانبه
بحيث يأمن من مولاه خائفه ... من ذنبه وينال القصد راغبه
فيها وفي طيبة الغرّاء لي أمل ... يصاحب القلب منه ما يصاحبه
لم «5» أنس لا أنس أياما بظلّهما ... سقى ثراه عميم الغيث ساكبه
شوقي إليها وإن شطّ المزار بها ... شوق المقيم وقد سارت حبائبه
إن ردّها الدهر يوما بعد ما عبثت ... في الشّمل منّا يداه لا نعاتبه «6»
معاهد شرفت بالمصطفى فلها ... من فضله «7» شرف تعلو مراتبه
محمد المجتبى الهادي الشّفيع إلى ... ربّ العباد أمين الوحي عاقبه
أوفى الورى ذمما، أسماهم همما ... أعلاهم كرما، جلّت مناقبه
هو المكمّل في خلق وفي خلق ... زكت حلاه «8» كما طابت مناسبه