بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 194

وخلّد الله ملك المستعين به ... مؤيّد الأمر منصورا كتائبه
إمام عدل بتقوى الله مشتمل ... في الأمر والنهي يرضيه يراقبه
مسدّد الحكم ميمون نقيبته ... مظفّر العزم صدق الرأي صائبه
مشمّر للتّقى أذيال مجتهد ... جرّار أذيال سحب الجود ساحبه
قد أوسعت أمل الرّاجي مكارمه ... وأحسبت «1» رغبة العافي رغائبه
وفاز بالأمن محبورا مسالمه «2» ... وباء بالخزي مقهورا محاربه
كم وافد آمل معهود نائله ... أثنى وأثنت بما أولى حقائبه
ومستجير بعزّ من مثابته ... عزّت مراميه وانقادت مآربه
وجاءه الدهر يسترضيه معتذرا ... مستغفرا من وقوع الذنب تائبه
لولا الخليفة إبراهيم لانبهمت ... طرق المعالي ونال الملك غاصبه
سمت لنيل تراث المجد همّته ... والملك ميراث مجد وهو عاصبه «3»
ينميه للعزّ والعليا أبو حسن ... سمح الخلائق محمود ضرائبه
من آل يعقوب حسب الملك مفتخرا ... بباب عزّهم السامي تعاقبه
أطواد حلم رسا بالأرض محتده ... وزاحمت «4» منكب الجوزا مناكبه
تحفّها من مرين أبحر زخرت ... أمواجها وغمام ثار صائبه
بكلّ نجم لدى الهيجاء ملتهب ... ينقضّ وسط سماء النّقع ثاقبه
أكفّهم في دياجيها مطالعه ... وفي نحور أعاديهم مغاربه
يا خير من خلصت لله نيّته ... في الملك أو خطب العلياء خاطبه
جرّدت والفتنة الشّعواء ملبسة ... سيفا من العزم لا تنبو مضاربه
وخضتها غير هيّاب ولا وكل ... وقلّما أدرك المطلوب هائبه
صبرت نفسا لعقبى الصبر حامدة ... والصبر مذ «5» كان محمود عواقبه
فليهن دين الهدى إذ كنت ناصره ... أمن يواليه أو خوف يجانبه
لا زال ملكك والتأييد يخدمه ... تقضي بخفض مناويه قواضبه «6»


صفحه 195

ودمت في نعم تضفو «1» ملابسها ... في ظلّ عزّ علا تصفو مشاربه
ثم الصلاة على خير البريّة ما ... سارت إليه بمشتاق ركائبه
ومن شعره ما قيّده لي بخطه صاحب قلم الإنشاء بالحضرة «2» المرينية، الفقيه الرئيس الصدر المتفنن أبو زيد بن خلدون «3» : [الطويل]
صحا القلب عمّا تعلمين فأقلعا ... وعطّل من تلك المعاهد أربعا «4»
وأصبح لا يلوي على حدّ منزل ... ولا يتبع الطّرف الخليّ المودّعا
وأضحى من السّلوان في حرز معقل ... بعيد على الأيام أن يتضعضعا
يرد الجفان النّجل عن شرفاته ... وإن لحظت عن كل أجيد أتلعا
عزيز على داعي الغرام انقياده ... وكان إذا ناداه للوجد أهطعا «5»
أهاب به للشّيب أنصح واعظ ... أصاخ له قلبا منيبا ومسمعا
وسافر في أفق التفكّر والحجا ... زواهره لا تبرح الدّهر طلّعا
لعمري لقد أنضيت عزمي تطلّبا ... وقضّيت عمري رقية «6» وتطلّعا
وخضت عباب البحر أخضر مزبدا ... ودست أديم الأرض أغبر أسفعا «7»
ومن شعره حسبما قيّده المذكور «8» : [المتقارب]
نهاه النّهى بعد طول التجارب ... ولاح له منهج الرّشد لاحب «9»
وخاطبه دهره ناصحا ... بألسنة الوعظ من كلّ جانب
فأضحى إلى نصحه واعيا ... وألغى حديث الأماني الكواذب
وأصبح لا تستبيه «10» الغواني ... ولا تزدريه حظوظ المناصب


صفحه 196

وإحسانه «1» كثير في النظم والنثر، والقصار والمطولات. واستعمل في السّفارة إلى ملك مصر وملك قشتالة، وهو الآن قاضي «2» مدينة فاس، نسيج وحده في السلامة والتّخصيص «3» ، واجتناب فضول القول والعمل، كان الله له.
محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف ابن محمد الصّريحي «4»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن زمرك. أصله من شرق الأندلس، وسكن سلفه ربض البيّازين من غرناطة، وبه ولد ونشأ، وهو من مفاخره.
حاله: هذا «5» الفاضل صدر من صدور طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، مختص «6» ، مقبول، هشّ، خلوب، عذب الفكاهة، حلو المجالسة، حسن التوقيع، خفيف الروح، عظيم الانطباع، شره المذاكرة، فطن بالمعاريض «7» ، حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكه، غزل مع حياء وحشمة، جواد بما في يده، مشارك لإخوانه. نشأ عفّا، طاهرا، كلفا بالقراءة، عظيم الدّؤوب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النّبل، بعيد مدى الإدراك، جيّد الفهم، فاشتهر فضله، وذاع أرجه، وفشا خبره، واضطلع بكثير من الأغراض، وشارك في جملة «8» من الفنون، وأصبح متلقّف كرة البحث، وصارخ الحلقة، وسابق الحلبة، ومظنّة الكمال. ثم ترقّى في درج المعرفة والاضطلاع، وخاض لجّة الحفظ، وركض قلم التّقييد والتّسويد والتعليق، ونصب نفسه للناس، متكلّما فوق الكرسي المنصوب، وبين «9» الحفل المجموع، مستظهرا بالفنون «10» التي بعد فيها شأوه، من العربية والبيان واللغة، وما يقذف به في لج النقل، من الأخبار والتفسير. متشوّفا مع ذلك إلى السّلوك، مصاحبا للصّوفية، آخذا نفسه بارتياض ومجاهدة، ثم عانى الأدب، فكان


صفحه 197

أملك به، وأعمل الرّحلة في طلب العلم والازدياد، وترقّى «1» إلى الكتابة عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب أبي سالم إبراهيم ابن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب، ثم عن السلطان، وعرف في باب «2» الإجادة. ولمّا جرت الحادثة على السلطان صاحب الأمر بالأندلس، واستقرّ بالمغرب، أنس به، وانقطع إليه، وكرّ صحبة «3» ركابه إلى استرجاع حقّه، فلطف منه محلّه، وخصّه بكتابة سرّه.
وثابت الحال، ودالت الدولة، وكانت له الطائلة، فأقرّه على رسمه معروف الانقطاع والصّاغية، كثير الدالّة، مضطلعا بالخطّة خطّا وإنشاء ولسنا ونقدا، فحسن منابه، واشتهر فضله، وظهرت مشاركته، وحسنت وساطته، ووسع الناس تخلّقه، وأرضى للسلطان حمله، وامتدّ في ميدان النثر «4» والنظم باعه، فصدر عنه من المنظوم في أمداحه قصائد بعيدة الشّأو في مدى الإجادة، [حسبما يشهد بذلك، ما تضمّنه اسم السلطان، أيّده الله، في أول حرف الميم، في الأغراض المتعددة من القصائد والميلاديّات، وغيرها «5» ] . وهو بحاله الموصوفة إلى الآن «6» ، أعانه الله تعالى «7» وسدّده.
شيوخه: قرأ «8» العربية على الأستاذ رحلة الوقت «9» في فنّها أبي عبد الله بن الفخّار ثم على إمامها «10» القاضي الشريف، إمام الفنون اللّسانية، أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني، والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد بن لب، واختصّ بالفقيه الخطيب الصّدر المحدّث أبي عبد الله بن مرزوق فأخذ عنه كثيرا من الرّواية، ولقي القاضي الحافظ أبا عبد الله المقري عندما قدم «11» رسولا إلى الأندلس، وذاكره، وقرأ الأصول الفقهية على أبي علي منصور الزّواوي، وروى «12» عن جملة، منهم القاضي أبو البركات ابن الحاج، والمحدّث أبو الحسن «13» ابن التلمساني، والخطيب أبو عبد الله ابن اللوشي، والمقرئ أبو عبد الله ابن بيبش. وقرأ بعض الفنون العقلية بمدينة فاس على الشّريف الرحلة الشهير أبي عبد الله العلوي التّلمساني، واختصّ به اختصاصا لم يخل فيه من إفادة «14» مران وحنكة في الصّناعة «15» .


صفحه 198

شعره: وشعره «1» مترام إلى نمط «2» الإجادة، خفاجيّ «3» النّزعة، كلف بالمعاني البديعة، والألفاظ الصّقيلة، غزير المادة. فمنه في غرض النّسيب «4» :
رضيت بما تقضي عليّ وتحكم ... أهان فأقصى أم أصافي فأكرم
إذا كان قلبي في يديك قياده ... فمالي عليك في الهوى أتحكّم
على أن روحي في يديك بقاؤه ... بوصلك يحيى أو بهجرك يعدم
وأنت إلى المشتاق نار وجنّة ... ببعدك يشقى أو بقربك ينعم
ولي كبد تندى إذا ما ذكرتم ... وقلب بنيران الشوق يتضرّم
ولو كان ما بي منك بالبرق ما سرى ... ولا استصحب الأنواء تبكي وتبسم
أراعي نجوم الأفق في اللّيل ما دجى ... وأقرب من عينيّ للنوم أنجم
وما زلت أخفي الحبّ عن كل عادل ... وتشفي دموع الصّب ما هو يكتم
كساني الهوى ثوب السّقام وإنه ... متى صحّ حبّ المرء لا شيء يسقم
فيا من له العقل الجميل سجيّة ... ومن جود يمناه الحيا يتعلّم
وعنه يروّي الناس كلّ غريبة ... تخطّ على صفح الزمان وترسم
إذا أنت لم ترحم خضوعي في الهوى ... فمن ذا الذي يحني عليّ ويرحم
وحلمك حلم لا يليق بمذنب ... فما بال ذنبي عند حلمك يعظم؟
وو الله ما في الحيّ حيّ ولم ينل ... رضاك وعمّته أياد وأنعم
ومن قبل ما طوّقتني كل نعمة ... كأنّي وإياها سوار ومعصم
وفتّحت لي باب القبول مع الرضى ... يغضّ الحيّ طرفي كأني مجرم
ولو كان لي نفس تخونك في الهوى ... لفارقتها طوعا وما كنت أندم
وأترك أهلي في رضاك إلى الأسى ... وأسلم نفسي في يديك وأسلم
أما والذي أشقى فؤادي في الهوى ... وإن كان في تلك الشّقاوة ينعم
لأنت من قلبي ونزهة خاطري ... ومورد آمالي وإن كنت أحرم


صفحه 199

ومن ذلك ما خاطبني به، وهي «1» من أول نظمه، قصيدة مطلعها: [الطويل]
«أما وانصداع النّور في «2» مطلع الفجر»
وهي طويلة «3» . ومن بدائعه التي عقم عن مثلها قياس قيس، واشتهرت بالإحسان اشتهار الزّهد بأويس «4» ، ولم يحل مجاريه ومباريه إلّا بويح وويس، قوله في إعذار الأمير ولد سلطانه، المنوّه بمكانه، وهي من الكلام الذي عنيت الإجادة بتذهيبه وتهذيبه، وناسب الحسن بين مديحه ونسيبه «5» : [الطويل]
معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا ... وأن يشغل اللوّام بالعذل باليا
دعاني أعط الحبّ فضل مقادتي ... ويقضي عليّ الوجد ما كان قاضيا
ودون الذي رام العواذل صبوة ... رمت بي في شعب الغرام المراميا
وقلب إذا ما البرق أومض موهنا «6» ... قدحت به زندا من الشوق واريا
خليليّ إني يوم طارقة النّوى ... شقيت بمن لو شاء أنعم باليا
وبالخيف يوم النّفر يا أمّ مالك ... تخلّفت «7» قلبي في حبالك عانيا «8»
وذي أشر عذب الثّنايا مخصّر ... يسقّي به ماء النعيم الأقاحيا
أحوم عليه ما دجا الليل ساهرا ... وأصبح دون الورد ظمآن صاديا «9»
يضيء ظلام الليل ما بين أضلعي ... إذا البارق النّجديّ وهنا بدا ليا
أجيرتنا بالرّمل والرّمل منزل ... مضى العيش فيه بالشّبية حاليا
ولم أر ربعا منه أقضى لبانة ... وأشجى حمامات وأحلى مجانيا
سقت طلّه «10» الغرّ الغوادي ونظّمت ... من القطر في جيد الغصون لآليا


صفحه 200

أبثّكم أني على النّأي حافظ ... ذمام الهوى لو تحفظون ذماميا
أناشدكم والحرّ أوفى بعهده ... ولن يعدم الأحسان والخير «1» جازيا
وورد «2» على السلطان أبي سالم ملك المغرب، رحمة الله تعالى عليه، وفد الأحابيش بهديّة من ملك السودان، ومن جملتها الحيوان الغريب المسمّى بالزّرافة «3» ، فأمر من يعاني الشعر من الكتّاب بالنظم في ذلك الغرض، فقال وهي من بدائعه:
[الكامل]
لولا تألّق بارق التّذكار ... ما صاب واكف دمعي المدرار
لكنه مهما تعرّض خافقا ... قدحت يد الأشواق زند أواري «4»
وعلى «5» المشوق إذا تذكّر معهدا ... أن يغري الأجفان باستعبار
أمذكّري غرناطة حلّت بها ... أيدي السّحاب أزرّة النّوّار؟
كيف التخلّص للحديث وبيننا «6» ... عرض الفلاة وطافح زخّار «7» ؟
وغريبة قطعت إليك على الونى ... بيدا تبيد بها هموم السّاري
تنسيه طيّته «8» التي قد أمّها ... والرّكب فيها ميّت الأخبار
يقتادها من كلّ مشتمل الدّجى ... وكأنما عيناه جذوة نار
خاضوا بها لجج الفلا فتخلّصت ... منها خلوص البدر بعد سرار
سلمت بسعدك من غوائل مثلها ... وكفى بسعدك حاميا لذمار
وأتتك يا ملك الزمان غريبة ... قيد النّواظر نزهة الأبصار
موشيّة الأعطاف رائقة «9» الحلى ... رقمت بدائعها يد الأقدار
راق العيون أديمها فكأنه ... روض تفتّح عن شقيق بهار
ما بين مبيضّ وأصفر فاقع ... سال اللّجين به خلال نضار
يحكي حدائق نرجس في شاهق ... تنساب فيه أراقم الأنهار


صفحه 201

وأنشد «1» السلطان في ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب ما فرغ من البنية الشهيرة ببابه، رحمه الله تعالى: [الطويل]
تأمّل أطلال الهوى فتألّما ... وسيما الجوى والسّقم منها تعلّما
أخو زفرة هاجت له منه «2» ذكرة ... فأنجد في شعب الغرام وأتهما
وأنشد «3» السلطان في وجهة للصّيد أعملها، وأطلق أعنّة الجياد في ميادين ذلك الطّراد وأرسلها قوله: [الكامل]
حيّاك يا دار الهوى من دار ... نوء السّماك بديمة مدرار
وأعاد وجه رباك طلقا مشرقا ... متضاحكا بمباسم النّوّار
أمذكّري دار الصّبابة والهوى ... حيث الشّباب يرفّ «4» غصن نضار
عاطيتني عنها الحديث كأنما ... عاطيتني عنها كؤوس عقار
إيه وإن أذكيت نار صبابتي ... وقدحت زند الشّوق بالتّذكار
يا زاجر الأظعان وهي مشوقة ... أشبهتها في زفرة وأوار
حنّت إلى نجد وليست دارها ... وصبت إلى هنديّة والقار «5»
شاقت به برق الحمى واعتادها ... طيف الكرى بمزارها المزوار «6»
ومن شعره في غير المطولات «7» : [الطويل]
لقد زادني وجدا وأغرى بي الجوى ... ذبال «8» بأذيال الظّلام قد التفّا
تشير وراء الليل منه بنانة ... مخضّبة والليل قد حجب الكفّا
تلوح سنانا حين لا تنفح الصّبا ... وتبدو «9» سوارا حين تثني له العطفا
قطعت به ليلا يطارحني الجوى ... فآونة يبدو وآونة يخفى