حوراء بارعة الجمال غريرة «1» ... تزهى فتزري بالقضيب الأملد
إن أدبرت لم تبق عقل مدبّر ... أو أقبلت قتلت ولكن لا تدي «2»
تواليفه: قال شيخنا أبو البركات: وابتلي «3» باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمّى ب «الدّرر المنظومة الموسومة، في اشتقاق حروف الهجا المرسومة» «4» ، وكتاب في حكايات تسمى «روضة الجنان» «5» ، وغير ذلك.
وفاته: توفي في أواخر رمضان من عام تسعة وأربعين وسبعمائة، ودخل غرناطة غير مرة.
محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم
من أهل جزيرة شقر «6» ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن مرج الكحل «7» .
حاله: كان شاعرا مفلقا «8» غزلا، بارع التّوليد، رقيق الغزل. وقال الأستاذ أبو جعفر: كان «9» شاعرا مطبوعا، حسن الكفاية، ذاكرا للأدب، متصرّفا فيه. قال ابن عبد الملك: وكانت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات، ظهرت فيها إجادته.
وكان مبتذل اللباس، على هيئة أهل البادية، ويقال إنه كان أمّيّا.
من أخذ عنه: روى عنه أبو جعفر بن عثمان الورّاد، وأبو الربيع بن سالم، وأبو عبد الله بن الأبّار، وابن عسكر، وابن أبي البقاء، وأبو محمد بن عبد الرحمن بن برطلة، وأبو الحسن الرعيني.
شعره ودخوله غرناطة
قال في عشيّة بنهر الغنداق، خارج «1» بلدنا لوشة بنت الحضرة، والمحسوب من دخلها فقد دخل إلبيرة، وقد قيل: إن «2» هذا النهر من أحواز برجة، وهذا الخلاف داع إلى ذكره «3» : [الكامل]
عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شطّ الكوثر
ولنغتبقها «4» قهوة ذهبيّة ... من راحتي أحوى المراشف «5» أحور
وعشيّة قد «6» كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد تعذّر
نلنا بها آمالنا «7» في روضة ... تهدي لناشقها «8» شميم العنبر
والدّهر من ندم «9» يسفّه رأيه ... فيما مضى منه بغير تكدّر
والورق تشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميص أصفر
والرّوض بين مفضّض ومذهّب «10» ... والزّهر بين مدرهم ومدنّر
والنهر مرقوم الأباطح والرّبى «11» ... بمصندل من زهره ومعصفر
وكأنّه وكأنّ خضرة شطّه ... سيف يسلّ على بساط أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهر
وكأنّه، وجهاته محفوفة ... بالآس والنّعمان، خدّ معذّر
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشّعر من لم يشعر
ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبها ... إلّا لفرقة حسن ذاك المنظر
ولا خفاء ببراعة هذا النظم «1» . وقال منها «2» :
أرأت جفونك مثله من منظر ... ظلّ وشمس مثل خدّ معذّر «3»
وهذا تتميم عجيب لم يسبق إليه. ثم قال منها:
وقرارة كالعشر بين خميلة ... سالت مذانبها بها كالأسطر
فكأنّها مشكولة بمصندل ... من يانع الأزهار أو بمعصفر
أمل بلغناه بهضب حديقة ... قد طرّزته يد الغمام الممطر
فكأنه والزّهر تاج فوقه ... ملك تجلّى في بساط أخضر
راق النّواظر منه رائق منظر ... يصف النّضارة عن جنان الكوثر
كم قاد خاطر خاطر مستوفز ... وكم استفزّ جماله من مبصر
لو لاح لي فيما تقدّم «4» لم أقل ... (عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر)
قال أبو الحسن الرّعيني، وأنشدني لنفسه «5» : [الكامل]
وعشيّة كانت قنيصة فتية ... ألفوا من الأدب الصّريح شيوخا
فكأنما العنقاء قد نصبوا لها ... من الانحناء إلى الوقوع فخوخا
شملتهم آدابهم فتجاذبوا ... سرّ السّرور محدّثا ومصيخا
والورق تقرأ سيرة «6» الطرب التي ... ينسيك منها ناسخا «7» منسوخا
والنهر قد صفحت به نارنجة ... فتيمّمت من كان فيه منيخا
فتخالهم حلل «8» السّماء كواكبا ... قد قارنت بسعودها المرّيخا
خرق العوائد في السّرور نهارهم ... فجعلت أبياتي لهم «9» تاريخا
ومن أبياته في البديهة «1» : [الوافر]
وعندي من مراشفها «2» حديث ... يخبّر أنّ ريقتها مدام
وفي أجفانها» السّكرى دليل ... وما «4» ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعي ... إذا عنّت «5» لمقلتي الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروق ... وأطربني إذا غنّت حمام «6»
ومن قصيدة «7» : [الطويل]
عذيري من الآمال خابت قصودها ... ونالت جزيل الحظّ منها الأخابث
وقالوا: ذكرنا بالغنى، فأجبتهم ... خمولا وما ذكر مع البخل ماكث
يهون علينا أن يبيد أثاثنا ... وتبقى علينا المكرمات الأثائث «8»
وما ضرّ أصلا طيّبا عدم الغنى ... إذا لم يغيّره من الدهر حادث
وله يتشوق إلى أبي «9» عمرو بن أبي غياث: [الوافر]
أبا «10» عمرو متى تقضى الليالي ... بلقياكم وهنّ قصصن ريشي
أبت نفسي هوى إلّا شريشا ... وما «11» بعد الجزيرة من شريش
وله من قصيدة «12» : [الكامل]
طفل المساء وللنسيم تضوّع ... والأنس ينظم «13» شملنا ويجمّع
والزّهر يضحك من بكاء غمامة ... ريعت لشيم سيوف برق تلمع
والنّهر من طرب يصفّق موجه ... والغصن يرقص والحمامة تسجع
فانعم أبا عمران واله بروضة ... حسن المصيف بها وطاب المربع
يا شادن البان الذي دون النقا ... حيث التقى وادي الحمى والأجرع
الشمس يغرب نورها ولربما ... كسفت ونورك كلّ حين يسطع
إن غاب نور الشمس بتنا «1» نتقي ... بسناك ليل تفرّق يتطلّع
أفلت فناب سناك عن إشراقها ... وجلا من الظلماء ما يتوقّع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ... «فوددت يا موسى لو أنّك يوشع» «2»
وقال «3» : [الطويل]
ألا بشّروا بالصبح من كان باكيا ... أضرّ به الليل الطويل مع البكا
ففي الصبح للصّبّ المتيّم راحة ... إذا الليل أجرى دمعه وإذا شكا
ولا عجب أن يمسك الصبح عبرتي ... فلم يزل الكافور للدّم ممسكا
ومن بديع مقطوعاته قوله «4» : [الرمل]
مثل الرّزق الذي تطلبه ... مثل الظّلّ الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متّبعا ... فإذا ولّيت عنه أتبعك «5»
وقال «6» : [الطويل]
دخلتم فأفسدتم قلوبا بملككم «7» ... فأنتم على ما جاء في سورة النّمل «8»
وبالعدل «9» والإحسان لم تتخلّقوا ... فأنتم على ما جاء في سورة النحل «10»
وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجا أحمر قد أجهد نفسه في خدمته فلم ينجب، فقلت «1» : [البسيط]
يا مرج كحل ومن هذي المروج له ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل
يا حمرة «2» الأرض من طيب ومن كرم ... فلا تكن طمعا في رزقها العجل
فإنّ من شأنها إخلاف آملها ... فما تفارقها كيفيّة الخجل
فقال مجيبا بما نصّه «3» : [البسيط]
يا قائلا إذ رأى مرجي وحمرته ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل
هو احمرار دماء الرّوم سيّلها ... بالبيض من مرّ من آبائي الأول
أحببته أن حكى «4» من فتنت به ... في حمرة الخدّ أو إخلافه أملي
وفاته: توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة «5» أربع وثلاثين وستمائة، ودفن في اليوم بعده.
محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري
من أهل مرسية، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الجنّان «6» .
حاله: كان «7» محدّثا راوية، ضابطا، كاتبا بليغا، شاعرا بارعا، رائق الخطّ، ديّنا فاضلا، خيّرا، زكيّا «8» . استكتبه بعض أمراء الأندلس، فكان يتبرّم من ذلك، ويقلق منه. ثم خلّصه الله تعالى «9» منه. وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة «10» ، حتى يظنّ رائيه إذا «11» استدبره أنه طفل ابن ثمانية أعوام أو نحوها، متناسب الخلقة، لطيف الشمائل، وقورا. خرج من بلده حين تمكّن العدو من بيضته «12» عام أربعين.
وستمائة، فاستقرّ بأوريولة «1» ، إلى أن استدعاه «2» إلى سبتة الرئيس بها «3» ، أبو علي بن خلاص «4» ، فوفد عليه، فأجلّ وفادته، وأجزل إفادته، وحظي عنده حظوة تامة. ثم توجّه إلى إفريقية، فاستقرّ ببجاية. وكانت بينه وبين كتّاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته.
مشيخته: روى «5» ببلده وغيرها «6» عن أبي بكر عزيز بن خطّاب، وأبي الحسن «7» سهل بن مالك، وابن قطرال، وأبي الرّبيع بن سالم، وأبي عيسى بن أبي السّداد، وأبي علي الشّلوبين، وغيرهم.
من روى عنه: روى عنه صهره أبو القاسم بن نبيل، وأبو الحسن محمد بن رزيق.
شعره: قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك: وكان له في الزّهد، ومدح النبيّ صلى الله عليه وسلم، بدائع، ونظم في المواعظ للمذكّرين كثيرا. فمن ذلك قوله في توديع رمضان وليلة القدر: [الطويل]
مضى رمضان كأن «8» بك قد مضى ... وغاب سناه بعد ما كان أومضا
فيا عهده ما كان أكرم معهدا ... ويا عصره أعزر عليّ أن انقضا
ألمّ بنا كالطيف في الصيف زائرا ... فخيّم فينا ساعة ثم قوّضا
فياليت شعري إذ نوى غربة النّوى ... أبالسّخط عنّا قد تولّى أم الرّضا؟
قضى الحقّ فينا بالفضيلة جاهدا ... فأي فتى فينا له الحق قد قضا؟
وكم من يد بيضاء أسدى لذي تقى ... بتوبته فيه الصحائف بيّضا
وكم حسن قد زاده حسنا وسنا ... محاه وبالإحسان والحسن عوّضا
فلله من شهر كريم تعرّضت ... مكارمه إلّا لمن كان أعرضا
نفى بينه وبين شجوك «1» معلما ... وفي إثره أرسل جفونك فيّضا
وقف بثنيّات الوداع فإنها ... تمحّص مشتاقا إليها وتمحضا
وإن قضيت قبل التفرّق وقفة ... فمقضيها من ليلة القدر ما قضى
فيا حسنها من ليلة جلّ قدرها ... وحضّ عليها الهاشميّ وحرّضا
لعلّ بقايا الشهر وهي كريمة ... تبيّن سرّا للأواخر أغمضا
وقد كان أضفى ورده كي يفيضه ... ولكن تلاحى من تلاحى فقيّضا
وقال اطلبوها تسعدوا بطلابها ... فحرّك أرباب القلوب وأنهضا
جزى الله عنّا أحمدا للجزاء «2» ... على كرم أضفاه بردا وفضفضا
وصلّى عليه من نبيّ مبارك ... رؤوف رحيم للرسالة مرتضى
له عزّة أعلى من الشمس منزلا ... وعزمته أمضى من السّيف منتضى
له الذّكر يهمي فضّ مسك ختامه ... تأرّج من ريّا فضائله الفضا
عليه سلام الله ما انهلّ ساكب ... وذهّب موشيّ الرياض وفضّضا
ومن ذلك قصيدة في الحج: [الطويل]
مذاكرة الذّكرى تهيج اللّواعجا «3» ... فعالجن أشجانا يكاثرن عالجا «4»
ركابا سرت بين العذيب وبارق ... نوافيج «5» في تلك الشّعاب نواعجا «6»
تيمّمن من وادي الأراك منازلا ... يطرّينها في الأراك سجاسجا «7»
لهنّ من الأشواق حاد فإن ونت ... حداه يرجّعن الحنين أهازجا
ألا بأبي تلك الركاب إذا سرت ... هوادي يملأن الفلاة هوادجا