بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 24

بالشّرّ، فتحصّن بإشبيلية وجهاتها على نفسه، وطال على الأمة الواصلة في سبيل نصره الأمر. فرجعت إلى بلادها، ووقيت نفرة الفرسان، وأولي الأتباع، وأظهروا الخلاف، وكشفت جيّان وجهها في خلعانه، والرّجوع إلى دعوة أخيه المتصرّف، فتحرّك إليها السلطان المترجم به، بعد أن احتشد المسلمين، فكان من دخولها عنوة، واستباحة المسلمين إياها وتخريبها، ما هو مذكور في موضعه. ثم ألحقت بها مدينة أبّدة، الذاهبة في مخالفة مذاهبها والحمد لله. وخالفت عليه قرطبة، واستقرّ بها من الكبار جملة، كاتبوا أخاه، واستعجلوا، فتعرّف في هذه الأيام، أنه قد بلغ أرض برغش، ونار الفتنة بينهم، ويد الإسلام لهذا العهد، والمنية لله، وحده غالبة.
وإنما مددنا القول في ذكر هذه الأحوال الرّومية، لغرابة تاريخها، وليستشعر الحذر، ويؤخذ من الأمة المذكورة وغيرها، والله وليّ نصر المؤمنين بفضله.
وبأرض رغون سلطانها الكائن على الدولة الأولى.
بعض مناقب الدولة لهذا العهد:
وأولا ما يرجع إلى مناقب الحلم والكظم من مآزق الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس.
فمن ذلك أن السلطان لمّا جرت الحادثة، وعظه التمحيص، وألجأ إلى وادي آش، لا يملك إلّا نفسه في خبر طويل، بادر إلى مخاطبة ثقته بقصبة ألمريّة، قلعة الملك، ومظنّة الامتناع، ومهاد السّلامة، ومخزن الجباية والعدّة، وقد أصبح محلّ استقراره، بينها، وبين المنتزى سدّا، وبيعة أهلها لم ينسخ الشرع منها حكما يناشده الله في رمقه، ويتملّقه في رعي ذمّته، والوفاء له، وإبراء غربته، وتمسّكه من أمانته، فردّ عليه أسوأ الردّ، وسجن رسوله في المطبق، وخرج منها لعدوّه، وناصح بعد في البغي عليه. فلمّا ردّ الله الأمر، وجبر الحق، أعتب وأجرى عليه الرّزق. ولمّا ثار في الدولة الثانية الدليل البركي «1» ، هاتفا بالدعوة لبعض القرابة، وأكذبه الله، وعقّه الشيطان بعد نشر راية الخلاف، وجعل للدولة، علوّ اليد، وحسن العاقبة، وتمكّن من المذكور، أبقى عليه، وغلّب حكم المصلحة العامة في استحيائه، وهو من مغربات الحلم المبني على أساس الدين، وابتغاء وجه الله.
ولمّا أجلى عن الترشيح من القرابة، بعد تقرّب التهمة، وغمس الأيدي في المعصية، صرفوا إلى المغرب صرف العافية، وأجرى على من تخلّفوه عوائد


صفحه 25

الأرزاق، ومرافق المواسم، ووعد ضعفاءهم بالإرفاد، وتجوفي عمّا يرجع للجميع من عقار ورباع، وأسعفت آمالهم في لحاق ذويهم من أهل وولد.
وممّا يرجع إلى عوائد الرّفق، ومرافق العدل من مأزق في جهاد النفس، وقوف وكيل الدولة، مع من يجاور مستخلص «1» السلطان من العامرين «2» ومما ولي الفلاحة، وقد ادّعوا أضرارا، يجرّه الحوار بين يدي القاضي بالحضرة، حتى بعد منقطع الحقّ، على ما يخصّ السلطان من الأصول التي جرّها الميراث عن كريم السّلف. ولا كقضية التاجر المعروف بالحاج اللبّاس، من أهل مدينة وادي آش، وقد تحصّلت في داره، من قبل التاجر المذكور جارية من بنات الروم، في سبيل تفوّت الذّمم، ومستهلك المتولات، وترقّت إلى تربية ولده، وأصبحت بعض الأظآر «3» لأمرائه، واتّصل بها كلفه، وزاد هيمانه، وغشي مدافن الصّالحين من أجلها، وأنهيت إليه خبره وبثّه، وقرّرت عنده شجوه، وألمعت بما ينقل في هذا الباب عن الملوك قبله، فبادر إلى إخراجها من القصر بنفسه، وانتزاعها من أيدي الغبطة، انتزاع القهر، بحاله في جميل الزّي، فمكّنت منها يد عاشقها الذّاهل، وقد خفّت نفسه، وسكن حسّه، وكاد لقاؤه إيّاها أن يقضي عليه. ونظائر هذا الباب متعددة.
ومن مواقف الصّدق والإحسان من خارق جهاد النفس، بناء المارستان الأعظم، حسنة هذه التخوّم القصوى، ومزيّة المدينة الفضلى. لم يهتد إليه غيره من الفتح الأول، مع توفّر الضرورة، وظهور الحاجة، فأغرى به همّة الدّين، ونفس التقوى، فأبرزه موقف الأخدان «4» ، ورحلة الأندلس، وفذلكة الحسنات، فخامة بيت، وتعدّد مساكن، ورحب ساحة، ودرور مياه، وصحّة هواء، وتعدّد خزائن ومتوضآت، وانطلاق جراية، وحسن ترتيب، أبرّ على مارستان مصر «5» ، بالسّاحة العريضة، والأهوية الطيّبة، وتدفّق المياه من فورات المرمل، وأسود الصخر، وتموّج البحر، وانسدال الأشجار، إلى موافقته إياي، وتسويغه ما اخترعته بإذنه، وأجريته بطيب نفسه، من اتخاذ المدرسة والزاوية، وتعيين التّربة، مغيرا في ذلك كله على مقاصد


صفحه 26

الملوك، نقشا عليه، بطيب اسمه في المزيد، وتخليد في الجدرات للذّكر، وصونا للمدافن غير المعتادة، في قلب بلده بالمقاصر والأصونة، وترتيل التلاوة، آناء الليل «1» ، وأطراف النهار. وكل ذلك إنما ينسب إلى صدقاته، وعلوّ همّته. ويشهد بما ينبّه الحسّ إلى المنقبة العظمى، في هذا الباب، من إمداد جبل الفتح، مع كونه في إيالة غيره، وخارج عن ملكة حكمه، وما كان من إعانته، وسدّ ثغره، فانهار إليه على خطر السّرى، والظهر البعيد المسعى، ما ملأ الأهواء، وقطع طمع العداة، أنفقت عليه الأموال، ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، بودر بذلك، بين يدي التفاؤل، بنزول العدوّ إياه، فكان الكرى «2» على إيصال الطعام إليه، بحساب درهم واحد وربع درهم للرّطل من الطعام، منفعة فذّة، وحسنة كبرى، وبدعا من بدع الفتوى.
وفي موقف الاستعداد لعدوّ الإسلام، من خارق جهاد النفس، إطلاق البنى «3» ، للمدّة القريبة، والزمان الضيق، باثنين وعشرين ثغرا من البلاد المجاورة للعدوّ، والمشتركة الحدود، مع أراضيه، المترامية النيران لقرب جوابه، منها ثغر أرجدونة «4» ، المستولي عليه الخراب، أنفق في تجديد قصبته؛ واتخاذ جبّه، ما يناهز عشرين ألفا من الذهب، فهو اليوم شجى العدو، ومعتصم المسلمين، وحصن أشر، وما كان من تحصين جبله بالأسوار والأبراج، على بعد أقطاره، واتخاذ جباب الماء به، واحتفار السانية «5» الهايلة بربضه، ترك بها من الآثار ما يشهد بالقوة لله، والعناية بالإسلام. ثم ختم ذلك بنديد حصن الحمراء، رأس الحضرة، ومعقل الإسلام، ومفزع الملك، ومعقد الأيدي، وصوان المال والذّخيرة، بعد أن صار قاعا صفصفا، وخرابا بلقعا، فهو اليوم عروس يجلي المهضب، ويغازل الشهب، سكن لمكانه الإرجاف، وذوت نجوم الأطماع، ونقل إليه مال الجباية، المتفضّل لهذا العهد، بحسب التدبير، ونفّد الخراج، وصوّن الألقاب، وقمع الخزانة بما لم يتقدّم به عهد، من ثمانين سنة، والحمد لله، وتجديد أساطيل الإسلام، وإزاحة علل جيوش المرج، وعساكر البحر، فهي لهذا العهد، ملس الأديم، شارعة الشّبا، منقضّة جفاتها إلى مساواة الأعداء، راكبة ظهور المحاسن، قلقة الموافق، قدما إلى الجهاد، قد تعدّد إغزاؤها، وجاست


صفحه 27

البحر سوابحها، وتعرّفت بركتها، والحمد لله، وأنصاب جيش الجهاد، استغرق الشهور المستقبلة، لرود الصفراء والبيضاء الأهلّة إلى أكفّ أهلها، على الدوام، بعد أن كانت يتحيّفها المطل، وينقصها المطال، والحمد لله.
وفي مواقف الجهاد الحسّي، وبيع النّفوس من الله، وهو ثمرة الجهاد الأول، ما لا يحتاج عليه إلى دليل، من الجوف «1» إلى حصن أشر، قبل الثغر، والجارح المطلّ على الإسلام، والعزم على افتتاحه، وقد غاب الناس من مساورته، وأعيا عليهم فتحه، فلزمه السلطان بنفسه، بياض يوم القيظ، محرضا للمقاتلة، مواسيا لهم، خالطا نفسه بالمستنفرة، يصابر لهيب النار، ووقع السلاح، وتعميم الدّخان، مفديا للكلمات، محرّضا لذوي الجراح، مباشرا الصلاة على الشهداء، إلى أن فتحه الله على يده، بعزمه وصبره، فباشر رمّ سوره بيده، وتحصين عورته بنفسه، ينقل إليه الصّخر، وينال الطّين، ويخالط الفعلة، لقرب محلّ الطاغية، وتوقع المفاجأة. ثم كان هذا العمل قانونا مطّردا في غيره، وديدنا في سواه، حسبما نذكر في باب الجهاد.
وفي باب النصيحة للمسلمين من مآزق الجهاد الأكبر، ما صدر في هذه الدولة، من مخاطبة الكافة، بلسان الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، صدعت بذلك الخطباء من فوق أعواد المنابر، وأسمعت آذان المحافل، ما لم يتقدم به عهد في الزمان الغابر.
نص الكتاب: ولمّا صحّت الأخبار بخروج الأمة الإفرنسية إلى استئصال هذه البقيعة، والله متمّ نوره، ولو كره الكافرون، صدر من مخاطبة الجمهور في باب التحريض بما نصّه:
«من أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد نصر، أيّده الله ونصره، وأوى أمره، وخلّد مآثره، إلى أوليائنا الذين نوقظ من الغفلة أحلامهم، وندعوهم لما يطهّر من الارتياب إيمانهم، ويخلص لله أسرارهم وإعلانهم، يرثي لعدم إحسانهم، وخيبة قياسهم، ويغار من استيلاء الغفلات على أنواعهم وأجناسهم، ونسأل الله لهم ولنا إقالة العثرات، وتخفيض الشدائد المعتورات، وكفّ أكفّ العوادي المبتدرات. إلى أهل فلانة، دافع الله عن فئتهم الغريبة، وعرّفهم في الذراري والحرم عوارف اللطائف القريبة، وتداركهم بالصنائع العجيبة، سلام عليكم أجمعين، ورحمة الله وبركاته.


صفحه 28

أما بعد حمد الله الذي لا نشرك به أحدا، ولا نجد من دونه ملتحدا، مبتلي قلوب المؤمنين أيها أقوى جلدا، وأبعد في الصبر مدى، ليزيد الذين اهتدوا هدى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أنقذ من الردى، وتكفل الشفاعة لمن غدا، ضاربا هام العدا، ومجاهدا من اتخذ مع الله ولدا، والرضى عن آله الذين كانوا لسماء ملّته عمدا، فلم ترعهم الكتائب الوافرة وكانوا لهم أقل عددا، ولا هالتهم أمم الكفر وإن كانت أظهر جمعا وأكثر عددا، صلاة لا تنقطع أبدا، ورضى لا يبلغ مدى. فإنا كتبنا إليكم، كتبكم الله فيمن امتلأ قلبه غضبا لأعدائه وحميّة، ورمى بفكره غرض السّداد، فلم يخط منه هدفا ولا رمية. وقد «1» اتصل بنا الخبر الذي يوجب نصح الإسلام، ورعي الجوار والذّمام، وما جعل الله تعالى «2» للمأموم على الإمام، فوجب علينا «3» إيقاظكم من مراقدكم المستغرقة، وجمع أهوائكم المفترقة «4» ، وتهييئكم إلى مصادمة الشدائد المرعدة المبرقة، وهو أنّ كبير «5» النصرانية، الذي إليه ينقادون، وفي مرضاته يصادقون ويعادون، وعند رؤية صليبه يبكون «6» ويسجدون، لما رأى الفتن قد أكلتهم خضما وقضما «7» ، وأوسعتهم هضما فلم تبق لهم «8» عصبا ولا عظما، ونثرت ما كان نظما، أعمل نظره فيما يجمع منهم ما افترق، ويرفع ما طرق، ويرفو «9» ما مزّق الشّتات وخرق، فرمى الإسلام بأمة عددها كالقطر «10» المنثال، والجراد الذي تضرب به الأمثال، وعاهدهم وقد حضر التمثال، وأمرهم وشأنهم الامتثال، أن يدمنوا «11» لمن ارتضاه «12» الطاعة، ويجمعوا من «13» ملّته الجماعة، ويطلع الكلّ على هذه الفئة القليلة الغريبة بغتة كقيام السّاعة، وأقطعهم، قطع الله بهم، العباد والبلاد، والطّارف والتّلاد «14» ، وسوّغهم الحريم المستضعف «15» والأولاد، وبالله نستدفع ما لا نطيقه، ومنه نسأل عادة الفرج، فما سدّت لديه طريقة، إلّا أنّا رأينا غفلة الناس مع


صفحه 29

تصميمهم مؤذنة بالبوار «1» ، وأشفقنا للذين «2» من وراء البحار، وقد أصبح معظمهم «3» في لهوات الكفّار، وأردنا أن نهزّهم «4» بالموعظة التي تكحل البصائر بميل الاستبصار، وتلهمكم الاستنصار بالله عند عدم الانتصار، فإن جبر الله الخواطر بالضراعة إليه، والانكسار، ونسخ الإعسار بالإيسار، وأنجد اليمين بانتهاء اليسار، وإلا فقد تعيّن في الدنيا والآخرة حظّ الخسار، فإنّ من ظهر عليه عدوّ دينه «5» ، وهو عن «6» الله مصروف، وبالباطل مشغوف، وبغير العرف معروف، وعلى الحطام المسلوب ملهوف «7» ، فقد تلّه «8» الشيطان للجبين، وخسر «9» الدنيا والآخرة، وذلك «10» هو الخسران المبين. ومن نفذ فيه قدر الله عن أداء الواجب وبذل المجهود، وآجر «11» بالعبودية وجه الواحد الأحد المعبود، ووطّن النفس عن «12» الشهوات الموبقة في دار الخلود، العائدة بالحياة الدّائمة والوجود، أو الظّهور على عدوّه المحشور إليه المحشود «13» ، صبرا على المقام المحمود، وبيعا «14» تكون الملائكة فيه من «15» الشهود، حتى تعيث «16» يد الله في ذلك البناء المهدوم، بقوة الله المحمود، والسّواد الأعظم الممدود، كان على أمر ربّه «17» بالحياء المردود: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
(52) «18» . فالله «19» الله في الهمم، فقد خبت «20» ريحها. والله الله في العقائد، فقد خفتت «21» مصابيحها. والله الله في الرّجولة «22» ، فقد فلّ حدّها. والله الله في الغيرة، فقد نعس «23» جدّها، والله الله في الدّين، فقد طمع


صفحه 30

العدوّ في تحويله. والله الله في الحريم، فقد مدّ إلى استرقاقه يد تأميله. والله الله في المساكن التي زحف لسكناها، والله الله في الملّة التي يريد إطفاء نورها وسناها «1» ، وقد كمل فضلها وتناهى، والله الله في القرآن العظيم «2» . والله الله في الجيران. والله الله في الطّارف والتّالد، والله الله في الوطن الذي توارثه الولد عن الوالد. اليوم تستأسد النفوس المهينة، اليوم يستنزل الصبر والسكينة. اليوم «3» تحتاج الهمم أن ترعى هذه النفوس الكريمة الذّمم، اليوم يسلك سبيل العزم والحزم والشدة والشّمم، اليوم يرجع إلى الله تعالى المصرّون، اليوم يفيق من نومه الغافلون «4» والمغترون، قبل أن يتفاقم الهول، ويحقّ القول، ويسدّ الباب، ويحيق العذاب، ويسترق بالكفر «5» والرّقاب، فالنساء تقي بأنفسهنّ أولادهنّ الصغار، والطّيور ترفرف لتحمي الأوكار «6» ، إذا أحست العياث «7» بأفراخها والإضرار. تمرّ الأيام عليكم مرّ السحاب، وذهاب الليالي لكم ذهاب، فلا خبر يفضي إلى العين، ولا حديث في الله تعالى يسمع بين اثنين، ولا كدّ إلّا لزينة يحلّى بها نحر وجيد، ولا سعي إلّا في «8» متاع لا يغني في الشدائد ولا يفيد. وبالأمس ندبتم إلى التماس رحمى أو رضى «9» مسخّر السحاب، واستقالة كاشف العذاب، وسؤال مرسل الدّيمة، ومحيي البشر والبهيمة، وقد أمسكت عنكم رحمة السماء؛ واغبرّت جوانبكم المخضرّة احتياجا إلى بلالة الماء وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
(22) «10» وإليها الأكفّ تمدّون، وأبوابها بالدعاء تقصدون، فلم يصحر «11» منكم عدد معتبر، ولا ظهر للإنابة ولا للصدقة «12» خبر، وتتوقّون عن «13» إعادة الرغبة إلى الغني «14» الحميد، والولي الذي إِنْ يَشَأْ «15» يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
«16» .
وأيم الله لو كان لهوا لارتقبت الساعات، وضاقت المتّسعات، وتزاحمت على جماله وغصّت الجماعات «17» . أتعزّزا على الله وهو القوي العزيز؟ وتلبيسا «18» على الله وهو


صفحه 31

الذي يميّز الخبيث من الطيب والشّبه من الإبريز؟ أمنابذة والنواصي بيده «1» ؟ أغرورا في الشدائد «2» بالأمل والرجوع بعد إليه؟. من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ ثم «3» ينزل الرزق ويفيده؟ من يرجع إليه في الملمّات؟ من يرجّى في الشدائد والأزمات؟ من يوجد في المحيا والممات؟ أفي الله شكّ يختلج القلوب؟ أم «4» غير الله يدفع المكروه، وييسّر المطلوب؟ تفضلون على اللجإ إليه في الشدائد، بواسم الجهل «5» ، وثرّة الأهل «6» وطائفة منكم قد برزت إلى استسقاء رحمته، تمدّ إليه الأيدي والرقاب، وتستكشف بالخضوع لعزته «7» العقاب، وتستعجل إلى مواعد «8» إجابته الارتقاب، وكأنكم أنتم «9» عن كرمه قد استغنيتم، أو على الامتناع من الرجوع إليه بنيتم. أما تعلمون كيف كان نبيّكم صلوات الله وسلامه عليه من التبلغ باليسير، والاستعداد إلى دار الرحيل «10» الحقّ والمسير، ومداومة الجوع، وهجر الهجوع، والعمل على الإياب إلى الله والرجوع؛ دخلت عليه «11» فاطمة، رضي الله عنها، وبيدها كسرة شعير، فقال: ما هذه «12» يا فاطمة؟ فقالت: يا رسول الله، خبزت قرصة، وأحببت أن تأكل منها.
فقال: يا فاطمة، أما أنه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث؟ وكان صلى الله عليه وسلم يستغفر في اليوم سبعين مرة، يلتمس رحماه، ويقوم وهو المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، حتى تورّمت «13» قدماه، وكان شأنه الجهاد، ودأبه الجدّ والاجتهاد، ومواقف صبره تعرفها الرّبى والوهاد. فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟ وإذا لم تهتدوا بهديه «14» فبمن تهتدون؟ وإذا لم ترضوه باتّباعكم فكيف تعتزون «15» إليه وتنتسبون؟ وإذا لم ترغبوا في الاتّصاف بصفاته غضبا لله تعالى وجهادا، وتقللا من العرض الأدنى وسهادا، ففيم ترغبون؟ فابتروا حبال الآمال، فكلّ آت قريب، واعتبروا بمثلات ما دهم «16» من تقدم من أهل البلاد والقواعد، فذهولكم عنها غريب، وتفكّروا في منابرها التي كان «17» يعلوها واعظ أو خطيب، ومطيل ومطيب، ومساجدها المتعدّدة الصفوف، والجماعات