ومن شعره أيضا قوله «1» : [الكامل]
عرّج على بان العذيب وناد ... وأنشد فديتك أين «2» حلّ فؤادي
وإذا مررت على المنازل بالحمى ... فاشرح هنالك لوعتي وسهادي
إيه فديتك يا نسيمة خبّري ... أرب «3» الأحبّة والحمى والوادي
يا سعد، قد بان العذيب وبانه ... فانزل فديتك قد بدا إسعادي
خذ في البشارة مهجتي يوما إذا ... بان العذيب ونور حسن سعاد «4»
قد صحّ عيدي يوم أبصر حسنها ... وكذا الهلال علامة الأعياد
وممّا نقلناه من خبر قيّده لصاحبنا الفقيه الأستاذ أبي علي منصور الزواوي، وممّا ادعاه لنفسه «5» : [الوافر]
عليّ لكلّ ذي كرم ذمام ... ولي بمدارك المجد اهتمام
وأحسن ما لديّ لقاء حرّ ... وصحبة «6» معشر بالمجد هاموا «7»
وإني حين أنسب من أناس ... على قمم النجوم لها «8» مقام
يميل بهم إلى المجد ارتياح ... كما مالت بشاربها المدام «9»
هم لبسوا أديم الليل «10» بردا ... ليسفر من مرادهم «11» الظلام
هم جعلوا متون العيس «12» أرضا ... فمذ عزموا الرّحيل فقد أقاموا «13»
فمن كلّ البلاد لنا ارتحال ... وفي كلّ البلاد لنا مقام
وحول موارد العلياء منها «14» ... لنا مع كلّ ذي شرف زحام
تصيب سهامنا غرض المعالي ... إذا ضلّت عن الغوص «15» السّهام
وليس لنا من المجد اقتناع ... ولو أنّ النجوم لنا خيام «1»
ننزّه عرضنا عن كل لوم ... فليس يشين سؤددنا ملام
ونبذل لا نقول العام ماذا ... سواء كان خصب أو حطام
إذا ما المحل عمّ بلاد قوم ... أثبناها فجاد بنا الغمام
وإن حضر الكرام ففي يدينا ... ملاك أمورهم ولنا الكلام
وفينا المستشار بكل علم ... ومنّا اللّيث والبطل الهمام
فميدان الكلام لنا مداه ... وميدان الحروب بنا يقام
كلا الأمرين ليس له بقوم ... سوانا يوم نازلة تمام
يريق دم المداد بكل طرس ... وليس سوى اليراع لنا سهام
وكتب بالمثقّفة العوالي ... بحيث الطّرس لبّات وهام
إذا عبست وجوه الدهر منّا ... إليها فانثنت ولها انتقام
لقد علمت قلوب الرّوم أنّا ... أناس ليس يعوزنا مرام
وليس يضيرنا أنا قليل ... لعمر أبيك ما كثر الكرام
إذا ما الرّاية الحمراء هزّت ... نعم فهناك للحرب ازدحام
وما أحمرّت سدى بل من دماء ... ليس على جوانبها انسجام
تظلّل من بني نصر ملوكا ... حلال النّوم عندهم حرام
فكم قطعوا الدّجى في وصل مجد ... وكم سهروا إذا ما الناس ناموا «2»
أبا الحجاج لم تأت الليالي ... بأكرم منك إن عدّ الكرام
ولا حملت ظهور الخيل أمضى ... وأشجع منه إن هزّ الحسام
وأنّى جئت من شرق لغرب ... ورمت بي الزمان كما ترام
وجرّبت الملوك وكل شخص ... تحدّث عن مكارمه الأنام
فلم أر مثلكم يا آل نصر ... جمال الخلق والخلق العظام
ومنها:
لأندلس بكم شرف وذكر ... تودّ بلوغ أدناه الشّآم
سعى صوب الغمام بلاد قوم ... هم في كل مجدبة غمام
إليك بها مهذّبة المعاني ... يرينها ابتسام وانتظام
لها لجناب مجدكم انتظام ... طواف وفي أركان إسلام
نجزت وما كادت، وقد وطي الإيطاء صروحكم، وأعيا الإكثار حارثها وسروجها، والله وليّ التّجاوز بفضله.
محمد بن أحمد بن الحدّاد الوادي آشي «1»
يكنى أبا عبد الله.
حاله: شاعر «2» مفلق، وأديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها في الموسيقى، مضطلع بفكّ المعمّى. سكن ألمريّة، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح. وقال ابن بسّام: كان «3» أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف وضوح الصّبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل «4» ، إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينمّ على أشعاره، ويتبيّن في منازعه وآثاره.
تواليفه: ديوان «5» شعر «6» كبير معروف. وله في العروض تصنيف «7» ، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الجليلة.
بعض أخباره: حدّث «8» بعض المؤرخين ممّا يدلّ على ظرفه أنه فقد سكنا «9» عزيزا عليه، وأحوجت الحال «10» إلى تكلّف سلوة، فلمّا حضر الندماء، وكان قد رصد الخسوف بالقمر «11» ، فلمّا حقّق أنه قد «12» ابتدأ، أخذ العود
وغنّى «1» : [المتقارب]
شقيقك غيّب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده
فهلّا خسفت وكان الخسوف «2» ... حدادا لبست على فقده؟
وجعل يردّدها، ويخاطب البدر، فلم يتمّ ذلك إلّا واعترضه الخسوف، وعظم من الحاضرين التعجّب. قال «3» : وكان مني في صباه بصبية من الرّوم، نصرانية، ذهبت بلبّه وهواه، تسمّى نويرة، افتضح بها، وكثر نسيبه.
شعره: قال في الغرض المذكور «4» : [الطويل]
حديثك ما أحلى! فزيدي وحدّثي ... عن الرّشإ الفرد الجمال المثلّث
ولا تسأمي ذكراه فالذّكر مؤنسي ... وإن بعث الأشواق من كلّ مبعث
وبالله فارقي خبل نفسي بقوله ... وفي عقد وجدي بالإعادة فانفثي «5»
أحقّا وقد صرّحت ما بي أنه ... تبسّم كاللاهي، بنا، المتعبّث
وأقسم بالإنجيل إنّي شابق «6» ... وناهيك دمعي من محقّ محنّث
ولا بدّ من قصّي على القسّ قصّتي ... عساه مغيث المذنف المتغوّث
ولم «7» يأتهم عيسى بدين قساوة ... فيقسو على بثّي «8» ويلهو بمكرث
وقلبي من حلي التجلّد عاطل ... هوى في غزال الواديين المرعّث «9»
سيصبح سرّي كالصباح «10» مشهّرا ... ويمسي حديثي عرضة المتحدّث
ويغرى بذكري بين كأس وروضة ... ويشدو «11» بشعري فوق مثنى ومثلث
ومن شعره في الأمداح الصّمادحية «1» : [الطويل]
لعلّك بالوادي المقدّس شاطىء ... وكالعنبر الهنديّ ما أنت واطئ «2»
وإنّي في ريّاك واجد ريحهم «3» ... فروح الجوى بين الجوانح ناشئ
ولي في السّرى من نارهم ومنارهم ... هداة حداة والنجوم طوافىء
لذلك ما حنّت ركابي «4» وحمحمت ... عرابي وأوحى سيرها المتباطىء
فهل هاجها ما هاجني؟ أو لعلّها ... إلى الوخد من نيران وجدي لواجىء
رويدا فذا وادي لبيني وإنه ... لورد لباناتي وإني لظامىء
ميادين تهيامي ومسرح ناظري ... فللشّوق غايات لها «5» ومبادئ
ولا تحسبوا غيدا حمتها مقاصر ... فتلك قلوب ضمّنتها جآجىء
ومنها:
محا ملّة السّلوان مبعث حسنه ... فكلّ إلى دين الصّبابة صابىء
فكيف أرفّي كلم طرفك في الحشا ... وليس لتمزيق المهنّد رافىء؟
وما لي لا أسمو مرادا وهمّة ... وقد كرمت نفس وطابت ضآضىء؟
وما أخّرتني عن تناه مبادئ ... ولا قصّرت بي عن تباه مناشئ
ولكنّه الدّهر المناقض فعله ... فذو الفضل منحطّ وذو النقص نامئ
كأنّ زماني إذ رآني جذيله ... يلابسني منه «6» عدوّ ممالئ
فداريت إعتابا ودارأت عاتبا ... ولم يغنني أني مدار مدارىء
فألقيت أعباء الزمان وأهله ... فما أنا إلّا بالحقائق عابىء
ولازمت سمت الصّمت لاعن فدامة «7» ... فلي منطق للسّمع والقلب صابىء «8»
ولولا علا الملك ابن معن محمد ... لما برحت أصدافهنّ اللآلئ
لآلىء إلا أنّ فكري غائص ... وعلمي ذو ماء «9» ونطقي شاطىء
تجاوز حدّ الوهم واللّحظ والمنى ... وأعشى الحجا لألاؤه المتلالىء
فتنعكس الأبصار «1» وهي حواسر ... وتنقلب الأفكار وهي خواسىء
وقال من أخرى «2» : [الكامل]
أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا ... ويرين في «3» حلل الوراشين «4» القطا
سرب الجوى لا الجوّ عوّد حسنه ... أن يرتعي حبّ القلوب ويلقطا
مالت معاطفهنّ من سكر الصّبا ... ميلا يخيف قدودها أن تسقطا
وبمسقط العلمين أوضح معلم ... لمهفهف سكن الحشا «5» والمسقطا
ما أخجل البدر المنير إذا مشى ... يختال والخوط النضير إذا خطا
ومنها في المدح:
يا وافدي شرق البلاد وغربها ... أكرمتما خيل الوفادة فاربطا
ورأيتما ملك البريّة فاهنآ ... ووردتما أرض المريّة فاحططا
يدمي نحور الدّارعين إذا ارتأى ... ويذلّ عزّ العالمين إذا سطا
وإحسانه كثير. دخل غرناطة، ومن بنات عملها وطنه، رحمه الله.
محمد بن إبراهيم بن خيرة «6»
يكنى أبا القاسم. ويعرف بابن المواعيني «7» ، حرفة أبيه، من أهل قرطبة.
واستدعاه السيد أبو سعيد الوالي بغرناطة إليه، فأقام عنده مدة من عامين في جملة من الفضلاء مثله.
حاله: قال ابن عبد الملك «8» : كان كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، استكتبه أبو حفص بن عبد المؤمن، وحظي عنده حظوة عظيمة، لصهر كان بينهما بوجه ما،
ونال «1» فيه جاها عظيما، وثروة واسعة. وكان حسن الخطّ رائقه، سلك فيه «2» في ابتدائه مسلك المتقن أبي بكر بن خيرة «3» .
مشيخته: روى «4» عن أبي بكر بن عبد العزيز، وابن العربي، وأبي الحسن شريح، ويونس بن مغيث، وأبي عبد الله حفيد مكّي، وابن أبي الخصال، وابن بقيّ «5» .
تواليفه: له «6» تصانيف تاريخية وأدبية منها «ريحان الآداب «7» ، وريعان الشباب» لا نظير له. و «الوشاح المفضّل» «8» . وكتاب في الأمثال السائرة. وكتاب في الأدب «9» نحا فيه «10» منحى أبي عمر بن عبد البرّ في «بهجة المجالس» .
وفاته: توفي بمرّاكش سنة أربع وستين وخمسمائة «11» .
محمد بن إبراهيم بن علي بن باق الأموي «12»
مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الإسكان، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من عائد الصلة «13» : كان، رحمه الله تعالى «14» ، كاتبا أديبا ذكيّا، لوذعيّا، يجيد الخطّ، ويرسل النادرة، ويقوم «15» على العمل، ويشارك في الفريضة.
وبذّ السّبّاق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس. عمر «16» زمانا من عمره، محارفا للفاقة، يعالج بالأدب الكدية، ثم استقام له الميسم، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة فيه أناملها بين كاتب وشاهد ومحاسب ومدير تجر، فأثرى ونما ماله، وعظمت حاله، وعهد «17» عندما شارف الرحيل بجملة تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البرّ، فتوهّم أنها كانت زكاة امتسك «18» بها.
وجرى ذكره في التاج بما نصّه «1» : مدير أكواس «2» البيان المعتّق، ولعوب بأطراف الكلام المشقّق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز درّ معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه. ثم تجاوزه إلى المعرّب «3» وتخطّاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لفنّيه «4» جامعا، وفي فلكيه شهابا لامعا، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلّج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض»
، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الصّبابة بشعره «6» ، مغل لسعره.
شعره: أخبرني الكاتب أبو عبد الله بن سلمة، أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله، في رويّه «7» : [الخفيف]
أحرز الخصل من بني سلمه ... كاتب تخدم الظّبا قلمه
يحمل الطّرس عن «8» أنامله ... أثر الطّرس «9» كلّما رقمه «10»
وتمدّ البيان فكرته «11» ... مرسلا حيث يمّمت ديمه
خصّني متحفا بخمس إذا ... بسم الرّوض فقن مبتسمه
قلت أهدى زهر الرّبا خضلا ... فإذا كلّ زهرة كلمه
أقسم الحسن لا يفارقها ... فأبرّ انتقاؤها قسمه
خطّ أسطارها ونمّقها ... فأتت كالقعود منتظمه
كاسيا من حلاه لي حللا ... رسمها من بديع ما رسمه
طالبا عند عاطش نهلا ... ولديه الغيوث منسجمه
يبتغي الشّعر من أخي بله ... أخرس العيّ والقصور فمه
أيها الفاضل الذي حمدت «12» ... ألسن المدح والثّنا شيمه
لا تكلّف أخاك مقترحا ... نشر عار لديه قد كتمه