وأنشد «1» السلطان في ليلة ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب ما فرغ من البنية الشهيرة ببابه، رحمه الله تعالى: [الطويل]
تأمّل أطلال الهوى فتألّما ... وسيما الجوى والسّقم منها تعلّما
أخو زفرة هاجت له منه «2» ذكرة ... فأنجد في شعب الغرام وأتهما
وأنشد «3» السلطان في وجهة للصّيد أعملها، وأطلق أعنّة الجياد في ميادين ذلك الطّراد وأرسلها قوله: [الكامل]
حيّاك يا دار الهوى من دار ... نوء السّماك بديمة مدرار
وأعاد وجه رباك طلقا مشرقا ... متضاحكا بمباسم النّوّار
أمذكّري دار الصّبابة والهوى ... حيث الشّباب يرفّ «4» غصن نضار
عاطيتني عنها الحديث كأنما ... عاطيتني عنها كؤوس عقار
إيه وإن أذكيت نار صبابتي ... وقدحت زند الشّوق بالتّذكار
يا زاجر الأظعان وهي مشوقة ... أشبهتها في زفرة وأوار
حنّت إلى نجد وليست دارها ... وصبت إلى هنديّة والقار «5»
شاقت به برق الحمى واعتادها ... طيف الكرى بمزارها المزوار «6»
ومن شعره في غير المطولات «7» : [الطويل]
لقد زادني وجدا وأغرى بي الجوى ... ذبال «8» بأذيال الظّلام قد التفّا
تشير وراء الليل منه بنانة ... مخضّبة والليل قد حجب الكفّا
تلوح سنانا حين لا تنفح الصّبا ... وتبدو «9» سوارا حين تثني له العطفا
قطعت به ليلا يطارحني الجوى ... فآونة يبدو وآونة يخفى
إذا قلت لا يبدو أشال لسانه ... وإن قلت لا يخبو الصّبابة إذ لفّا «1»
إلى أن أفاق الصّبح من غمرة الدّجى ... وأهدى نسيم الروض من طيبه عرفا
لك الله يا مصباح أشبهت مهجتي ... وقد شفّها من لوعة الحبّ ما شفّا
وممّا ثبت له في صدر رسالة «2» : [الطويل]
أزور بقلبي معهد الأنس والهوى ... وأنهب من أيدي النسيم رسائلا
ومهما سألت البرق يهفو من الحمى ... يبادره «3» دمعي مجيبا وسائلا
فياليت شعري والأماني تعلّل ... أيرعى لي الحيّ الكرام الوسائلا؟
وهل جيرتي الأولى كما قد عهدتهم ... يوالون بالإحسان من جاء سائلا؟
ومن أبياته الغراميات «4» : [الوافر]
قيادي قد تملّكه الغرام ... ووجدي لا يطاق ولا يرام «5»
ودمعي دونه صوب الغوادي ... وشجوي «6» فوق ما يشدو «7» الحمام
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادي ... على الدّنيا وساكنها السّلام
وفي غرض يظهر من الأبيات «8» : [الطويل]
ومشتمل بالحسن أحوى مهفهف ... قضى رجع طرفي من محاسنه الوطر «9»
فأبصرت أشباه الرياض محاسنا ... وفي خدّه جرح بدا منه لي أثر
فقلت لجلّاسي خذوا الحذر إنما ... به وصب من أسهم الغنج والحور
ويا وجنة قد جاورت سيف لحظه ... ومن شأنها تدمي من اللّمح بالبصر
تخبّل للعينين جرحا وإنما ... بدا كلف منه على صفحة القمر
وممّا يرجع إلى باب الفخر، ولعمري لقد صدق في ذلك «1» : [الطويل]
ألائمة «2» في الجود والجود شيمتي «3» ... جبلت على آثارها «4» يوم مولدي
ذريني فلو أنّي أخلّد بالغنى ... لكنت ضنينا بالذي ملكت يدي
ومن مقطوعاته «5» : [المتقارب]
لقد علم الله أنّي امرؤ ... أجرّر ثوب العفاف القشيب
فكم غمّض الدهر أجفانه ... وفازت قداحي بوصل الحبيب
وقيل رقيبك في غفلة ... فقلت أخاف الإله الرّقيب
وفي مدح كتاب «الشّفا» «6» طلبه الفقيه أبو عبد الله بن مرزوق عندما شرع في شرحه «7» : [الطويل]
ومسرى ركاب للصّبا قد ونت به ... نجائب سحب للتراب نزوعها
تسلّ سيوف البرق أيدي حداتها ... فتنهلّ خوفا من سطاها دموعها
ومنها:
ولا مثل تعريف الشّفاء حقوقه ... فقد بان فيه للعقول جميعها
بمرآة حسن قد جلتها يد النّهى ... فأوصافه يلتاح فيه بديعها
نجوم اهتداء، والمداد يجنّها ... وأسرار غيب واليراع تذيعها
لقد حزت فضلا يا أبا الفضل شاملا ... فيجزيك عن نصح البرايا شفيعها
ولله ممّن قد تصدّى لشرحه ... فلبّاه من غرّ المعاني مطيعها
فكم مجمل فصّلت منه وحكمة ... إذا كتم الإدماج منه تشيعها
محاسن والإحسان يبدو خلالها ... كما افترّ «8» عن زهر البطاح ربيعها
إذا ما أصول المرء طابت أرومة «1» ... فلا عجب أن أشبهتها فروعها
بقيت لأعلام الزمان تنيلها ... هدى ولأحداث الخطوب تروعها
ومما امتزج فيه نثره ونظمه، وظهر فيه أدبه وعلمه، قوله يخاطبني جوابا عن رسالة خاطبت بها الأولاد، وهم مع مولانا أيّده الله بالمنكّب «2» : [مخلع البسيط]
ما لي بحمل الهوى يدان ... من بعد ما أعوز التّداني
أصبحت أشكو إلى «3» زمان ... ما بتّ منه على أمان
ما بال عينيك تسجمان ... والدّمع يرفضّ كالجمان؟
ناداك والإلف عنك وان ... والبعد من بعده كواني؟ «4»
يا شقّة «5» النفس، من هوان ... لجج «6» في أبحر الهوان
لم يثنني «7» عن هواك ثان ... يا بغية القلب «8» قد كفاني «9»
يا جانحة الأصيل، أين يذهب قرصك المذهّب، وقد ضاق بالشوق المذهب.
أمست شموس الأنس محجوبة عن عيني، وقد ضرب البعد الحجاب بينها وبيني.
وعلى كل حال، من إقامة وارتحال. فما محلك من قلبي محلا بينها. وما كنت لأقنع من وجهك تخيّلا وشبيها. ومن أين انتظمت لك عقول التّشبيه واتّسقت، ومن بعض المواقع والشمس لو قطعت. صادك منذور، وأنت تتجمل بثوبي زور، وجيب الظلام على دينارك حتى الصباح مزرور، ووراءك من الغروب غريم لا يرحم، ومطالب تتقلّب منه في كفّه المطالب. ويا برق الغمام من أي حجاب تبتسم، وبأي صبح ترتسم، وأي غفل من السحاب تسم. أليست مباسم الثغور، لا تنجد بأفقي ولا تغور؟
هذا وإن كانت مباسمك مساعدة، والجوّ ملبس لها من الوجوم شعارا، فلطالما ضحكت فأبكت الغوادي، وعقت الرائح والغادي. أعوذ بواشم البروق، بنواسم الطّفل والشروق، ذوات الزائرات المتعددة الطّروق، فهي التي قطعت وهادا ونجادا، واهتدت بسيف الصباح من السحاب قرابا ومن البروق نجادا، واهتدت خبر الذين أحبّهم
مستظرفا مستجادا، فعالها ولعلها، والله يصل في أرض الوجود نهلها وعلّها، وأن يبل ظعين الشوق بنسيمها البليل، وأن نعوضه من نار الغليل، بنار الخليل، وخير طبيب يداوي الناس وهو عليل. فشكواي إلى الله لا أشكو إلى أحد. هل هو إلّا فرد تسطو رياح الأشواق على ذبالته، وعمر الشوق قد شبّ على الطّوق، ووهب الجمع للفرق ولم يقنع بالمشاهدة بالوصف دون الذّوق. وقلب تقسم أحشاؤه الوجد، وقسم باله الغور والنّجد. وهموم متى وردت قليب القلب، لم تبرح ولم تعد، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
أستغفر الله يا سيدي الذي يوقد أفكاري حلو لقائه، وأتنسّم أرواح القبول من تلقائه، وأسأل الله أن يديم لي آمالي بدوام بقائه. إن بعد مداه، قربت منّا يداه، وإن أخطأنا رفده أصبنا نداه. فثمرات آدابه الزّهر تجيء إلينا، وسحائب بنانه الغرّ تصوّب دوالينا أو علينا، على شحط هواه، وبعد منتواه. ولا كرسالة سيدي الذي عمّت فضائله وخصّت، وتلت على أولياء نعمته أنباء الكمال وقصّت، وآي قضى كل منها عجبا، ونال من التماح غرّتها واجتلاء صفحتها أربا. فلقد كرمت عنه بالاشتراك في بنوّته الكريمة نسبا، ووصلت لي بالعناية منه سببا. تولّى سيدي خيرك من يتولّى خير المحسنين، ويجزل شكر المنعمين. أما ما تحدّث به من الأغراض البعيدة العذيبة، وأخبر عنه من المعاني الفريدة العجيبة، والأساليب المطيلة، فيعجز عن وصفه، وإحكام رصفه، القلم واللسان، ويعترف لها بالإبداع المستولي على أمد الإحسان البديع وحسّان. ولقد أجهدت جياد الارتجال، في مجال الاستعجال، فما سمحت القريحة إلّا بتوقّع الآجال، وعادت من الإقدام إلى الكلال. فعلمت أن تلك الرسالة الكريمة، من الحق الواجب على من قرأها وتأمّلها، أن لا يجري في لجّة من ميادينها، ويديم يراع سيدي الإحسان كرينها، لكن على أن يفسح الرياض للقصي مدى، ويقتدي بأخلاق سيدي التي هي نور وهدى، فإنه والله يبقيه، ويقيه ممّا يتّقيه، بعد ما أعاد في شكوى البين وأبدى، وتظلّم من البعد واستعدى، ورفع حكم العتاب عن ذرات النّسيم والاقتعاب، ورعى وسيلة ذكرها في محكم الكتاب. وولّى فضله ما تولّى، وصرف هواه إلى هوى المولى أن صور السعادة على رأيه، أيّده الله تجلّى، وثمرة فكره المقدس، أيّده الله تتحلّى. شكر الله له عن جميع نعمه التي أولى، وحفظ عليه مراتب الكمال التي هو الأحقّ بها والأولى. وقد طال الكلام، وجمحت الأقلاح. ولسيدي وبركتي الفضل، أبقى الله بركته، وأعلى في الدارين درجته، والسلام الكريم يخصّكم، من مملوككم ابن زمرك، ورحمة الله وبركاته، في الخامس عشر لجمادى الأولى عام تسعة وستين.
وخاطبني كذلك، وهو من الكلام المرسل: أبو معارفي، ووليّ نعمتي، ومعيد جاهي، ومقوّم كمالي، ومورد آمالي، ممن توالى نعمه عليّ، ويتوفّر قسمه لدي؛ وأبوء له بالعجز، عن شكر أياديه التي أحيت الأمل، وملأت أكفّ الرغبة، وأنطقت الحدائق، فضلا عن اللسان، وأياديه البيض وإن تعددت، ومننه العميمة وإن تجدّدت، تقصر عن إقطاع أسمى شرف المجلس في الروض الممطور بيانه. فماذا أقول، فيمن صار مؤثرا إليّ بالتقديم، جاليا صورة تشريفي، بالانتساب إليه في أحسن التقويم ... «1» وإني ثالث اثنين أتشرف بخدمتها، وأسحب في أذيال نعمتها:
[الطويل]
خليليّ، هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من تمشي إليه عبيد؟
اللهمّ، أوزعني شكر هذا المنعم، الذي أثقلت نعمه ظهر الشكر، وأنهضت كمال الحمد، اللهمّ أدم بجميع حياته، وأمتع بدوام بقائه الإسلام والعباد، وأمسك بيمن آرائه رمق ثغر الجهاد. يا أكرم مسئول، وأعزّ ناصر. تفضّل سيدي، والفضل عادته، بالتعريف بما يقرّ عين التطلّع ويقنع غلّة التشوّف. ولقد كان المماليك لما مثلنا بين يدي مولانا، أيّده الله، لم يقدم عملا عن السؤال ولا عن الحال، إقامة لرسم الزيارة، وعملا بالواجب، فإنني أرى الديار بطرفي، فعلى أن أرى الديار بعيني، وعلى ذلك يكون العمل إن شاء الله. وإن سأل سيدي شكر الله احتفاءه، وأبقى اهتمامه، عن حال المماليك، من تعب السفر، وكدّ الطريق، فهي بحمد الله دون ما يظنّ. فقد وصلنا المنكّب تحت الحفظ والكلاءة، محرزين شرف المساوقة، لمواكب المولى، يمن الله وجهته، وكتب عصمته، واستقرّ جميعنا بمحلّ القصبة، وتاج أهبتها، ومهبّ رياح أجرائها، تحت النعم الثرّة، والأنس الكامل الشامل. قرّب الله أمد لقائكم، وطلع على ما يسرّ من تلقائكم. ولما بلغنا هذه الطّيّة، وأنخنا المطيّة، قمنا بواجب تعريفكم على الفور بالأدوار، ورفعنا مخاطبة المالك على الابتدا. والسلام.
مولده: في الرابع عشر من شوال ثلاثة وثلاثين وسبعمائة.
انتهى السفر السادس هنا، والحمد لله ربّ العالمين
ومن السفر السابع المفتتح بقوله ومن الطّارئين منهم في هذا الباب
محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خيثمة الجبّائي
سكن غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان مبرّزا في علوم اللسان نحوا ولغة وأدبا، متقدما في الكتابة والفصاحة، جامعا فنون الفضائل، على غفلة كانت فيه.
مشيخته: روى عن أبي الحسن بن سهل، وأبي بكر بن سابق، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي علي الغساني وغيرهم. وصحب أبا الحسن بن سراج صحبة مواخاة.
تواليفه: صنّف في شرح غريب البخاري مصنّفا مفيدا.
وفاته: توفي ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة أربعين وخمسمائة.
محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الإستجّي الحميري
من أهل مالقة، وأصله من إستجّة، انتقل سلفه إلى مالقة، يكنّى أبا عبد الله.
حاله: كان من جملة حملة العلم، والغالب عليه الأدب، وكان من أهل الجلالة، ومن بيت علم ودين. أقرأ ببلده، وقعد بالجامع الكبير منه، يتكلّم على صحيح البخاري، وانتقل في آخر عمره إلى غرناطة.
وقال الأستاذ «1» : كان من أبرع أهل زمانه في الأدب نظما ونثرا.
شعره: منقولا من خط الوزير الرّاوية أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وقد ذكر أشياخه فقال: الشيخ المتفنن الأديب، البارع، الشاعر المفلق، قرأ على أشياخها، وأقرأ وهو دون العشرين سنة. وكانت بينه وبين الأستاذ المقرئ الشهير أبي العباس، الملقب بالوزعي، قرابة، وله قصيدة أولها: [الكامل]
ما للنسيم لدى الأصيل عليلا ومنها:
حتى النسيم إذا ألّم بأرضهم ... خلعوا عليه رقّة ونحولا
وكان يقول: كان الأستاذ أبو العباس يستعيدني هذا البيت ويقول: نعم أنت قريبي. وقدم على غرناطة، أظنّ سنة تسع وثلاثين وستمائة.
محنته: قال الأستاذ: جرى له قصة، نقل بعض كلامه فيها، على بعض أحاديث الكتّاب من جهة استشهاد أدبي عليه فيها، غالب أدبه، فأطلق عنان الكلام، وما أكثر مما يطاق فيما يأنفه إدراكات تلك الأفهام، ولكل مقام مقال، ومن الذي يسلم من قيل وقال. وكان ذلك سبب الانقطاع، ولم يؤت من قصر باع، وانتقل إلى غرناطة، فتوفي في أثر انقطاعه وانتقاله.
شعره: من ذلك قوله في غرض يظهر من الأبيات: [الطويل]
قضوا في ربى نجد ففي القلب مرساه ... وغنّوا إن أبصرتم «1» ثمّ مغناه
أما هذه نجد أما ذلك الحمى؟ ... فهل عميت عيناه أم صمّ «2» أذناه؟
دعوه يوفّي ذكره باتّشامه ... ديون هواه قبل أن يتوفّاه
ولا تسألوه سلوة فمن العنا ... رياضة من قد شاب في الحب فوداه «3»
أيحسب من أصلى فؤادي بحبّه ... بأني «4» سأسلو عنه، حاشاه حاشاه؟
متى غدر الصّبّ الكريم وفى «5» له ... وإن أتلف القلب الحزين تلافاه
وإن حجروا معناه وصرّحوا به ... فإن معناه أحقّ بمعناه
ويا سابقا عيس الغرام سيوفه ... وكلّ إذا يخشاه في الحبّ يخشاه
أرحها فقد ذابت من الوجد والسّرى ... ولم يبق إلّا عظمها أو بقاياه
ويا صاحبي عج بي على الخيف «6» من منى ... وما للتعنّي «7» لي بأنّي ألقاه
وعرّج على وادي العقيق لعلّني ... أسائل عمّن كان بالأمس مأواه
وقل للّيالي قد سلفن بعيشه ... وعمر على رغم العذول قطعناه
هل العود أرجوه أم العمر ينقضي ... فأقضي ولا يقضى الذي أتمنّاه؟